وَقَالَ غَيْرُهُ:بُنِي عَلَى قَبْرِ أَبِي عَوَانَةَ مَشْهَدٌ بِإِسْفَرَايِيْنَ يُزَارُ، وَهُوَ فِي دَاخلِ المَدِيْنَةِ، وَكَانَ - رَحِمَهُ اللهُ - أَوَّلَ مَنْ أَدخَلَ إِسْفَرَايِيْنَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَكُتُبَه، حَمَلَهَا عَلَى الرَّبِيْعِ المُرَادِيِّ، وَالمُزَنِيِّ [1] .
مستخرج أبي عوانة عدد الأحاديث (7041) حديثا،وكلها تقريبا تدور بين الصحيح والحسن بشقيه ، وفيها وفوائد نادرة وقيمة .
3-المستخرج لأبي نعيم الأصبهاني على كل منهما
أَبُو نُعَيْمٍ المِهْرَانِيُّ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ الإِمَامُ، الحَافِظُ، الثِّقَةُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو نُعَيْمٍ المِهْرَانِيُّ، الأَصْبَهَانِيُّ، الصُّوْفِيُّ، الأَحْوَلُ، سِبْطُ الزَّاهِدِ مُحَمَّدِ بنِ يُوْسُفَ البَنَّاءِ، وَصَاحِبُ (الحِلْيَةِ) .وُلِدَ:سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.
وَكَانَ حَافِظًا مُبَرِّزًا عَالِي الإِسْنَاد، تَفَرَّد فِي الدُّنْيَا بِشَيْءٍ كَثِيْرٍ مِنَ العوَالِي، وَهَاجر إِلَى لُقِيِّه الحُفَّاظُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ:سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الخَطِيْبَ يَقُوْلُ:لَمْ أرَ أَحدًا أُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْم الحِفْظِ غَيْرَ رَجُلَيْنِ؛أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيّ وَأَبُو حَازِمٍ العَبْدُويي.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَرْدَوَيْه:كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي وَقتِهِ مرحُولًا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ أَسندُ وَلاَ أَحفظُ مِنْهُ، كَانَ حُفَّاظُ الدُّنْيَا قَدِ اجتمعُوا عِنْدَهُ، فَكَانَ كُلّ يَوْم نَوْبَة وَاحِد مِنْهُم يقرأُ مَا يُرِيْدُهُ إِلَى قَرِيْب الظُّهر، فَإِذَا قَامَ إِلَى دَاره، رُبَّمَا كَانَ يُقْرَأ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيْق جُزءٌ، وَكَانَ لاَ يَضْجَرُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ غَدَاءٌ سِوَى التَّصْنِيف وَالتَّسْمِيع.
قَالَ حَمْزَةُ بنُ العَبَّاسِ العَلَوِيُّ:كَانَ أَصْحَابُ الحَدِيْث يَقُوْلُوْنَ:بَقِيَ أَبُو نُعَيْمٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِلاَ نظير، لاَ يُوجد شرقًا وَلاَ غربًا أَعْلَى مِنْهُ إِسْنَادًا، وَلاَ أَحفَظُ مِنْهُ.
وَكَانُوا يَقُوْلُوْنَ:لَمَّا صَنَّفَ كِتَابَ (الحِلْيَة) حُمِلَ الكِتَابُ إِلَى نَيْسَابُوْرَ حَالَ حَيَاتِهِ، فَاشترَوهُ بِأَرْبَع مائَة دِيْنَارٍ.
وَقَدْ نقل الحَافِظَان ابْنُ خَلِيْل وَالضِّيَاءُ جُمْلَةً صَالِحَةً إِلَى الشَّامِ مِنْ توَالِيف أَبِي نُعَيْمٍ وَرِوَايَاتِهِ، أَخذهَا عَنْهُمَا شُيُوْخُنَا، وَعِنْد شَيْخِنَا أَبِي الحَجَّاجِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيْرٌ بِالإِجَازَةِ العَالِيَةِ (كَالحِلْيَة) ، وَ (المُسْتَدرك عَلَى صَحِيْح مُسْلِم) .
مَاتَ أَبُو نُعَيْمٍ الحَافِظُ:فِي العِشْرِيْنَ مِنَ المُحَرَّم سَنَة ثَلاَثِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً... [2] .
وقد طبع الكتاب دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - 1417 هـ - 1996 م
وعدد أحاديثه حوالي (3516) حديثا
ــــــــــــــ
لم يلتزم مصنفوها موافقتهما في الألفاظ ، لأنهم إنما يروون الألفاظ التي وصلتهم من طريق شيوخهم لذلك فقد حصل فيها تفاوت قليل في بعض الألفاظ .
وكذلك ما أخرجه المؤلفون القدامى في تصانيفهم المستقلة كالبيهقي والبغوي وشبههما قائلين:"رواه البخاري"أو"رواه مسلم"فقد وقع في بعضه تفاوت في المعنى وفي الألفاظ ، فمرادهم من قولهم"رواه البخاري ومسلم"أنهما رويا أصله .
مثل ما في مسند أبي عوانة (ج 1 / ص 203) برقم (949 ) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِشْكَابَ أَبُو الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي مَعْشَرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: لا وَجَدْتَهُ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ قَالَ ابْنُ أَبِي مَعْشَرٍ: إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: لِغَيْرِ هَذِهِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بَعْدَ مَا صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يُقَالُ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ شَيْبَةَ هُوَ أَبُو نَعَامَةَ بْنُ نَعَامَةَ، رَوَاهُ مِسْعَرٌ، وَهِشَامٌ، وَجَرِيرٌ عَنْهُ.
وهو في صحيح مسلم (1290 ) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ وَجَدْتَ. إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ » .
(1291 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِى سِنَانٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا صَلَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ » .
(1292 ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ بَعْدَ مَا صَلَّى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الْفَجْرِ. فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ. بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا. قَالَ مُسْلِمٌ هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ أَبُو نَعَامَةَ رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ وَهُشَيْمٌ وَجَرِيرٌ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ.
وفي المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم - (ج 2 / ص 165)
1242 حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن علي ثنا أبو خيثمة قال عبد الله وحدثنا محمد بن العباس ثنا الأحمسي قال ثنا وكيع ح وحدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع ح وحدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا وكيع عن أبي سفيان وهو سعيد بن سنان الشيباني عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال صلى رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) فهام رجل فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ( لا وجدت إنما بنيت هذه المساجد لما بنيت له ) رواه مسلم عن أبي بكر عن وكيع وهذا لفظه
1243 وروى مسلم عن قتيبة عن جرير عن محمد ابن شيبة بن نعامة عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء أعرابي بعد ما صلى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) صلاة فأدخل رأسه من باب المسجد فقال من دعا إلى الجمل فذكر بمثل حديثهم قال سالم وشيبة بن نعامه هو أبو نعامة روى عنه مسعر وهشيم وجرير وغيرهم من الكوفيين .
د) هل يجوزُ أن ننقل منها حديثًا ونعزوه إليهما ؟
بناء على ما تقدم فلا يجوز لشخص أن ينقل من المستخرجات أو الكتب المذكورة آنفًا حديثًا ويقول رواه البخاري أو مسلم إلا بأحد أمرين:
1-أن يقابِل الحديث بروايتهما .
2-أو يقول صاحب المستخرَج أو المصنِّف"أخرجاه بلفظه".
هـ) فوائد المستخرجات على الصحيحين:
للمستخرجات على الصحيحين فوائد كثيرة تقارب العشرة ، ذكرها السيوطي في تدريبه وإليك أهمها:
1-عُلو الإسْنَاد: لأنَّ مُصَنِّف المُسْتخرج, لو رَوَى حديثًا مثلًا من طريق البُخَاري, لوقع أنزلَ من الطَّريق الَّذي رواهُ به في المستخرج, مثالهُ: أنَّ أبا نُعيم لو رَوَى حديثا عن عبد الرزق من طريق البُخَاري أو مسلم, لَمْ يصل إليه إلاَّ بأربعة, وإذا رواهُ عن الطَّبراني عن الدَّبَري - بفتح المُوحدة - عنه, وصل باثنين, وكذا لو روى حديثًا في «مسند» الطَّيالسي من طريق مسلم, كان بينه وبينهُ أربعة, شيخان بينه وبين مُسلم, ومسلم وشيخه, وإذا رواه عن ابن فارس عن يونس بن حبيب عنه, وصلَ باثنين.
