"وقد قيل: إن جمهور المتأخرين على مذهب مسلم من الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقاء ، وهذا إن صحَّ فهو محمول على جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين من أهل الاختصاص وغيرهم ، وإلا فإن المبرزين من المتأخرين من أهل الاختصاص في الحديث وعلله ، يسيرون على مذهب المتقدمين وينتهجونه ويقدمونه ، بل منهم من تكفل بالرد على الإمام مسلم رحمه الله تعالى ، ومن تابعه ونقض أدلته ، وبيان ما فيها من ضعف ، ومنهم من حكى الإجماع على اشتراط العلم باللقاء ، على خلاف ما حكاه مسلم رحمه الله ."
فهذا الإمام ابن عبد البر يقول في التمهيد [1] :
"اعلم وفقك الله اني تأملت اقاويل ائمة أهل الحديث ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروط ثلاثة وهي:"
عدالة المحدثين في أحوالهم.
ولقاء بعضهم بعضا مجالسة ومشاهدة.
وأن يكونوا براء من التدليس."اهـ"
فتدبر الشرط الثاني تجده عين ما اشترطه المتقدمون ، وأنكره مسلم رحم الله الجميع .
وكذلك هو مذهب أبي عبد الله الحاكم النيسابوري على ما حققه ابن رشيد في (السنن الأبين ) في غضون كلامه عن المذهب الثالث .
وهذا الخطيب البغدادي يقول في الكفاية [2] :
"أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: ( حدثنا فلان عن فلان ) صحيح معمول به ، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه ، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلِّس ، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك ، حديثًا نازلًا ، فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به ، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عاليًا ، فيقول: ( حدثنا فلان عن فلان ) أعني الذي لم يسمعه منه ؛ لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفناه الاتصال ، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده ."اهـ
وهو مذهب ابن حبان أيضًا خلافًا لمن زعم غير ذلك ، فقد قال في الثقات في ترجمة نافع بن يزيد بن أبي يزيد المصري حيث أدخله في الطبقة الأخيرة من كتابه ، وهي طبقة من يروي عن أتباع التابعين ، قال [3] :
"ولست أحفظ له سماعا عن تابعي فلذلك أدخلناه في هذه الطبقة ،فأما رؤيته للتابعين فليس بمنكر ، ولكن اعتمادنا في هذا الكتاب في تقسيم هذه الطبقات الأربع على ما صح عندنا من لقي بعضهم بعضا مع السماع، فأما عند وجود الإمكان وعدم العلم به فهو لا نقول به"
وهذا الإمام ابن الصلاح يقول في مقدمته [4] :
"الإسناد المعنعن هو الذي يقال فيه"فلان عن فلان"عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره.والصحيح - والذي عليه العمل - أنه من قبيل الإسناد المتصل. وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم. وأوعه ألمشرطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه، وكاد أبو عمر بن عبد البر الحافظ يدعى إجماع أئمة الحديث على ذلك. وادعى أبو عمرو الداني - المقرئ الحافظ - اجتماع آهل النقل على ذلك. وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة اليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضآً، مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذ يحمل على ظإهر الأتصال إلا أن ظهر فيه خلاف ذلك."
وقال في كتابه صيانة صحيح مسلم [5] :
"والذي صار إليه مسلم هو المستنكر ، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم ، علي بن المديني والبخاري وغيرهما"
وهو أيضًا اختيار الإمام النووي كما تقدم .
وهذا الإمام الذهبي يقول في سير أعلام النبلاء [6] :
"إِن مسلمًا - لحدَة فِي خلقه - انحرف أَيْضًا عَنِ البُخَارِيّ، وَلَمْ يَذْكُر لَهُ حَدِيْثًا، وَلاَ سَمَّاهُ فِي (صَحِيْحِهِ) ، بَلِ افتَتَح الكِتَاب بِالحط عَلَى مَنْ اشترط اللُّقِي لِمَنْ رَوَى عَنْهُ بصيغَة: عَنْ، وَادَّعَى الإِجْمَاع فِي أَنَّ المعَاصرَة كَافيَةٌ، وَلاَ يتوقف فِي ذَلِكَ عَلَى العِلْم بِالتقَائِهِمَا، وَوبخ مِنِ اشترط ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقُوْلُ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيّ، وَشَيْخه عَلِيّ بن المَدِيْنِيِّ، وَهُوَ الأَصوب الأَقْوَى ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِع بسط هَذِهِ المسَألَة."
