فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 522

[ عَرْضُ الْحَدِيثِ عَلَى الْقُرْآنِ ][1]

"لَا يَجِبُ عَرْضُ الْخَبَرِ عَلَى الْكِتَابِ ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي"الْقَوَاطِعِ": وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى وُجُوبِ عَرْضِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قُبِلَ وَإِلَّا رُدَّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي أُصُولِهِ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُعْتَقَدُ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: الْعَرْضُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَرَوَاجُهُ بِمُوَافَقَتِهِ ، فَالْتَبَسَ بِمُخَالَفَتِهِ ، ثُمَّ عَلَى السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ ، ثُمَّ الْعَرْضُ عَلَى الْحَادِثَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَشْهُورَةً لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا ، وَالْخَبَرُ شَاذٌّ كَانَ ذَلِكَ وَمُحْرِبُ ، وَكَذَا إنْ كَانَ حُكْمُ الْحَادِثَةِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ ، خِلَافًا ظَاهِرًا ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْمُحَاجَّةُ بِالْحَدِيثِ كَانَ عَدَمُ ظُهُورِ الْحِجَاجِ وَمُحْرِبُ فِيهِ ."

قَالَ: وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: { مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ } [2] .

فَلَوْ صَحَّتْ لَاحْتِيجَ إلَى عَرْضِهَا عَلَى الْكِتَابِ ، وَقَدْ عَرَضْنَاهَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا بَلْ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهَا ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر.

وَرَدَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ كَلَامَهُ ، وَقَالَ: الْخَبَرُ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ إذَا ثَبَتَ ، وَلَا يَجِبُ عَرْضُهُ ، وَلِهَذَا جَوَّزْنَا تَخْصِيصَ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ .ا هـ .

وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ: قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ ، وَالْخَبَرُ أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى عَامًّا لَهُ بِقَبُولِهِ وَاعْتِقَادِ صِحَّتِهِ وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ لَهُ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فِي الْكِتَابِ فَهُوَ ابْتِدَاءُ شَرْعٍ مِنْ اللَّهِ ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ ، وَإِنْ ذَهَبَ عَنَّا وَجْهُهُ .

قَالَ: فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إذَا رَوَيْت سُنَّةً عَرَضْتهَا عَلَى الْقُرْآنِ .

قَالَ: فَإِنْ خَالَفَتْهُ عَلَى مَعْنَى وُرُودِ الْكِتَابِ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَوْ إبَاحَتِهِ ، وَفِي السُّنَّةِ النَّهْيُ عَنْهُ ، أَوْ حَظْرُهُ ، فَهَذَا لَمْ يُوجَدْ صَحِيحًا ، إلَّا فِيمَا نَسَخَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ سُنَّتِهِ .

قُلْت: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الرِّسَالَةِ" [3] وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: { مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَمَا وَافَقَهُ فَأَنَا قُلْته ، وَمَا خَالَفَهُ فَلَمْ أَقُلْهُ } : مَا رَوَى هَذَا أَحَدٌ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ فِي شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ ، وَعَمَّنْ لَا يُقْبَلُ [ عَنْهُ ] مِثْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي شَيْءٍ .انْتَهَى .

ثُمَّ ذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (23) سورة النساء وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا } [4] ، الْحَدِيثَ .

ثُمَّ قَالَ: فَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي اتِّبَاعِهِ ، وَكَانَتْ مَعَهُ دَلَالَتَانِ: دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ بِحَالٍ ، وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ عَامًّا وَخَاصًّا وَدَلَالَةً ، عَلَى أَنَّهُمْ قَبِلُوا فِيهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ ، فَلَا نَعْلَمْ أَحَدًا رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .ا هـ .

وَفِي ظَنِّي أَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ [5] .

ـــــــــــــــ

(1) - البحر المحيط في أصول الفقه - (ج 3 / ص 407)

(2) - وفي الإبانة الكبرى لابن بطة - (ج 1 / ص 109)

قال ابن الساجي: قال أبي رحمه الله: هذا حديث موضوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال: وبلغني عن علي بن المديني ، أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل ، والزنادقة وضعت هذا الحديث قال الشيخ: « وصدق ابن الساجي ، وابن المديني رحمهما الله ، لأن هذا الحديث كتاب الله يخالفه ، ويكذب قائله وواضعه ، والحديث الصحيح ، والسنة الماضية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترده قال الله عز وجل: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) » والذي أمرنا الله عز وجل أن نسمع ونطيع ، ولا نضرب لمقالته عليه السلام المقاييس ، ولا نلتمس لها المخارج ، ولا نعارضها بالكتاب ، ولا بغيره ، ولكن نتلقاها بالإيمان والتصديق والتسليم إذا صحت بذلك الرواية .

(3) - معرفة السنن والآثار للبيهقي (6)

(4) - صحيح مسلم (3506 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا » .

(5) - صحيح البخارى (5108 ) عَنِ الشَّعْبِىِّ سَمِعَ جَابِرًا رضى الله عنه قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت