الفصل الرابع
منهجُ الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه التقريب، ومناقشته
هو اختصار لكتابه القيم تهذيب التهذيب: وهو بنفس ترتيبه، وفيه اسم صاحب الترجمة، والحكم عليه جرحًا وتعديلًا، وذكر طبقته، ومتى توفي.
ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - من أهل الاستقراء التام في علم الحديث، على وجه الخصوص علم الرجال، لأن هذا العلم هو أول العلوم الحديثية التي قرأها ودرسها، إذ عانها وهو لا يزال في المكتب، وعلى وجه التحديد سنة (786 هـ) وعمره لم يتجاوز الثلاثة عشر عامًا.
قال السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر:"إنه حبب إليه النظر في التواريخ وأيام الناس، حتى إنه كان يستأجرها ممن هي عنده، فعلق بذهنه الصافي الرائق شيء كثير من أحوال الرواة، وكان ذلك بإشارة من أهل الخير." [1]
ولقد كان للتقريب مكانة خاصة عند ابن حجر، إذ بقي الكتاب بين يديه طيلة (23) عامًا، يضيف إليه، ويحذف منه، ويعدِّلُ فيه، ويعيد ضبط ما ضبطه قبل أو بضبط ما لم يضبطه ...
وهكذا نرى أن (التقريب) هو خلاصة ما توصل إليه الحافظ ابن حجر من أحكام على رواة الكتب الستة وما ألحق بها، وعصارة فكر متواصل البحث والدراسة والتحقيق والتحرير مدة زادت على الستين عامًا من حياة عالم موسوعيٍّ ويقظٍ ذكيٍّ.
ــــــــــــــ
المطلب الأول
نقل نص المقدمة
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة التقريب:
"الحمد لله الذي رفع بعض خلقه على بعض درجات، وميز بين الخبيث والطيب بالدلائل [المحكمات] والسمات، وتفرد بالملك فإليه منتهى الطلبات والرغبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الأسماء الحسنى والصفات، الناقد البصير لأخفى الخفيات، الحكم العدل، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يخفى عنه مقدار ذلك في الأرض والسموات."
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالآيات البينات، والحجج النيرات، الآمر بتنزيل الناس ما يليق بهم من المنازل والمقامات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه السادة الأنجاب الكرماء الثقات.
أما بعد: فإنني لما فرغت من تهذيب (تهذيب الكمال) في أسماء الرجال، الذي جمعت فيه مقصود (التهذيب) لحافظ عصره أبي الحجاج المزي، من تمييز أحوال الرواة المذكورين فيه، وضممت إليه مقصود (إكماله) للعلامة علاء الدين مغلطاي، مقتصرًا منه على ما اعتبرته عليه، وصححته من مظانه، من بيان أحوالهم أيضًا، وزدت عليهما في كثير من التراجم ما يتعجب من كثرته لديهما، ويستغرب خفاؤه عليهما: وقع الكتاب المذكور من طلبة الفن موقعًا حسنًا عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز ثلث الأصل، (والثلث كثير) .
فالتمس مني بعض الإخوان أن أجرد له الأسماء خاصة، فلم أوثر ذلك، لقلة جدواه على طالبي هذا الفن، ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته، وأسعفه بطلبته، على وجه يحصل مقصوده بالإفادة، ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة، وهي:
أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة، وأخلص إشارة، بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا، يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونسبه، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه.
وباعتبار ما ذكرت انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة، وحصر طبقاتهم في اثنتي عشرة طبقة
فأما المراتب:
فأولها: الصحابة: فأصرح بذلك لشرفهم.
الثانية: من أُكد مدحه: إما: بأفعل: كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة لفظًا: كثقة ثقة، أو معنى: كثقة حافظ.
الثالثة: من أفرد بصفة، كثقة، أو متقن، أو ثَبْت، أو عدل.
الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلًا، وإليه الإشارة: بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلًا، وإليه الإشارة بصدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة، كالتشيع والقدر، والنصب، والإرجاء، والتجهم، مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال.
الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ: ضعيف.
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مجهول.
العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإليه الإشارة: بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.
الحادية عشرة: من اتهم بالكذب.
الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذب، والوضع.
وأما الطبقات:
فالأولى: الصحابة، على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين، كابن المسيب، فإن كان مخضرمًا صرحت بذلك.
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها: جُلُّ روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة.