وجاء ابن رشيد صاحب السنن الأبين فعرض في كتابه هذا مذاهب العلماء في المسألة ، ورجح مذهب المحدثين ، وعقد بابًا كاملًا عرض فيه الأدلة التي استدل بها مسلم في مقدمة صحيحه وأردفها بالنقض والردِّ ، متصرفًا في ذلك تصرف العالم البصير والحافظ الناقد ، مع بارع الأدب وجميل الاعتذار لمسلم بن الحجاج ، رحم الله الجميع""
وجاء الحافظ العلائي فتكلم في هذه المسألة في كتابه (جامع التحصيل في أحكام المراسيل ) [7] وسار في تحقيق هذه المسالة على نفس الدَّرب الذي سار عليه ابن رشيد حتى إنه ليلوح لي أنه اعتمد على كتاب ابن رشيد في تحقيق هذه المسألة اعتمادا كليا أو شبه كلٍّي ، حتى إني لأراه يستخدم بعض ألفاظه ويستعمل بعض تعبيراته .
وقال فيما قال [8] :
"اختيار ابن المديني والبخاري وأبي حاتم الرازي وغيرهم من الأئمة هو الراجح دون القول الآخر الذي ذهب إليه مسلم وغيره من الاكتفاء بالمعاصرة المجردة وإمكان اللقاء"
وكذلك ابن رجب الحنبلي تكلم عن هذه المسألة باستفاضة في كتابه (شرح علل الترمذي ) ورجح فيه مذهب البخاري وابن المديني ، وأثبت أنه قول جمهور المتقدمين ، وردَّ على الإمام مسلم إنكار هذا المذهب حتى قال بعد أن ساق جملة من أقوال المتقدمين [9] :
"فإذا كان هذا [ هو ] قول الأئمة الأعلام ، وهم أعلم وأهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه ، ومع موافقة البخاري ، وغيره ، فكيف يصح لمسلم رحمه الله دعوى الإجماع على خلاف قولهم ؟! ."
بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول ، أو القول بخلاف قولهم لا يعرف على أحد من نظرائهم ، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم . ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم السماع من عروة ، مع إدراكه له .
وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول لا على خلافه ، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء ، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء .""
وهذا الإمام العراقي - رحمه الله - يصحح قول جمهور المتقدمين كما في التقييد والإيضاح ، وفي ألفيته ، فراجعه إن شئت فإن قوله يكاد يتفق لفظه مع لفظ ابن الصلاح في المقدمة .
وجاء الحافظ ابن حجر رحمه الله - خاتمة الحفاظ- في نخبة الفكر وشرحها نزهة النظر [10] :
"وعَنْعَنَةُ المُعاصِرِ مَحْمولَةٌ عَلى السَّماعِ ؛ بخلافِ غيرِ المُعاصِرِ ؛ فإِنَّها تكونُ مُرسَلةً ، أَو مُنقطِعَةً ، فشرْطُ حمْلِها [ على السَّماعِ ] ثُبوتُ المُعاصرةِ ؛ إِلاَّ مِنْ مُدَلِّسٍ ؛ فإِنَّها ليستْ محمولةً على السَّماعِ ."
وقيلَ: يُشْتَرَطُ في حملِ عنعَنَةِ المُعاصرِ على السَّماعِ ثُبوتُ لِقائِهِمَا أَيْ: الشيخِ والرَّاوي عنهُ ، ولَوْ مَرَّةً واحدةً ليَحْصُلَ الأمنُ في باقي العنعَنَةِ عن كونِهِ مِن المُرسلِ الخفيِّ ، وهُو المُخْتارُ ؛ تبعًا لعليِّ بنِ المَدينيِّ والبُخاريِّ وغيرِهما مِن النُّقَّادِ .""
وقال في مقدمة طبقات المدلسين [11] :
"ومن لم يوصف بالتدليس من الثقات ، إذا روى عمن لقيه بصيغة محتملة ، حملت على السماع ، وإذا روى عمن عاصره بالصيغة المحتملة لم يحمل على السماع في الصحيح المختار ، وفاقًا للبخاري وشيخه ابن المديني"
وكذاك في النكت على ابن الصلاح [12] أخذ يردُّ على الإمام مسلم رحمه الله وينقض بعض ما استدلَّ به ، وصرح برجحان مذهب البخاري وابن المديني والمحققين" [13] "
ـــــــــــــــ
(1) - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (ج 1 / ص 12)
(2) - ص 421 (929 )
(4) - ص 83 -84
(5) - ص 131
(7) - ص 116-138
(8) - ص 125
(10) - ص 138
(11) - ص 7
(13) - انظر تدريب الراوي 1/333 فما بعدها الهامش