قال شيخ الإسْلام: وقد استعمل هذه الصِّيغة فيما لم يَسْمعهُ من مشايخه في عِدَّة أحاديث, فيُوردهَا عنهم بصيغة: قال فُلان, ثمَّ يُوردها في موضع آخر بواسطة بينهُ وبينهم, كمَا قال في « التاريخ» : قال إبراهيم بن موسى: حدَّثنا هشام بن يوسف, فذكر حديثًا, ثمَّ يقول: حدَّثوني بهذا عن إبراهيم. [1]
قال: ولكن ليسَ ذلكَ مُطردا في كلِّ ما أورده بهذه الصِّيغة, لكن مع هذا الاحتمال, لا يُحمل حمل ما أورده بهذه الصِّيغة على أنَّه سَمعهُ من شُيوخه.
وبهذا القول, يندفع اعتراض ( الحافظ) العِرَاقي على ابن الصَّلاح في تمثيله بقوله: قال عفَّان, وقال القعنبي, كونهما من شُيوخه, وأنَّ الرِّواية عنهم, ولو بصيغة لا تصرح بالسَّماع محمولة على الاتِّصال, كما سيأتي في فروع عقب المُعضل.
قلت: قال الحافظ العراقي:
"فقولُهُ: قالَ عفانُ كذا قال القعنبيُّ كذا في أمثلةِ ما سقطَ من أولِ إسنادِهِ واحدٌ مخالفٌ لكلامِهِ الذي قدّمْنَاهُ عنه ؛ لأنَّ عفانَ والقعنبيَّ كلاهما شيخُ البخاريِّ حَدَّثَ عنه في مواضعَ من صحيحِهِ متصلًا بالتصريحِ . فيكونُ قولُهُ: قال عفانُ ، قال القعنبيُّ ، محمولًا على الاتّصال ، كالحديث المعنعنِ . وعلى هذا عملُ غيرِ واحدٍ من المتأخّرينَ ، كابنِ دقيقِ العيدِ ، والمزّيِّ . فجعلا حديثَ أبي مالكٍ الأشعَرِيِّ - الآتي ذِكْرُهُ - مثالًا لهذهِ المسألةِ تعليقًا . وفي كلامِ أبي عبدِ الله بنِ منده أيضًا ما يقتضي ذلكَ ، فقالَ في جزءٍ له في اختلافِ الأئمةِ في القراءة ، والسماعِ ، والمناولةِ ، والإجازةِ: أخرجَ البخاريُّ في كتبهِ الصحيحةِ وغيرِها ، قال لنا فلانٌ ، وهي إجازةٌ . وقال فلانٌ ، وهو تدليسٌ . قال: وكذلك مسلمٌ أخرجَهُ على هذا . انتهى كلام ابنِ منده ولم يوافق عليهِ". [2]
ثمَّ قولنا في هذا التَّقسيم: ما يَلْتحق بشرطه, ولم يَقُل إنَّه على شرطه, لأنَّهُ وإن صحَّ, فليسَ من نمط الصَّحيح المُسْند فيه, نبَّه عليه ابن كثير.
القِسْم الثَّاني: ما لا يلتحق بِشَرْطه ولكنَّه صحيحٌ على شرطِ غيره, كقوله في الطَّهارة: وقالت عائشة كانَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُر الله على كلِّ أحيانه,. [3]
الثَّالث: ما هو حسن صالح للحُجَّة, كقوله فيه: وقال بَهْز بن حكيم, عن أبيه عن جَدِّه عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: «الله أحقُّ أن يُسْتَحيى منهُ» . وهو حديث حسن مشهور, أخرجه أصحاب السُّنن [4]
الرَّابع: ما هو ضعيف, لا من جهة قدح في رجاله, بل من جهة انقطاع يسير في إسناده.
قال الإسْمَاعيلي: قد يصنع البُخَاري ذلك, إمَّا لأنَّه سمعهُ من ذلك الشَّيخ بواسطة من يثق به عنه, وهو معروفٌ مشهور عن ذلك الشَّيخ, أو لأنَّه سمعهُ مِمَّن ليسَ من شرط الكِتَاب, فنبَّه على ذلك الحديث بتسمية من حدَّث به, لا على التحديث به عنه, كقوله في الزَّكاة [5] وقال طاووس: قال مُعاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب... الحديث, فإسْنَاده إلى طاووس صحيح, إلاَّ أن طاووسًا لم يسمع من معاذ.