الخامسة: الطبعة الصغرى منهم، الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السَّماع من الصحابة، كالأعمش.
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج.
السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين، كمالك والثوري.
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين: كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع، ممن لم يلق التباعين، كأحمد بن حنبل.
الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي والبخاري.
الطبقة الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع، كالترمذي، وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة، الذين تأخرت وفاتهم قليلًا، كبعض شيوخ النسائي.
وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم، فإن كان من الأولى والثانية: فهم قبل المائة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة: فهم بعد المائة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات: فهم بعد المائتين، ومن ندر عن ذلك بينته.
وقد اكتفيت بالرقم على أول اسم كل راوٍ، إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة.
فالبخاري في صحيحه (خ) ، فإن كان حديثه عنده معلقًا (خت) ، وللبخاري في الأدب المفرد (بخ) ، وفي خلق أفعال العباد (عخ) ، وفي جزء القراءة (ر) ، وفي رفع اليدين (ي) ،ولمسلم (م) . [ولمقدمة صحيحه مق] ،ولأبي داود (د) ، وفي المراسيل له (مد) ، وفي فضائل الأنصار (صد) ، وفي الناسخ (خد) ، وفي القدر (قد) ، وفي التفرد (ف) ، وفي المسائل (ل) ، وفي مسند مالك (كد) ،وللترمذي (ت) ، وفي الشمائل له (تم) ،وللنسائي (س) ، وفي مسند علي له (عس) ، وفي مسند مالك (كن) . [وفي كتاب العمل اليوم والليلة (سي) ، وفي خصائص علي (ص) ] ،ولابن ماجه (ق) ، وفي التفسير له (فق) .
فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة، أكتفي برقمه، ولو أخرج له في غيرها. وإذا اجتمعت فالرقم (ع) ، وأما علامة (4) فهي لهم سوى الشيخين.
ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه: (تمييز) ، إشارة إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره.
ومن ليست عليه علامة نبه عليه، وترجم قبل أو بعد وسميته (تقريب التهذيب)
والله سبحانه وتعالى أسأل أن ينفع به قارئه وكاتبه والناظر فيه، وأن يبلغنا من فضله وإحسانه ما نؤمله ونرتجيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أنيب. اهـ [2] .
والحافظ ابن حجر رحمه الله من المعتدلين في الجرح والتعديل بشكل عام، وخاتمة الحفاظ ـ فغدا كتابه هذا مرجعًا لكلِّ من جاء بعده.
ومعلومٌ أن الجرح والتعديل من أدقِّ علوم الحديث، وهناك اختلاف كبير فيه، وغالبه قائم على الاجتهاد وغلبة الظنِّ، وليس على القطع واليقين، والحافظ ابن حجر رحمه الله له باع طويل في الجرح والتعديل، وقد كتب في كل الرجال تقريبا، كما في التقريب والتعجيل واللسان.
ونلاحظ على هذه العبارات الاختصار الشديد، كما أنه لم يذكر شيوخ الراوي أو طلابه، ولكنه استغنى عن ذلك بذكر طبقته، ومع هذا فلا تغني الطبقة عن ذكر أهم مشايخه وطلابه في كثير من الأحيان، بسبب الاشتباه في الأسماء أو الطبقات.
وقد التزم الحافظ ابن حجر (رحمه الله) بهذه التفاصيل التي ذكرها من حيث المبدأ.
ــــــــــــــ
المطلب الثاني
أمثلة من كتاب التقريب
وهذه أمثلة من كتابه (التقريب) حسب ما ورد في ترقيم الكتاب:
(1) أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو علي، نزيل بغداد، صدوق، من العاشرة مات سنة 36 اهـ أي 236، دفق.
(3) أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدّورقي النُّكري: البغدادي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (246) م د ت ق.
(5) أحمد بن الأزهر بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة مات سنة (263) س ق.
