قَالَ: وَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ كَقَوْلِهِ: { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } [1] ، وَ { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } [2] وَنَحْوُهُ ، فَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا نَقْلَهُ بِالْمَعْنَى بِالشَّرْطِ السَّابِقِ فِي الظَّاهِرِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِاخْتِصَاصِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِهَذَا النَّظْمِ ، وَكَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ( ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ) [3] ، وَذَكَرَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي كِتَابِهِ قَرِيبًا مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ أَيْضًا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ: اللَّفْظُ الْمَسْمُوعُ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرْبَانِ .
أَحَدُهُمَا: لَا تَأْوِيلَ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ: لَا تَقْرَبْ كَذَا ، وَافْعَلْ كَذَا ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ ، يَنْكَرُهُمَا وَقَعَدَ ، وَقَامَ وَمَضَى ، وَذَهَبَ وَصَبَّ ، وَأَرَاقَ ، وَهَذَا يَجُوزُ تَأْدِيَتُهُ بِالْمَعْنَى .
وَالثَّانِي: مُودَعٌ فِي جُمْلَةٍ لَا يَفْهَمُ الْعَامِّيُّ إلَّا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ .
وَيَكُونُ الِاحْتِمَالُ فِيمَا يَظُنُّهُ الْحَاكِي قَائِمًا ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِاللَّفْظِ الْمُتَعَلَّقِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى ، فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْمَعْنَى إلَى لَفْظٍ آخَرَ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلَا يُقْبَلُ خَبَرٌ حَتَّى يَكُونَ رَاوِيهِ عَدْلًا عَاقِلًا مُمَيِّزًا بَيْنَ الْمَعَانِي ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْمَعَانِي فَحُكْمُهُ فِي الْأَدَاءِ عَلَى الْأَلْفَاظِ ، وَكُلُّ مَنْ أَدَّى إلَيْنَا شَيْئًا قَبِلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَفْظُ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ ، حَتَّى عَلِمْنَا أَنَّهُ حُكِيَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ حَدِيثٍ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيُحْذَفُ فَيَذْهَبُ مَعْنَاهُ .ا هـ .
وَالتَّاسِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُورِدَهُ عَلَى قَصْدِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَالْفُتْيَا ، فَيَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى ، إذَا كَانَ عَارِفًا بِمَعْنَاهُ ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ التَّبْلِيغَ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ، وَيَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، { وَآمَنْتُ بِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْتَ } [4] قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ"الْإِحْكَامِ".
وَالْعَاشِرُ:التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ ، فَيَجُوزُ فِيهَا الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ ، دُونَ الْقِصَارِ .
حَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ ، ثُمَّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ خَصَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَجَوَّزَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فِي كَلَامِ النَّاسِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي"الْإِشْكَالِ"عَنْ مَالِكٍ تَجْوِيزَهُ فِي حَدِيثِ النَّاسِ ، وَمَنْعَهُ فِي كَلَامِ النُّبُوَّةِ .
فَرْعٌ إذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ وَرُوِيَ بِالْمَعْنَى لَا تَسْقُطُ رِوَايَتُهُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ وَاجْتِهَادٍ ، فَلَا تَسْقُطُ بِهِ الرِّوَايَةُ ، قَالَهُ سُلَيْمٌ فِي"التَّقْرِيبِ".
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْقِصَ مِنْ لَفْظِهِ وَيَحْذِفَهُ ، فَيُنْظَرُ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَحْذُوفُ تَعَلُّقًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا لَمْ يَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ ، كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَالتَّعَلُّقُ اللَّفْظِيُّ كَالتَّقْيِيدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالصِّفَةِ .
وَالْمَعْنَوِيِّ كَمَا إذَا كَانَ الْمُتَعَلَّقُ مَذْكُورًا بِجُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ ، لَا يَتَعَلَّقُ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِهَا ، كَمَا فِي بَيَانِ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ ، وَبَيَانِ الْمُجْمَلِ بِجُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ ، وَكَلَامِ ابْنِ الْقُشَيْرِيّ فَيَنْقُصُ عَنْ الْخِلَافِ الْآتِي ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى ، فَالْمَانِعُونَ ثَمَّ مَنَعَ أَكْثَرُهُمْ هَاهُنَا ، وَأَمَّا الْمُجَوَّزُونَ ثَمَّ فَاخْتَلَفُوا هَاهُنَا عَلَى أَقْوَالٍ .
ـــــــــــــــ
(1) - مر تخريجه
(2) - مر تخريجه
(3) - مسند البزار 1-14 - (ج 5 / ص 69) (3416) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَنَّهُ قَالَ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِيَ فَحَفِظَهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. ( صحيح)
(4) - صحيح البخارى (247 ) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ ، ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِى إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِى إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِى إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ . فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ » . قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا بَلَغْتُ « اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ » . قُلْتُ وَرَسُولِكَ . قَالَ « لاَ ، وَنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ » .