"قال الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني في كتابه (( إيثار الحق ) )في خلال البحث عن كون معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإسلام راجعًا إلى هذين الأمرين الواضح بطلانهما وهما الزيادة في الدين والنقص منه ما نصه (( من أنواع الزيادة في الدين الكذب فيه عمدًا وهذا الفن يضر من لم يكن من أئمة الحديث والسير والتواريخ ولا يتوقف على نقدهم فيه بحيث لا يفرق بين ما يتواتر عند أهل التحقيق وبين ما يزوره غيرهم ،وليس له دواء إلا إتقان هذا الفن والرسوخ فيه وعدم المعارضة لأهله بمجرد الدعاوي الفارغة ، وهو علم صعب يحتاج إلى طول المدة ومعرفة علوم الحديث وعدم العجلة بالدعوى، وإن كان جليًا في معناه فإن الرسوخَ فيه بعيدٌ عن حصول العلم الضروري بأحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحوال السلف بحيث يعلم دينهم بالضروة مثل ما يعلم مذهب المعتزلة والأشعرية كذلك يطول البحث في علم الكلام ،ويعلم ما يختلفون فيه وما لا يختلفون فيه ، وما يمكن القدح فيه من المنقولات المشهورة ،وما لا يمكن من غير تقليد ولا أقل من معرفة مثل علوم الحديث للحاكم في ذلك وهذا عندي هو الفائدة العظمى في الرسوخ في علم الحديث ، وليس الفائدة العظمى فيه معرفة أحاديث الاحكام في فروع الحلال والحرام كما يظنُّ ذلك من يقتصر على قراءة بعض المختصرات في ذلك، ويكتفي به في هذا العلم الجليل، ولأمر ما كان أئمة الحديث الراسخون أركان الإيمان في الثبوت عند الفتن والامتحان ) )انتهى [1] "
وقال العارف الشعراني رحمه الله في العهود الكبرى [2] :
" (أخِذَ علينا العهدُ العام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أن لا نتهورَ في رواية الحديث ،بل نتثبت في كل حديث نرويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا نرويه عنه إلا إن كان لنا به رواية صحيحة. وكان سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى يقول: لا ينبغي لفقيه أن يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا إلا إن كان له به علامة يعرف بها، أن ذلك من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إما من طريق النقل وإما من طريق سؤاله للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك الحديث، وقوله هو من كلامي يقظة ومشافهة [3] ، هذا كله فيما كان ضعيفا من طريق النقل، أما ما صحَّ من طريق المحدِّثين واستحسن فلا يحتاج إلى سؤاله - صلى الله عليه وسلم - فيه."
فاعلم يا أخي أن أكثر من يقع في خيانة هذا العهد المتصوفة الذين لا قدم لها في الطريق فربما رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس من كلامه لعدم ذوقهم وعدم فرقانهم بين كلام النبوة وكلام غيرها، ولو أنهم كانوا من العارفين لعرفوا كلام النبوة وميزوه عن غيره، فإن لامعة نور النبوة لا تخفى على من في قلبه نور. وقد سمعت بعضهم يحكي قول أبي محمد الكتاني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له يا رسول الله ادع الله لي أن لا يميت قلبي، فقال: قل كلَّ يوم أربعين مرة: يا حيُّ يا قيوم لا إله إلا أنت، وهي رؤية منام فصار هذا يرويه عنه على إيهام أنه - صلى الله عليه وسلم - قاله لأصحابه، ورواه عنه الأئمة الحفاظ وهو وهم فاحش، فلولا أنني أعلمته بذلك ما علمه. وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول: إنما قال بعض المحدثين أكذب الناس الصالحون لغلبة سلامة بواطنهم فيظنون بالناس الخير وأنهم لا يكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمرادهم بالصالحين المتعبدون الذين لا غوص لهم في علم البلاغة فلا يفرقون بين كلام النبوة وغيره ، بخلاف العارفين فإنهم لا يخفى عليهم ذلك حتى أن بعضهم كان يعرف صوت الشريف من غيره من وراء حجاب لكونه من رائحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد منَّ الله تعالى عليَّ بتمييز كلام النبوة من غيره من حيث حلاوة التركيب العلمي بأنه لا أحد يقدر على فصاحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فربما سمع الصحابي شيئا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب عنه حفظ بعض اللفظ والمعنى موفور في قلبه فيكمل لنا الحديث بلفظه هو فأعرفه بركاكة تركيبه، وربما ظنَّ بعضُ المحدثين أن ذلك الحديث موضوع، والحال أن الوضع إنما هو في مثل لفظة ونحوها، وأصل الحديث صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فتعلم يا أخي علم الحديث لتخرج من الوقوع في الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو بغير قصد. والله تعالى أعلم." [4] "
ـــــــــــــــ
(1) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 135) و إيثار الحق على الخلق [ ج 1 - ص 122 ]
(2) - لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية - (ج 2 / ص 255)
(3) - قلت: هذا طريق ليس دقيقًا ، وغير منضبط ، والكذب فيه سهل ، فليس لنا إلا الطريق الأول .
(4) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 135)