6 -أحمد بن إسحاق ابن الحصين ابن جابر السلمي أبو إسحاق السرماري بضم المهملة وبفتحها وحكي كسرها وإسكان الراء صدوق من الحادية عشرة مات سنة اثنتين وأربعين خ
7 -أحمد بن إسحاق ابن زيد ابن عبدالله ابن أبي إسحاق الحضرمي أبو إسحاق البصري ثقة كان يحفظ من التاسعة مات سنة إحدى عشرة م د ت س
8 -أحمد بن إسحاق ابن عيسى الأهوازي البزاز صاحب السلعة أبو إسحاق صدوق من الحادية عشرة مات سنة خمسين د
9 -أحمد بن إسماعيل ابن محمد السهمي أبو حذافة سماعه للموطأ صحيح وخلط في غيره من العاشرة مات سنة تسع وخمسين ق
10 -أحمد بن إشكاب الحضرمي أبو عبد الله الصفار واسم إشكاب مجمع وهو بكسر الهمزة بعدها معجمة ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة سبع عشرة أو بعدها خ
11 -أحمد بن أيوب ابن راشد الضبي الشعيري بفتح المعجمة أبو الحسن مقبول من العاشرة بخ
12 -أحمد بن بديل بن قريش أبو جعفر اليامي بالتحتانية قاضي الكوفة صدوق له أوهام من العاشرة مات سنة ثمان وخمسين ت ق
ونلاحظ عليها جميعًا الإيجاز، والدقة.
فقد ذكر اسم الراوي كاملًا، وبلده، وصفته التي تميزه عن غيره، وحكمه فيه جرحًا وتعديلًا، و طبقته، ومتى توفي، ومن أخرج له من أصحاب الكتب الستة
وقال الذهبي عنهم في الكاشف:
1 -أحمد بن إبراهيم الموصلي أبو علي عن شريك وحماد بن زيد وطبقتهما وعنه أبو داود والبغوي وأبو يعلى وخلق وثق مات 236 د
2 -أحمد بن إبراهيم البغدادي الدورقي الحافظ عن هشيم ويزيد بن زريع والناس وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وحاجب بن أركين وخلق وله تصانيف توفي 246 م د ت ق
3 -أحمد بن إبراهيم أبو عبدالملك البسري الدمشقي عن أبي الجماهر ومحمد بن عائذ وخلق وعنه النسائي وابن أبي العقب والطبراني وطائفة صدوق توفي 289 س
4 -أحمد بن الأزهر بن منيع أبو الأزهر العبدي مولاهم النيسابوري الحافظ عن ابن نمير وأبي ضمرة و عبد الرزاق وخلق وعنه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابنا الشرقي وخلق صدوق قاله أبو حاتم وجزرة مات 261 س ق
5 -أحمد بن إسحاق السلمي السرماري البخاري من يضرب بشجاعته المثل قتل ألفا من الترك سمع يعلى بن عبيد وطبقته وعنه البخاري وأهل بلده توفي 242 خ
6 -أحمد بن إسحاق الحضرمي البصري أخو يعقوب ثقة سمع عكرمة بن عمار وهماما وعنه أبو خيثمة وعبد والصاغاني وآخرون توفي 211 م د ت س
7 -أحمد بن إسحاق الأهوازي البزاز عن أبي أحمد الزبيري وعدة وعنه أبو داود وابن جرير وطائفة صدوق مات 25 د
8 -أحمد بن إسماعيل أبو حذافة السهمي المدني، آخر أصحاب مالك وسمع الزنجي وإبراهيم بن سعد وطبقتهم وعنه ابن ماجة والمحاملي وابن مخلد، ضعِّف توفي 259 ق
9 -أحمد بن إشكاب الكوفي الصفار نزل مصر عن شريك وطائفة وعنه البخاري والصاغاني وبكر بن سهل وكان حجة مكثرا مات 217 أو في 218 خ
10 -أحمد بن بديل أبو جعفر اليامي قاضي الكوفة ثم همذان سمع أبا بكر ابن عياش وحفص بن غياث وعدة وعنه الترمذي وابن ماجة وابن صاعد وابن عيسى الوزير وخلق قال النسائي لا بأس به ولينه بن عدي والدارقطني وكان عابدا توفي 258 ت ق
فالذهبي يذكر اسم الراوي كاملا، وكنيته، وصفته، وبلده، ويذكر أهم من سمع منهم، وأهم من روى عنه، وقد يذكر رأيه صريحًا في الراوي جرحا وتعديلًا، وقد يذكر رأي غيره، ويسكت عليه دةن ترجيح، وقد يذكر رأيه في الراوي، ثم يبين أن فيه خلافًا، فيذكر بعض من ضعَّفه، وقد لا يذكر فيه شيئًا من الجرح والتعديل، ويذكر بعض صفاته الخاصة، ومتى توفي، ومن أخرج له من الأئمة الستة.
ــــــــــــــ
الكلام على مراتب الرواة عند الحافظ ابن حجر
المرتبة الأولى
الصحابة رضي الله عنهم
الصحابة رضوان الله عليهم هم خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نشر الدعوة وحمل أعبائها، ومن ثم لم يقع خلاف"بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أوكد علم الخاصة، وأرفع علم الخبر، وبه ساد أهل السير [3] "
1 -تعريف الصحابي:
أ) لغة: الصحابة لغة مصدر بمعنى"الصحبة"ومنه"الصحابي"و"الصاحب ويجمع على أصحاب وصَحْب، وكثر استعمال"الصحابة"بمعنى"الأصحاب". وأصل الصحبة في اللغة يطلق على مجرد الصحبة، دون اشتراط استمرارها طويلا، وعلى ذلك درج المحدثون."
ب) اصطلاحًا: من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا ومات على الإسلام، ولو تخللت ذلك ردة على الأصح.
قال العراقي [4] :"وقد اخْتُلِفَ في حدِّ الصحابيِّ مَنْ هو؟ على أقوالٍ:"
أحدُها: وهو المعروفُ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ أنَّهُ مَنْ رأى النبيَّ (- صلى الله عليه وسلم -) في حالِ إسلامهِ.
والقول الثاني: أنَّهُ مَنْ طالتْ صحبتُهُ لهُ، وكثرتْ مجالستُهُ على طريقِ التَّبَعِ لهُ والأخذِ عنهُ.
والقولُ الثالثُ: وهوَ ما رويَ عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّهُ كانَ لا يعدُّ الصحابيَّ إلاَّ مَنْ أقامَ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سنةً أو سنتينِ، وغزا معهُ غَزْوةً أو غزوتينِ.
والقولُ الرابعُ: أنَّهُ يُشترطُ مع طولِ الصحبةِ الأخذُ عنهُ.
والقولُ الخامسُ: أنَّهُ مَنْ رآهُ مسلمًا بالغًا عاقلًا.
والقول السادس: أنَّه مَنْ أدركَ زمنَهُ (- صلى الله عليه وسلم -) ، وهو مسلمٌ، وإنْ لم يرَهُ.
تعرف الصحبة بما يلي:
= إمَّا بالتواترِ، كأبي بكرٍ، وعمرَ، وبقيةِ العشرةِ في خَلْقٍ منهم،
= وإمَّا بالاستفاضةِ والشهرةِ القاصرةِ عنِ التواترِ، كعُكَاشَةَ بنِ مِحْصنٍ، وضِمَامِ بنِ ثعلبةَ، وغيرِهما.
=وإمَّا بإخبارِ بعضِ الصحابةِ عنهُ أَنَّهُ صحابيٌّ، كحُمَمَةَ بنِ أبي حُمَمَةَ الدَّوسِيِّ، الذي ماتَ بأصبهانَ مبطونًا، فشهدَ لهُ أبو موسى الأشعريُّ أنَّهُ سمِعَ النبيَّ (- صلى الله عليه وسلم -) ، وحكمَ لهُ بالشهادةِ ذكرَ ذلكَ أبو نُعَيْمٍ في"تاريخِ أصبهان" [5] .
وقال الخطيب في الكفاية: بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْدِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلصَّحَابَةِ , وَأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيمَنْ دُونَهُمْ كُلُّ حَدِيثٍ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , لَمْ يَلْزَمِ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَةِ رِجَالِهِ , وَيَجِبُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِمْ , سِوَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ , وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ , فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ , وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا , وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَالْمُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ , وَقِيلَ: وَهُوَ وَارِدٌ فِي الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ , وَقَوْلُهُ: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا , وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحسان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ , وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ , وَقَوْلُهُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ , وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قِبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ , فِي آيَاتٍ يَكْثُرُ إِيرَادُهَا وَيَطُولُ تَعْدَادُهَا , وَوَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّحَابَةَ مِثْلَ ذَلِكَ , وَأَطْنَبَ فِي تَعْظِيمِهِمْ , وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ , فَمِنَ الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى""
ومذهب أهل السنة والجماعة فيهم وسط بين طرفيها الإفراط والتفريط، وسط بين المفرطين الغالين، الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى ما لا يليق إلا بالله أو برسله، وبين المفرِّطين الجافين الذين ينقصونهم ويسبونهم، فهم وسط بين الغلاة والجفاة، يحبونهم جميعا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم وقلوبهم عامرة بحبهم وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد والإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم ولهم من الله المغفرة والرضوان، وكتب أهل السنة مملوءة ببيان هذه العقيدة الصافية النقية في حق هؤلاء الصفوة المختارة من البشر لصحبة خير البشر - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم أجمعين.