2-زيادة الصَّحيح, فإن تلك الزيادات صحيحة لكونها بإسنادهما .
قال الحافظ ابن حجر: هذا مُسَلَّمٌ في الرَّجل الَّذي التقى فيه إسناد المُستخرج, وإسناد مُصنف الأصل, وفيمن بعدهُ, وأمَّا من بين المُستخرج وبين ذلكَ الرَّجل فيحتاج إلى نقد, لأنَّ المُستخرج لم يلتزم الصِّحة في ذلك, وإنَّما جُل قَصْدهِ العُلو, فإنْ حصلَ وقع على غرضه, فإن كان مع ذلكَ صحيحًا, أو فيه زيادة, فزيادة حسن حصلت اتِّفاقا, وإلاَّ فليسَ ذلك هِمَّته.
قال: قد وقع ابن الصَّلاح هنا فيما فرَّ منه من عدم التَّصحيح في هذا الزَّمان, لأنَّه أطلق تصحيح هذه الزِّيادات, ثمَّ علَّلها بتعليل أخصَّ من دعواهُ, وهو كونها بذلك الإسْنَاد, وذلكَ إنَّما هو من مُلتقى الإسْنَاد إلى مُنتهاه. [3]
"والمراد بالزيادة في كلام ابن الصلاح الزيادة الواقعة في بعض المتون المذكورة في الصحيحين أو أحدهما، وأما الزيادة المستقلةُ فلا تدخل تحت ذلك الحكم على الإطلاق ،وقد وقع شيء منها في مستخرج أبي عوانة على مسلم، قال بعض أهل"
الأثر: قد وقع في مستخرج أبي عوانة أحاديث كثيرة زائدة على أصله ،وفيها الصحيح والحسن بل والضعيف أيضا - ولكن بندرةٍ -، فينبغي التحرز في الحكم عليها أيضا [4] .
وأما ما وقع فيه وفي غيره من المستخرجات على الصحيحين من زيادة في أحاديثهما أو تتمة لمحذوف أو نحو ذلك فهي صحيحة لكن مع وجود الصفات المشترطة في الصحيح فيما بين صاحب المستخرج والراوي الذي اجتمع فيه هو وصاحب الأصل.
قال الحافظ ابن حجر [5] :"ومقتضى هذا أن يؤخذ ما يوجد في كتاب ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما - ممن اشترط الصحيح - بالتسليم، وكذا ما يوجد في الكتب المخرجة على الصحيحين وفي كل ذلك نظر."
أما الأول: فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف، لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه. وقد صرح ابن حبان بشرطه.
وحاصله: أن يكون راوي الحديث عدلا مشهورا بالطلب غير مدلس سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي.
فإن كان يروي من حفظه فليكن عالما بما يحيل المعاني فلم يشترط على الاتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف في الصحيح من وجود الضبط ومن عدم الشذوذ والعلة. وهذا وإن لم يتعرض ابن حبان لاشتراطه فهو إن وجده كذلك أخرجه وإلا فهو ماش على ما أصّل، لأن وجود هذه الشروط لا ينافي ما اشترطه.
وسمى ابن خزيمة كتابه"المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة".
وهذا الشرط مثل شرط ابن حبان سواء، لأن ابن حبان تابع لابن خزيمة مغترف من بحره ناسج على منواله.
ومما يعضد ما ذكرنا احتجاج ابن خزيمة وابن حبان بأحاديث أهل الطبقة الثانية الذين يخرج مسلم أحاديثهم في المتابعات كابن إسحاق وأسامة بن زيد الليثي ومحمد بن عجلان ومحمد بن عمرو بن علقمة وغير هؤلاء.
فإذا تقرر ذلك عرفت أن حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة .
وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح فلا. - والله أعلم -.