قلت: وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله [6] :"هَذَا التَّعْلِيق صَحِيحُ الْإِسْنَادِ إِلَى طَاوُس ، لَكِنَّ طَاوُسًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذ فَهُوَ مُنْقَطِع ، فَلَا يُغْتَرُّ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ بِالتَّعْلِيقِ الْجَازِمِ فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الصِّحَّة إِلَى مَنْ عُلِّقَ عَنْهُ ، وَأَمَّا بَاقِي الْإِسْنَادِ فَلَا ، إِلَّا أَنَّ إِيرَادَهُ لَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عِنْدَهُ ، وَكَأَنَّهُ عَضَّدَهُ عِنْدَهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ"اهـ
قال السيوطي رحمه الله:
"وأمَّا ما اعترض به بعض المتأخرين من نقض هذا الحُكم, بكونه جزم في معلق وليسَ بصحيح, وذلكَ قولهُ في التَّوحيد [7] : وَقَالَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ » ."
فإنَّ أبا مَسْعود الدِّمشقي جزمَ بأنَّ هذا ليسَ بصحيحٍ, لأنَّ عبد الله بن الفضل, إنَّما رَوَاهُ عن الأعرج عن أبي هُرَيْرة, لا عن أبي سلمة, وقوَّى ذلك بأنَّه أخرجهُ في موضع آخر [8] كذلك فهو اعتراض مردُود, ولا ينقض القَاعدة, ولا مانع من أن يَكُون لعبد الله بن الفَضْل شَيْخان, وكذلك أوردهُ عن أبي سَلَمة الطَّيالسي في «مسنده» [9] وفي دلائل النبوة للبيهقي [10] فبَطلَ ما ادَّعاهُ.
وما ليسَ فيه جَزْمٌ, كيُروى, ويُذكر, ويُحْكى, ويُقَال, ورُوي, وحُكي عن فُلان كذا قال ابن الصَّلاح: أو في البَاب عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فليسَ فيه حكم بصحته عن المُضَاف إليه.
قال ابن الصَّلاح [11] : لأنَّ مثل هذه العِبَارات تُستعمل في الحديث الضَّعيف أيضًا, فأشَار بقوله أيضًا إلى أنَّه رُبَّما يُورد ذلك فيما هو صحيح, إمَّا لكونه رواه بالمعنى, كقوله في الطب [12] ويُذكر عن ابن عبَّاس عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في الرقى بفاتحة الكِتَاب, فإنَّه أسندهُ في موضع آخر بلفظ: أنَّ نفرا من الصَّحابة مّرُّوا بحي فيه لديغ... فذكر الحديث في رُقيتهم للرَّجُل بفاتحة الكتاب, وفيه: «إنَّ أحقَّ ما أخَذْتُم عليهِ أجْرًا كِتَابُ الله» " [13] ."
قلتُ:
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري [14] :
"هَكَذَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيض ، وَهُوَ يُعَكِّر عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيْن أَهْل الْحَدِيث أَنَّ الَّذِي يُورِدهُ الْبُخَارِيّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيض لَا يَكُون عَلَى شَرْطه ، مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب عَقِب هَذَا الْبَاب . وَأَجَابَ شَيْخنَا فِي كَلَامه عَلَى عُلُوم الْحَدِيث بِأَنَّهُ قَدْ يَصْنَع ذَلِكَ إِذَا ذَكَرَ الْخَبَر بِالْمَعْنَى ، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَبَر اِبْن عَبَّاس لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بِالرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْرِيره عَلَى ذَلِكَ، فَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ صَرِيحًا تَكُون نِسْبَة مَعْنَوِيَّة ، وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيّ بَعْض هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِهِ فَأَتَى بِهِ مَجْزُومًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَة فِي"بَاب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب"وَقَالَ اِبْن عَبَّاس"إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَاب اللَّه"ثُمَّ قَالَ شَيْخنَا: لَعَلَّ لِابْنِ عَبَّاس حَدِيثًا آخَر صَرِيحًا فِي الرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب لَيْسَ عَلَى شَرْطه فَلِذَلِكَ أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيض . قُلْت: وَلَمْ يَقَع لِي ذَلِكَ بَعْد التَّتَبُّع"اهـ.
قال السيوطي رحمه الله:
"أوْ ليس على شَرْطهِ, كقولهِ في الصَّلاة [15] : ويُذكر عن عبد الله بن السَّائب قال: قَرَأ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - المُؤمنون في صلاةِ الصُّبح, حتى إذا جَاء ذكر مُوسى وهارون أخذتهُ سعلة فركع, وهو صحيح أخرجه مُسلم موصولا [16] , إلاَّ أنَّ البُخَاري لم يُخرِّج لبعض رُواته."
أوْ لكونهِ ضَمَّ إليه ما لم يصح, فأتَى بصيغة تُستعمل فيهما, كقوله في الطَّلاق , ويُذكر عن علي بن أبي طالب وابن المُسيب, وذكر نحوا من ثلاثة وعشرين تابعيًا. ( كذا قال: وفيها ما هو صحيح عنده وفيها ما هو ضعيف.) [17]
وقد يُورده أيضًا في الحسن, كقوله في البُيوع [18] : ... وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ:"إِذَا بِعْتَ فَكِلْ ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ"
هذا الحديث رواه الدَّارقُطْني [19] والبيهقي في السنن [20] من طريق عُبيد الله بن المغيرة - وهو صدوق - عن مُنقذ مولى عُثمان, وقد وثِّق, عن عُثمان, وتابعه سعيد بن المُسيب, ومن طريقه أخرجه أحمد في «المسند» [21] إلاَّ أنَّ في إسْنَاده ابن لهيعة ، [22] ورواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» من حديث عَطَاء عن عُثمان, وفيه انقطاع, والحديث حسن لما عضده من ذلك. [23]
ومن أمثلة ما أورده من ذلك وهو ضعيف, قوله في الوَصَايا [24] : وَيُذْكَرُ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّة ، وقد رواه التِّرمذي موصُولًا [25] من طريق الحارث عن علي, والحارث ضعيف.ِ [26]
وقوله في الصَّلاة [27] : وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لاَ يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِى مَكَانِهِ . وقال عقبه: وَلَمْ يَصِحَّ .
وهذه عادتهُ في ضعيف لا عاضد له, من موافقة إجماع أو نحوه, على أنَّه فيه قليل جدًّا, والحديث أخرجه أبو داود والبغوي في شرح السنة من طريقه [28] من طريق اللَّيث بن أبي سُليم, عن الحجَّاج بن عُبيد, عن إبراهيم بن إسْمَاعيل, عن أبي هُريرة, وليث ضعيف, وإبراهيم لا يُعرف, وقد اختلف عليه فيه. [29]
و مَا أوردهُ البُخَاري في الصَّحيح مِمَّا عبَّر عنهُ بصيغة التَّمريض, وقلنا لا يحكم بصحته ليسَ بواهٍ أي: ساقط جدًّا لإدخاله إياه في الكتاب المَوسُوم بالصحيح
وعِبَارة ابن الصَّلاح: ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصَّحيح مُشعرٌ بصحة أصلهِ, إشعارًا يُؤنس به, ويُركن إليهِ.
قلتُ: ولهذَا رددتُ على ابن الجَوْزي حيث أورد في «الموضُوعات» [30] حديث ابن عبَّاس مرفوعًا: «إذَا أُتي أحدكُم بِهَديةٍ, فجُلسَاؤه شُركاؤه فيها» . [31]
فإنَّه أورده من طريقين عنه, ومن طريق عن عائشة, ولم يُصب, فإنَّ البُخَاري أوردهُ في «الصَّحيح» فقال: ويُذكر عن ابن عبَّاس, وله شاهد آخر من حديث الحسن بن علي, رَوَيناهُ في «فوائد أبي بكر الشَّافعي» وقد بينتُ ذلك في «مختصر الموضوعات» ثمَّ في كتابي «القول الحسن في الذَّب عن السُّنن» . [32]
قال ابن الصَّلاح: إذا تقرَّر حُكم التعاليق المَذْكورة, فقول البُخَاري: ما أدخلتُ في كِتَابي إلاَّ ما صحَّ, وقول الحافظ أبي نصر السِّجْزي: أجمعَ الفُقهاء وغيرهم أنَّ رَجُلا لو حلف بالطَّلاق: أنَّ جميع البُخَاري صحيح, قاله رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لا شكَّ فيه, لم يحنث, محمولٌ على مقاصد الكتاب وموضوعه, ومُتون الأبواب المُسْندة, دُون التَّراجم ونحوها. [33]
ــــــــــــــ
قال العراقي [34] :"اعلمْ أنَّ درجاتِ الصحيحِ تتفاوتُ بِحَسَبِ تَمَكُّنِ الحديثِ من شروطِ الصحةِ ، وعدمِ تَمَكُّنِهِ . وإنَّ أصحَّ كُتبِ الحديثِ: البخاريُّ ثم مسلمٌ ، كما تقدمَ أنَّهُ الصحيحُ."
