فَلِلرَّاوِي فِي نَقْلِ مَا سَمِعَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: [1]
أَحَدُهَا: أَنْ يَرْوِيَهُ بِلَفْظِهِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: وَيَنْظُرُ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَهُ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا ، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ ابْتِدَاءً وَحَكَاهُ ، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ كَقَوْلِهِ: { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } [2] ، وَإِنْ كَانَ جَوَابًا ، فَإِنْ كَانَ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ: { الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ} [3] .
فَالرَّاوِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَتَرْكِهِ .
فَإِنْ كَانَ مُفْتَقِرًا إلَى ذِكْرِ السُّؤَالِ كَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ ؟ قَالُوا: نَعَمْ .قَالَ: فَلَا إذَنْ [4] .
فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ ، وَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ ، فَإِذَا نَقَلَ السُّؤَالَ تَعَيَّنَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ ، كَمَا { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ النَّاقَةِ تُذْبَحُ ، فَيُوجَدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ ، فَقَالَ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ } [5] ، وَلَوْ قَالَهُ ابْتِدَاءً لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَكَاتُهُ مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِذَكَاةِ أُمِّهِ .
فَإِذَا ذَكَرَ السُّؤَالَ صَارَ الْجَوَابُ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ ، فَالْإِخْلَالُ بِالسُّؤَالِ نَقْصٌ ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ ذِكْرُهُ .
قَالَ: وَيَسْتَوِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّابِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَذِكْرُ السَّبَبِ حَسَنٌ .
وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: أَكْثَرُ مَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ بِسَبَبِ السَّبَبِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ .
وَهِيَ مَسْأَلَةُ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقُرْآنُ ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ نَقْلِ لَفْظِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْإِعْجَازُ .
وَالثَّانِي: الْأَخْبَارُ فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى ، وَإِذَا نَقَلَهَا بِالْمَعْنَى وَجَبَ قَبُولُهُ كَالنَّقْلِ بِاللَّفْظِ .
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبَ عَشَرَةٍ سَتَأْتِي .
وَنُقِلَ عَنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنْ بِشَرَائِطَ .
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَارِفًا بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِمَوَاقِعِ الْكَلَامِ امْتَنَعَ بِالْإِجْمَاعِ .قَالَهُ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ".
قَالَ: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الرِّسَالَةِ" [6] : يَجِبُ أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحُرُوفِهِ كَمَا سَمِعَهُ ، وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى ، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ يُحِيلُ الْحَلَالَ إلَى الْحَرَامِ ، أَوْ الْحَرَامَ إلَى الْحَلَالِ ، وَإِذَا أَدَّاهُ بِحُرُوفِهِ لَمْ نَجِدْ فِيهِ إحَالَةً .
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلَى الْجَاهِلِ .
قُلْت: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ": الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ مَعَ مَا أَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ سَرَدَهُ .
قَالَ الْأَصْحَابُ فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ لَفْظُ الْحَدِيثِ ، فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى .
وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى عَنْهُ ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِي"النِّهَايَةِ": يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: صَادَفَ أَوْ قَاصَّ الْغَنَمَ مُجْمِعًا عَلَيْهِ فَلَمْ يَتَأَنَّقَ فِي نَقْلِ لَفْظِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ قَوْلٌ بَيْنَ أَنْ يَقْوَى بِدَلِيلٍ آخَرَ فَيَجُوزُ ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ .
ثَانِيهَا: أَنْ يُبَدِّلَ اللَّفْظَ بِمَا يُرَادِفُهُ كَالْجُلُوسِ بِالْقُعُودِ ، وَالِاسْتِطَاعَةِ بِالْقُدْرَةِ ، وَالْعِلْمِ بِالْمَعْرِفَةِ ، وَجَعَلَ الْإِبْيَارِيُّ هَذَا مَحَلَّ وِفَاقٍ فِي الْجَوَازِ ، وَلَيْسَ كَالْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْهُ الْإِعْجَازُ ، وَشَرْطُ هَذَا أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى النَّظَرِ فِي التَّرَادُفِ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ ، فَلَوْ اُحْتِيجَ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا .
ثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ التَّرْجَمَةُ مُسَاوِيَةً لِلْأَصْلِ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ ، فَيُبْدِلُ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ فِي الِاحْتِمَالِ وَعَدَمِهِ ، وَلَا يُبْدِلُ الْأَجْلَى بِالْجَلِيِّ وَعَكْسُهُ ، وَلَا الْعَامَّ بِالْخَاصِّ ، وَلَا الْمُطْلَقَ بِالْمُقَيَّدِ ، وَلَا الْأَمْرَ بِالْخَبَرِ ، وَلَا الْعَكْسُ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ تَارَةً يَقَعُ بِالْمُحْكَمِ ، وَتَارَةً يَقَعُ بِالْمُتَشَابِهِ ، لِحِكَمٍ وَأَسْرَارٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا .
رَابِعُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا تُعُبِّدَ بِلَفْظِهِ ، فَأَمَّا مَا تُعُبِّدْنَا بِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ بِاللَّفْظِ قَطْعًا ، كَأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ .
وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ ، نَقَلَهُ إلْكِيَا وَالْغَزَالِيُّ ، وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ بَرْهَانٍ ، وَابْنُ فُورَكٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَعَبَّرَ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ"عَنْ هَذَا بِأَنْ يَكُونَ سَامِعَ لَفْظِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَالِمًا بِمَوْضُوعِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي اللِّسَانِ ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ بِهِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ ، فَإِنْ عُلِمَ تَجَوُّزُهُ بِهِ ، وَاسْتَعَارَ تَرْكَهُ ، وَجَبَ نَقْلُهُ بِاللَّفْظِ ، لِيَنْظُرَ فِيهِ .
خَامِسُهَا:: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمُتَشَابِهِ ، كَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ ، أَمَّا هِيَ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى بِالْإِجْمَاعِ ، حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ مَا أَطْلَقَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ ، لَا نَدْرِي أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ هَلْ يُسَاوِيهِ أَمْ لَا ؟ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُشَكِّكُ وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَنْقُلُهُ أَحَدٌ بِالْمَعْنَى ؛ لِتَعَذُّرِ نَقْلِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ ، وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ .
سَادِسُهَا:: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ، فَإِنْ كَانَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } [7] ، { وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } [8] ، { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } [9] ، { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } [10] ، وَنَحْوُهُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَرْكُ جَمِيعِ مَعَانِي جَوَامِعِ الْكَلِمِ .حَكَاهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ .
قَالَ: وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى كَغَيْرِهِ مِنْ الظَّوَاهِرِ .
وَجَعَلَ الْإِبْيَارِيُّ فِي"شَرْحِ الْبُرْهَانِ"لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ صُوَرٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُبْدِلَ اللَّفْظَ بِمُرَادِفِهِ كَالْجُلُوسِ بِالْقُعُودِ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ .
وَثَانِيهَا: أَنْ يَظُنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ بِذَلِكَ ، فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ التَّبْدِيلِ .
ثَالِثُهَا: أَنْ يَقْطَعَ بِفَهْمِ الْمَعْنَى ، وَيُعَبِّرَ عَمَّا فَهِمَ بِعِبَارَةٍ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفَاظُ مُتَرَادِفَةً ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ .
فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْقَطْعُ بِفَهْمِ الْمَعْنَى مُسْتَنِدًا إلَى اللَّفْظِ إمَّا بِمُجَرَّدِهِ أَوْ بِهِ مَعَ الْقَرَائِنِ الْتَحَقَ بِالْمُرَادِفِ ، وَكَلَامُ أَبِي نَصْرِ بْنِ الْقُشَيْرِيّ يَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْأُولَى ، وَعَلَى الْمَنْعِ فِي الثَّانِيَةِ .
وَقَالَ الْعَبْدَرِيّ فِي شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى": يَجُوزُ لِلْعَالِمِ فِيمَا عَلِمَهُ قَطْعًا لَا فِي عِلْمِهِ بِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ ، وَفِي حَقِّ مَنْ يُقَلِّدُهُ مِنَ الْعَوَامّ خَاصَّةً ."
قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ تَفْسِيرُ مَقَالِ الشَّرْعِ بِلُغَةِ الْعَجَمِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ لَهُمْ.
وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى يَنْقُلَ إلَيْهِ لَفْظَ الشَّارِعِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَبِلَهُ بِالْمَعْنَى صَارَ مُقَلِّدًا ، وَفِي الصَّحَابِيِّ إذَا نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى فَلَا فَرْقَ.اهـ .
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا ، بَلْ يَجِبُ نَقْلُ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ ، سَوَاءٌ الْعَالِمُ وَغَيْرُهُ.
وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ ، وَأَهْلِ التَّحَرِّي فِي الْحَدِيثِ .
وَقَالَ: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ .
وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، مِنْهُمْ ابْنُ سِيرِينَ ، وَبِهِ أَجَابَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ، وَوَهَمَ صَاحِبُ"التَّحْصِيلِ"، فَعَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ ، أَيْ لِأَجْلِ إنْكَارِ أَصْلِ التَّرَادُفِ فِي اللُّغَةِ .
وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُنْقَلُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَعْنَى ، بِخِلَافِ حَدِيثِ النَّاسِ ، لَكِنْ قَالَ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ ، فَقَدْ نَجِدُ الْحَدِيثَ عَنْهُ تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ لِلْعَالِمِ النَّقْلُ عَلَى الْمَعْنَى .
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ ، فَالْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى ، وَلَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ ، وَأَمَّا الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْهَا ، فَمِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِلَفْظِهِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } [11] ، { خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِى الْحَرَمِ } [12] .
حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا .قَالَ: وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ بِكُلِّ حَالٍ .
الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا ، فَيَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا مَجَالٌ ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا أَدَاءُ اللَّفْظِ ، حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَجَرَى عَلَيْهِ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ .
وَالْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَحْفَظَ اللَّفْظَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ مِنْ الْفَصَاحَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ اللَّفْظَ جَازَ أَنْ يُورِدَ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ تَحَمَّلَ أَمْرَيْنِ: اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى .
فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمَا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُمَا ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ اللَّفْظِ وَقَدَرَ عَلَى الْمَعْنَى لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ.
وَبِهَذَا الْقَوْلِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي"الْحَاوِي"وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ فِي"الْبَحْرِ"وَجَعَلَ الْخِلَافَ مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ .
قَالَ: أَمَّا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي ، فَيَجُوزُ رِوَايَتُهُمَا بِالْمَعْنَى ، كَقَوْلِهِ: { لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ } [13] ، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ [14] .
وَقَوْلُهُ: { اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ } [15] وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. [16]
قَالَا: فَهَذَا جَائِزٌ يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ"افْعَلْ"أَمْرٌ ، وَ"لَا تَفْعَلْ"نَهْيٌ ، فَيَتَخَيَّرُ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ خَفِيَّ الْمَعْنَى مُحْتَمِلًا ، كَقَوْلِهِ: { لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ} [17] ، وَجَبَ نَقْلُهُ بِلَفْظِهِ ، وَلَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِغَيْرِهِ .
فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ جَلِيًّا وَلَا خَفِيًّا إلَّا لِلْمَصْلَحَةِ ، وَلِيَكِلَ اسْتِنْبَاطَهُ إلَى الْعُلَمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى جَلِيًّا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُغَيِّرَ لَفْظَهُ ، وَيَنْقُلَ مَعْنَاهُ .
وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ شَاهَدَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْ يُورِدَ الْمَعْنَى بِغَيْرِ لَفْظِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ .
وَالثَّانِي: يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِفَحْوَاهُ مِنْ غَيْرِهِ .ا هـ .
وَحَاصِلُهُ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِالصَّحَابِيِّ ، وَبِالْجَلِيِّ مِنْ غَيْرِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَالْجَزْمُ فِي الْجَلِيِّ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ غَرِيبٌ لَكِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي عُلَمَائِنَا: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالنَّظَرِ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِتَسَاوِيهِمْ فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ الْجِبِلِّيَّةِ الذَّوْقِيَّةِ ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذْ الطِّبَاعُ قَدْ تَغَيَّرَتْ ، وَالْفُهُومُ قَدْ تَبَايَنَتْ ، وَالْعَوَارِفُ قَدْ اخْتَلَفَتْ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ .ا هـ .
وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبٌ آخَرُ هُوَ السَّابِعُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَالثَّامِنُ: إنْ كَانَ مُحْكَمًا فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا لِلْعَارِفِ بِاللُّغَةِ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ الْغَيْرَ كَعَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ ، أَوْ حَقِيقَةٍ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ جَازَ لِلْمُجْتَهِدِينَ فَقَطْ .
وَإِنْ كَانَ وَجَبَّارُ أَوْ مُشْتَرَكًا فَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّقْلُ بِالْمَعْنَى أَصْلًا ، إذْ الْمُرَادُ بِهِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ .
وَأَمَّا الْمُجْمَلُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ ، وَالْمُتَشَابِهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّا اُبْتُلِينَا بِالْكَفِّ عَنْ طَلَبِ الْمَعْنَى فِيهِ ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى: قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ .
(1) - البحر المحيط في أصول الفقه - (ج 3 / ص 411)
(2) - كما في سنن أبى داود (61 ) عَنْ عَلِىٍّ رضى الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ » . ( وهو صحيح )
(3) - كما في موطأ مالك (42 ) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ » . ( وهو صحيح)
(4) - شرح معاني الآثار - (ج 4 / ص 435) صحيح
(5) - كما في سنن أبى داود (2829 ) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْجَنِينِ فَقَالَ « كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ » . قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِى بَطْنِهَا الْجَنِينَ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ قَالَ « كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ » . (صحيح)
(6) - الرسالة للشافعي - (ج 1 / ص 144)
(7) - سنن أبى داود (3510 ) صحيح
(8) - سنن الترمذي (1391 و1392) صحيح
(9) - صحيح البخاري (1499 ) -الجبار: هدر أى لا دية له العجماء: البهيمة
(10) - موطأ مالك (1435) صحيح لغيره
(11) - سنن أبى داود (61 ) عَنْ عَلِىٍّ رضى الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ » .صحيح
(12) - صحيح البخارى (3314 ) عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عَنْهَا - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِى الْحَرَمِ الْفَأْرَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْحُدَيَّا ، وَالْغُرَابُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» .
العقور: كل سبع يجرح ويقتل ويفترس
(13) - صحيح البخارى (2177 ) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ »
تشف: تزيد وتفضل الناجز: الحاضر
(14) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 5 / ص 278) (10794) عَنْ نَافِعٍ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فَقَدِمَ أَبُو سَعِيدٍ فَنَزَلَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَخَذَ بِيَدِى حَتَّى أَتَيْنَاهُ فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُ هَذَا عَنْكَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَصُرَ عَيْنِى وَسَمِعَ أُذُنِى قَالَ فَمَا نَسِيتُ قَوْلَهُ بِإِصْبَعِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَبَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلاَ تُشِفُّوا أَحَدَهُمَا عَلَى الآخَرِ وَلاَ تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ » . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
(15) - سنن أبى داود (922 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِى الصَّلاَةِ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ » .صحيح
(16) - سنن النسائى (1211 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِقَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِى الصَّلاَةِ.صحيح
(17) - سنن ابن ماجه (2124 ) عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِى إِغْلاَقٍ » صحيح لغيره .
وفي حاشية السندي على ابن ماجه - (ج 4 / ص 289) :
فَسَّرَهُ بَعْضهمْ بِالْغَضَبِ وَهُوَ مُوَافِق لِمَا فِي الْجَامِع غَلِقَ إِذَا غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَكِنْ غَالِب أَهْل الْغَرِيب فَسَّرُوهُ بِالْإِكْرَاهِ وَقَالُوا كَأَنَّ الْمُكْرِه أَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَاب حَتَّى يَفْعَل بَلْ رُوِيَ فِي مَجْمَع الْغَرَائِب تَفْسِيره بِالْغَضَبِ وَقَالَ إِنَّهُ غَلَطٌ لِأَنَّ أَكْثَر طَلَاق النَّاس فِي الْغَضَب قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ الْإِكْرَاه وَفِي التَّنْقِيح وَقَدْ فُسِّرَ الْإِغْلَاق بِالْغَضَبِ كَمَا ظَنَّهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَام أَحْمَد قَالَهُ شَيْخنَا إِنَّهُ يَعُمُّ الْغَضَب وَالْجُنُون كُلّ أَمْر أُغْلِقَ عَلَى صَاحِبه عِلْمه وَقَصْده مَأْخُوذٌ مِنْ غَلَقَ الْبَاب بِخِلَافِ مَنْ عَلِمَ مَا يَتَكَلَّم بِهِ وَقَصَدَهُ وَأَرَادَهُ فَإِنَّهُ اِنْفَتَحَ بَابه وَلَمْ يُغْلَق عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُغْلِق التَّطْلِيقَات فِي دَفْعَة وَاحِدَة حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْء لَكِنْ يُطَلِّقُ طَلَاق السُّنَّة وَاَللَّه أَعْلَم .