وأما الثاني: وهو ما يتعلق بالمستخرجات ففيه نظر - أيضا - لأن كتاب أبي عوانة وإن سماه بعضهم مستخرجا على مسلم، فإن له فيه أحاديث كثيرة مستقلة في أثناء الأبواب نبه هو على كثير منها، ويوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف - أيضا - والموقوف .
وأما كتاب الإسماعيلي فليس فيه أحاديث مستقلة زائدة ،وإنما تحصل الزيادة في أثناء بعض المتون، والحكم بصحتها متوقف على أحوال رواتها. فربَّ حديث أخرجه البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه - مثلا - فاستخرجه الإسماعيلي وساقه من طريق آخر من أصحاب الزهري بزيادة فيه وذلك الآخر ممن تكلم فيه فلا يحتج بزيادته." [6] "
3-ومِنْها: القُوة بكثرة الطُّرق للترجيح عند المُعَارضة, ذكره ابن الصَّلاح في مقدمة «شرح مسلم» وذلكَ بأن يضم المستخرج شخصًا آخر فأكثر مع الَّذي حدَّث مُصنِّف الصَّحيح عنه, وربَّما ساق له طُرقًا أُخرى إلى الصَّحابي بعد فراغه من استخراجه, كما يصنع أبو عوانة.
4-ومنها: أن يكون مُصنِّف الصَّحيح, روى عمَّن اختلط ولم يُبين, هل سَمَاع ذلك الحديث في هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده, فيبينه المُستخرج, إمَّا تصريحًا أو بأن يَرْويه عنه من طريق من لم يسمع منهُ إلاَّ قبل الاختلاط.
5-ومنها: أن يروى في الصَّحيح عن مُدلِّس بالعنعنة, فيرويه المستخرج بالتَّصريح بالسَّماع.
فهاتانِ فائدتان جَليلتان, وإن كُنَّا لا نتوقف في صحَّة ما رُوي في الصَّحيح من ذلك غير مبين, ونقول: لو لم يطلع مُصنِّفه على أنَّه روى عنه قبل الاختلاط, وأن المُدلس سمع لم يخرجه.
فقد سأل السُّبكي المِزِّي: هل وُجِدَ لكلِّ ما رَوَياهُ بالعنعنة طُرق مُصرَّح فيها بالتَّحديث؟ فقال: كثير من ذلك لم يُوجد, وما يسعنا إلاَّ تحسين الظَّن.
6-ومنها: أن يروي عن مُبهم, كحدَّثنا فُلان, أو رجل, أو فُلان, أوغيره, أو غير واحد, فيُعَيِّنهُ المُستخرج.
7-ومنها: أن يروي عن مُهمل, كمحمَّد من غير ذكر ما يُميِّزه, عن غيره من المُحمدين, ويكون في مشايخ من رواه كذلك من يُشاركه في الاسم, فيُميِّزه المُستخرج.
قال شيخ الإسْلام: وكل عِلَّة أعلَّ بها حديث في أحد «الصَّحيحين» جاءت رِوَاية المُستخرج سالمة منها, فهي من فوائده, وذلك كثير جدًّا. [7]
ــــــــــــــ
مر بنا أنَّ البخاري ومسلمًا لم يُدْخِلا في صحيحيهما إلا ما صحَّ ،وأن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول . فما هي الأحاديث المحكوم بصحتها والتي تلقتها الأمة بالقبول يا ترى ؟
والجواب هو: أن ما روياه بالإسناد المتصل فهو المحكوم بصحته .
وأما ما حذف من مبدأ إسناده راو أو أكثر ـ ويسمَّى المُعَلَّقُ [8] وهو في البخاري كثير ، لكنه في تراجم الأبواب ومقدمتها ، ولا يوجد شيء منه في صلب الأبواب البتة ، أما في مسلم فليس فيه من ذلك إلا حديث واحد في باب التيمم لم يصله في موضع آخر ـ فحكمه كما يلي [9] :
قال الإمام السيوطي رحمه الله [10] :
"ما رَوَياه أي: الشَّيخان [بالإسْنَاد المُتَّصل فهو المحكوم بصحَّته، وأمَّا ما حذف من مُبتدأ إسناده واحد أو أكثر] وهو المُعلَّق, وهو في البُخَاري كثير جدًّا كما تقدَّم عدده, وفي مُسلم (150/1) في موضع واحد في التَّيمم (848 ) حيث قَالَ مُسْلِمٌ وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِى الْجَهْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِىِّ فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ) [11] "
وفيه أيضًا موضعان في الحُدُود والبُيوع, رَوَاهُمَا بالتَّعليق عن اللَّيث, بعد روايتهما بالاتِّصال, وفيه بعد ذلك أرْبَعة عَشَرَ موضعًا, كل حديث منها رواهُ مُتَّصلًا, ثمَّ عقبه بقوله: ورواه فُلان.