وعلى هذا: فالصحيحُ ينقسمُ إلى سبعةِ أقسامٍ:
أحدُها: -وهو أصحُّها- ما أخرجَه البخاريُّ ومسلمٌ ، وهو الذي يُعبِّرُ عنه أهلُ الحديثِ بقولهم: (متفقٌ عليهِ) [35] .
والثاني: ما انفردَ به البخاريُّ .
والثالثُ: ما انفردَ به مسلمٌ .
والرابعُ: ما هو على شَرْطِهِما ولم يخرِّجْهُ واحدٌ منهُما .
والخامسُ: ما هو على شرطِ البخاريِّ وَحْدَهُ .
والسادسُ: ما هو على شرطِ مسلمٍ وَحْدَهُ . [36]
والسابعُ: ما هو صحيحٌ عند غيرِهما من الأئمةِ المعتمدينَ ، وليسَ على شرطِ واحدٍ منهُما ...
ثم ما المرادُ بقولهِم: على شرطِ البخاريِّ ، أو على شرطِ مسلمٍ ؟
فقالَ محمدُ بنُ طاهرٍ في كتابه في"شروطِ الأئمة": (شرطُ البخاريِّ ، ومسلمٍ ، أن يُخَرِّجَا الحديثَ المجمعَ على ثِقَةِ نَقَلَتِهِ إلى الصحابيِّ المشهورِ) ، وليس ما قالَهُ بجيّدٍ ؛ لأنَّ النَّسائيَّ ضَعَّفَ جماعةً أخرجَ لهم الشيخانِ ، أو أحدُهُما .
وقالَ الحازميُّ في"شروط الأئمةِ"ما حاصلُهُ: إنَّ شَرْطَ البخاريِّ أنْ يُخَرِّجَ ما اتّصلَ إسنادُه بالثقاتِ المتقنينَ الملازمينَ لمن أَخَذُوا عنه ، ملازمةً طويلةً ، وإنَّهُ قد يُخَرِّجُ أحيانًا عن أعيانِ الطبقةِ التي تلي هذهِ في الإتقانِ والملازمةِ ، لمَنْ رَوَوا عنه ، فلم يَلْزَمُوهُ إلا ملازمةً يسيرةً . وإنَّ شرطَ مسلمٍ أن يُخَرِّجَ حديثَ هذهِ الطبقةِ الثانيةِ ، وقد يُخَرِّجُ حديثَ مَنْ لم يَسْلَمْ مِنْ غوائلِ الجرحِ ، إذا كانَ طويلَ الملازمةِ لمَنْ أخذَ عنه ، كحمّادِ بنِ سلمةَ في ثابتٍ البُنانيِّ ، وأيوبَ . هذا حاصلُ كلامِهِ .
وقالَ النوويُّ: (إنَّ المرادَ بقولهم: على شرطِهِما أنْ يكونَ رجالُ إسنادِهِ في كتابيهما ؛ لأنَّهُ ليس لهما شرطٌ في كتابَيْهما ، ولا في غيرهِما) . وقد أخذَ هذا من ابنِ الصَّلاحِ ، فإنَّهُ لما ذكرَ كتابَ"المستدرَكِ للحاكمِ"، قالَ: (إنَّهُ أودَعَهُ ما رآهُ على شرطِ الشيخينِ ، وقد أخرجَا عن رواتِهِ في كتابيهِمَا) إلى آخرِ كلامِهِ . وعلى هذا عملُ ابنِ دقيقِ العيدِ ، فإنَّهُ ينقلُ عن الحاكمِ تصحيحَهُ لحديث على شرطِ البخاريِّ مثلًا ، ثم يعترضُ عليه بأنَّ فيه فلانًا ، ولم يُخَرِّجْ له البخاريُّ . وكذلك فَعَلَ الذهبيُّ في"مختصرِ المستدْرَكِ". وليسَ ذلكَ مِنْهم بجيّدٍ ، فإنَّ الحاكمَ صَرَّحَ في خُطبةِ كتابِهِ"المستدركِ"بخلافِ ما فهموهُ عنه ، فقال: (وأَنا أَستعينُ اللهَ تعالى على إخراجِ أحاديثَ رواتُها ثقاتٌ ، قد احتجَّ بمثلِها الشيخانِ ، أو أحدُهما) .