2 -أمثلة مما ورد في التقريب عن هذه المرتبة
لقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله الصحابة الذين ورد ذكرهم في الكتب الستة، ولكنهم أقسام:
قسم متفق على صحبته
وقسم مختلف في صحبته
وقسم مخضرمين
وقسم ذكروا في الصحابة خطأ
وسوف نذكر أمثلة عن كل قسم، وما يتعلق به
أولا- المتفق على صحبته:
(131) آبِي اللَّحْمِ بالمد بلفظ اسم الفاعل من الإباء صحابي غفاري يقال إن اسمه خلف وقيل غير ذلك استشهد بحنين ت س
الكاشف (232) آبة اللحم الغفاري له صحبة وعنه مولاه عمير في الاستسقاء قتل يوم حنين ت س
(282) أُبَيِّ بنِ عُمَارَةَ بكسر العين على الأصح مدني سكن مصر له صحبة وفي إسناد حديثه اضطراب د ق
الكاشف (230) أبي بن عمارة له صحبة وله حديث في المسح وعنه عبادة بن نسي وأيوب بن قطن د ق
(283) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو المنذر سيد القراء ويكنى أبا الطفيل أيضا من فضلاء الصحابة اختلف في سنة موته اختلافا كثيرا قيل سنة تسع عشرة وقيل سنة اثنتين وثلاثين وقيل غير ذلك ع
الكاشف (231) أبي بن كعب بدرسيد القراء عنه أنس وسهل بن سعد وأبو العالية وخلق في موته أقوال ع
وهناك ملاحظة هامة، فمن كانت صحبته ثابتة بلا ريب قالا عنه (صحابي) ، وإنما كانت غير مشهورة، قالا عنه (له صحبة)
وهناك بعض الصحابة تكلم فيهم بعض أئمة الجرح والتعديل، ومع ذلك لم يعوِّل الحافظان على كلامهم فيهم، مثل بسر بن أبي أرطأة
ففي التقريب (663) بسر بن أرطاة ويقال ابن أبي أرطاة واسمه عمر [عمير] ابن عويمر ابن عمران القرشي العامري نزيل الشام من صغار الصحابة مات سنة ست وثمانين د ت س
الكاشف (558) بسر بن أرطاة أو ابن أبي أرطاة العامري صحابي له حديثان عنه جنادة بن أبي أمية
فقد تكلم فيه ابن معين، وذلك لأنه نسب له أعمال سيئة في اليمن وفي المدينة المنورة أثناء الفتنة, والصواب أن هذه الأعمال لم يثبت منها شيء، ومن حدث بها إما من لم يلقه، أو ساقط الرواية، ولا يجوز الاتهام بلا برهان واضح، والصواب أنه من الصحابة المفترى عليهم، وقد أجمعوا على عدالة الصحابة من لازم الفتنة ومن لم يلازمها.
وما فعله الحافظان الجليلان هنا هو الصواب الذي لا محيد عنه.
ثانيا-المختلف في صحبته:
(590) إياس بن عبد الله بن أبي ذباب بضم المعجمة وموحدتين الدوسي نزيل مكة مختلف في صحبته وذكره ابن حبان في ثقات التابعين د س ق
الكاشف (500) إياس بن عبدالله بن أبي ذباب الدوسي مختلف في صحبته عنه ولد لابن عمر د س ق
(840) ثعلبة بن زهدم الحنظلي حديثه في الكوفيين مختلف في صحبته وقال العجلي تابعي ثقة د س
الكاشف (705) ثعلبة بن زهدم مختلف في صحبته عنه الأسود بن هلال د س
(842) ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير بمهملتين مصغر العذري بضم المهملة وسكون المعجمة ويقال ثعلبة ابن عبدالله ابن صعير ويقال عبدالله ابن ثعلبة ابن صعير مختلف في صحبته د
الكاشف (707) ثعلبة بن صعير أو بن أبي صعير له صحبة عنه ابنه عبد الله د
(1) - انظر منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها د- وليد العاني رحمه الله ص 22
(2) - انظر التقريب 1/ 73 - 76 طبعة دار الرشيد بحلب الطبعة الأولى 1406 هـ تحقيق محمد عوامة
(3) - الاستيعاب في أسماء الأصحاب: 1: 8.
(4) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 204)
(5) - معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (2113)