وأكثر ما في البُخَاري من ذلك مَوْصُول في موضع آخر من كِتَابه, وإنَّما أوردهُ معلقًا اختصارًا, ومُجَانبة للتكرَارِ, والَّذي لم يُوصله في موضع آخر, مئة وسُتون حديثًا, وصلها شيخ الإسْلام ( الحافظ ابن حجر ) في تأليف لَطِيف سمَّاه «التَّوفيق» وله في جميع التعليق والمُتَابعات والموقوفات كتاب جليل بالأسانيد سمَّاه «تغليق التعليق» واختصرهُ بلا أسانيد في آخر سمَّاه «التَّشْويق إلى وصل المُهم من التَّعليق» .
فمَا كان منه بصيغة الجَزْم, كقال, وفعلَ, وأمرَ, وروى, وذَكرَ فُلان, فهو حكم بصحته عن المضاف إليه لأنَّه لا يستجيز أن يجزم بذلك عنه, إلاَّ وقد صحَّ عنده عنه, لكن لا يُحكم بصحة الحديث مُطْلقًا, بل يتوقف على النَّظر فيمن أبرزَ من رجاله, وذلك أقْسَام:
أحدها: ما يلتحق بِشَرطهِ, والسَّببُ في عدم إيصَاله, إمَّا الاستغناء بغيره عنه مع إفَادة الإشَارة إليه, وعدم إهْمَاله بإيراده مُعَلَّقا اختصارًا, وإمَّا كونه لم يسمعه من شيخه, أو سمعهُ مُذَاكرة, أو شكَّ في سَمَاعه, فما رأى أنَّه يَسُوقه مَسَاق الأصُول, ومن أمثلة ذلك قوله في الوكالة: [12] وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: وَكَّلَنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ ، فَأَتَانِى آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ ، فَأَخَذْتُهُ ، وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ إِنِّى مُحْتَاجٌ ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ ، وَلِى حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ . قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ » . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ . قَالَ « أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ » . فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّهُ سَيَعُودُ . فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ دَعْنِى فَإِنِّى مُحْتَاجٌ ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ لاَ أَعُودُ ، فَرَحِمْتُهُ ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ ، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ » . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ . قَالَ « أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ » . فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ . قَالَ دَعْنِى أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا . قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِىِّ ( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ) حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ . فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ ، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ » . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِى كَلِمَاتٍ ، يَنْفَعُنِى اللَّهُ بِهَا ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ . قَالَ « مَا هِىَ » . قُلْتُ قَالَ لِى إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِىِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ ( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ) وَقَالَ لِى لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَىْءٍ عَلَى الْخَيْرِ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ » . قَالَ لاَ . قَالَ « ذَاكَ شَيْطَانٌ » وأورده في فضائل القرآن (3275 ) , وذكر إبليس (5010) , ولم يقل في موضع منها: حدَّثنا عثمان, فالظَّاهر عدم سَمَاعه له منه.
(1) -.سير أعلام النبلاء (14/418-423) (231 )
(2) - سير أعلام النبلاء (17/455-464) (305 )
(3) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 68) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 14)
(4) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 31) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 3 / ص 151)
(5) - النكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 290)
(6) - انظر توجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 15)
(7) - انظر: مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 3) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 1) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 87) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 68)
(8) - وسيأتي بحثه تفصيلا فيما بعد .
(9) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 70) وجـ1 ص 115 ـ 116 .فما بعد
(10) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 70) فما بعد
(11) - وصله أبو عوانة في مستخرجه برقم (683 ) .
(12) - صحيح البخارى برقم (2311 )