فقولُهُ: بمثلِهَا ، أي: بمثلِ رواتِها ، لا بِهِمْ أنْفُسِهِم . ويحتملُ أنْ يُرَادَ: بمثلِ تلك الأحاديثِ . وإنّما يكونُ بمثلِها إذا كانَتْ بنفسِ رواتِهَا . وفيه نظرٌ . وقد بينتُ المثليةَ في"الشرحِ الكبيرِ".
وعندَ ابنِ الصلاحِ: أنَّهُ تَعَذَّرَ في هذهِ الأَعصارِ الاستقلالُ بإدراكِ الصحيح بِمجردِ اعتبارِ الأسانيدِ ؛ لأنَّهُ ما مِنْ إسنادٍ إلا وفيهِ مَنْ اعتمدَ على ما في كتابِهِ عَرِيًّا عن الضَّبْطِ ، والإتقانِ . قال: فإذا وَجَدنا فيما يُروى من أجزاءِ الحديثِ وغيرِها ؛ حديثًا صحيحَ الإسنادِ ، ولم نجدْهُ في أحدِ الصحيحينِ ، ولا منصوصًا على صحتهِ في شيءٍ من مصنّفاتِ أئمةِ الحديثِ المعتمَدةِ المشهورةِ ، فإنَّا لا نتجاسرُ على جزمِ الحكمِ بصحتِهِ .
وقال يحيى النوويُّ: (الأظهرُ عندِي جوازُهُ لِمَنْ تمكَّنَ ، وقَوِيَتْ معرفَتُهُ) . انتهى. وهذا هو الذي عليهِ عملُ أهلِ الحديثِ، فقد صَحَّحَ غيرُ واحدٍ من المعاصرينَ لابنِ الصلاحِ، وبعدَهُ أحاديثَ لم نجدْ لِمنْ تقدمَهُم فيها تصحيحًا ، كأبي الحسنِ بنِ القطّانِ ، والضِّياءِ المقدسيِّ ، والزّكيِّ عبدِ العظيمِ ، ومَنْ بَعْدَهُم .اهـ
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله [37] :
"وتتفاوَتُ رُتَبُهُ ؛ أي: الصَّحيحُ ، بِسببِ تفاوُتِ هذهِ الأوْصافِ المُقْتَضِيَةِ للتَّصحيحِ في القُوَّةِ [38] ؛ فإِنَّها لمَّا كانَتْ مُفيدةً لغَلَبَةِ الظَّنِّ الَّذي عليهِ مَدارُ الصِّحَّةِ ؛ اقْتَضَتْ أَنْ يكونَ لها دَرجاتٌ بعضُها فَوْقَ بعضٍ بحَسَبِ الأمورِ المُقَوِّيةِ ."
وإِذا كانَ كذلك فما يَكونُ رُواتُهُ في الدَّرجةِ العُليا مِن العدالَةِ والضَّبْطِ وسائِرِ الصِّفاتِ التي تُوجِبُ التَّرجيحَ (له) ؛ كانَ أَصحَّ ممَّا دونَهُ .
فَمِنَ المَرْتَبَةِ العُلْيا في ذلك ما أَطْلَقَ [ عليهِ ] بعضُ الأئمَّةِ أَنَّهُ أَصحُّ الأسانيدِ:
كالزُّهْريِّ عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أَبيهِ .
كما في صحيح البخارى (4133 ) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا ، فَقَامُوا فِى مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ ، فَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَامَ هَؤُلاَءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ ، وَقَامَ هَؤُلاَءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ
وكمحمَّدٍ بنِ سيرينَ عن عَبيدةَ بنِ عَمْروٍ السَّلْمانِيِّ عَن عَليٍّ (بن أبي طالب)
كما في سنن أبى داود (409 ) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: « حَبَسُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا » .
وكَإِبراهيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عن ابنِ مَسعودٍ .
(1) - قلت: قد ذكر ذلك في سبعة عشر موضعًا انظر تاريخ البخاري (ج 1 / ص 400) [ 2588 ] و (ج 1 / ص 425) [ 2819 ] و (ج 1 / ص 437) [ 26 ]
(2) - انظر:مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 3) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 94) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 45)
(3) - أخرجهُ مسلم في «صحيحه» برقم ( 852)
(4) - الترمذي برقم (3024 ) وابن ماجة برقم (1995) وصححه قوم
(5) - ( 33 - باب الْعَرْضِ فِى الزَّكَاةِ)
(6) - فتح الباري لابن حجر - (ج 5 / ص 57)
(7) - صحيح البخارى برقم (7428 ، 2411 ، 3408 ، 3414 ، 6517 ، 6518 ، 7472 )
(8) - برقم (3414 )
(9) - برقم (2487 )
(10) - رقم (2247 )
(11) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 3) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 357) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 5)
(12) - (33 - باب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ )
(13) - صحيح البخارى (5737)
(14) - فتح الباري لابن حجر - (ج 16 / ص 260)
(15) - ( 106 - باب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِى الرَّكْعَةِ .( 257 )
(16) - برقم (1050)
(17) - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 101) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 6)
(18) - (51 - باب الْكَيْلِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُعْطِى)
(19) - برقم (2855 )
(20) - برقم (11012 ) وقال عقبه وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْكِبَارِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَه
(21) - برقم (452 ) والبزار برقم (379 )
(22) - قلت: ورواه عبد بن حميد برقم (53 ) من طريق ابن المبارك عن ابن لهيعة وروايته عنه قوية قبل الاختلاط
(23) - قلت: بل صحيح لغيره
(24) - ( 9 - باب تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) . ( 9 ) وَيُذْكَرُ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ )
(25) - برقم (2238 و2268 )
(26) - قلت: وله شاهد تام في نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 13 / ص 288) قال:وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي"مُسْنَدِهِ"ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ نَجِيحٍ الطَّبَّاعُ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } انْتَهَى .
وفي إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - (ج 6 / ص 107) برقم (1667) وحسنه ، وهو كما قال، فالحديث حسن لغيره
(27) - رقم ( 848 )
(28) - برقم (701 )
(29) - قلت: وذكر له فتح الباري لابن حجر - (ج 3 / ص 253) شواهد وطرق بنحوه انظرها هناك
(30) - الموضوعات - (ج 3 / ص 92)
(31) - قلت: رد عليه في اللآلي المصنوعة - (ج 2 / ص 254) وفي تنزيه الشريعة المرفوعة - (ج 2 / ص 298)
(تعقب) بأن حديث ابن عباس علقه البخاري في صحيحه وهو مشعر بأن له أصلا إشعارا يؤنس به ويركن إليه كما قاله ابن الصلاح في تعاليق البخاري التي بصيغة التمريض وليحي الحماني متابع عند أبي نعيم في الحلية وآخر عند البيهقي في سننه ولمندل وعبد السلام متابع عند ابن عساكر في تاريخه ومندل لم يتهم بكذب بل قال أبو زرعة لين وقال أبو حاتم شيخ وقال العجلي جائز الحديث يتشيع وهذا من صيغ التعديل فهذا الحديث شاهد لحديث عائشة وله شاهد آخر من حديث الحسن بن علي أخرجه أبو بكر الشافعي في فوائده والطبراني (قلت) قال الهيثمي في المجمع فيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف والله تعالى أعلم
وانظر كشف الخفاء برقم (2397 ) والمقاصد الحسنة برقم (1075 ) و النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة - (ج 1 / ص 74) برقم ( 169)
(32) - قلت: وفي النهاية فالحديث ضعيف
(33) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 49) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 75)
(34) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 43)
(35) - وأهم كتاب في ذلك اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمحمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله أكثر من (1900) حديث
(36) - وفي المستدرك للحاكم عَلَى شَرْطِهِمَا (77) حديثا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ (155) حديثا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمِ (687) حديثا
(37) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 9) فما بعدها التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 7) و
(38) - وهذا لا شك فيه أن الصحيح تتفاوت رتبه لتفاوت صفات الرواة فتارة تكون درجتهم في أعلى الدرجات لثقة الرواة وكمال ضبطهم ، وتارة تكون وسطًا ،وتارة تكون دون ذلك فهي متفاوتة على حسب حال الرواة مالك عن نافع عن ابن عمر ، مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة فالمقصود أن الأسانيد الصحيحة متفاوتة على حسب تفاوت الرجال في الضبط والإتقان .