تعريفاتٌ أوليةٌ [1]
1-علم المصطلح [2] :
علم بأصول وقواعد يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد.
2-موضوعه:
السند والمتن من حيث القبول والرد.
3-ثمرته:
تمييز الصحيح من السقيم من الأحاديث.
4-الحديث:
لغة: الجديد. ويجمع على أحاديث على خلاف القياس .
اصطلاحا: ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. [3]
5-الخَبَر:
لغة: النبأ . وجمعه أخبار .
اصطلاحًا: فيه ثلاثة أقوال وهي:
1)هو مرادف للحديث: أي إن معناهما واحد اصطلاحًا.
2)مغاير له: فالحديث ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . والخبر ما جاء عن غيره .
3)أعم منه:أي إن الحديث ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخبر ما جاء عنه أو عن غيره.
6-الأثَر:
أ) لغة: بقية الشيء.
ب) اصطلاحًا: فيه قولان هما:
1)هو مٌرادف للحديث: أي أن معناهما واحد اصطلاحًا.
2)مٌغاير له: وهو ما أٌضيف إلى الصحابة والتابعين من أقوال أو أفعال.
7-الإسناد: له معنيان:
أ) عَزْو الحديث إلى قائله مسندًا .
ب) سلسلة الرجال المٌوصلة للمتن . وهو بهذا المعنى مرادف للسند .
8-السند:
أ) لغة: المعتمد. وسمي كذلك لأن الحديث يستند إليه ويعتمد عليه .
ب) اصطلاحا: سلسلة الرجال الموصلة للمتن.
9-المتن:
أ) لغة: ما صلب وارتفع من الأرض.
ب) اصطلاحًا: ما ينتهي إليه السند من الكلام.
10-المٌسْنَد: ( بفتح النون )
أ) لغة: اسم مفعول من أسند الشيء إليه بمعنى عزاه ونسبه له.
ب) اصطلاحًا: له ثلاثة معان.
1)كل كتاب جمعَ فيه مرويات كل صحابي على حِدَة .
2)الحديث المرفوع المتصل سندًا .
3)إن يٌراد به"السند"فيكون بهذا المعنى مصدرًا ميميًا.
11-المٌسْنِد: ( بكسر النون )
هو من يروي الحديث بسنده . سواء أكان عنده علم به. أم ليس له إلا مجرد الرواية
12-المٌحدَّث:
هو من يشتغل بعلم الحديث رواية ودراية . ويطلع على كثير من الروايات وأحوال رواتها.
13-الحافظ: فيه قولان:
أ) مرادف للمحدث عند كثير من المحدثين.
ب) وقيل هو أرفع درجة من المحدث . بحيث يكون ما يعرفه في كل طبقة أكثر مما يجهله.
14-الحاكم [4] :
هو من أحاط علمًا بجميع الأحاديث حتى لا يفوته منها إلا اليسير على رأي بعض أهل العلم.
البابُ الثاني
الخبرُ [5]
وفيه أربعة فصول:
-الفصل الأول: تقسيم الخبر باعتبار وصوله إلينا .
-الفصل الثاني: الخبر المقبول
-الفصل الثالث: الخبر المردود .
-الفصل الرابع: الخبر المشترك بين المقبول والمردود .
الفصلُ الأول
تقسيمُ الخبر باعتبار وصوله إلينا
ينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى قسمين:
فإن كان له طرقٌ بلا حَصْرِ عدد معين فهو المتواترُ .
وإن كان له طرقٌ محصورة بعددٍ معين فهو الآحادُ.
ولكل منهما أقسام وتفاصيل ، سأذكرها وأبسطها إن شاء الله تعالى وأبدا ببحث المتواتر.
المْبحَثُ الأولُ
الخبرُ المتواتر [6]
1-تعريفُه:
لغة: هو اسم فاعل مشتق من المتواتر أي التتابع، تقول تواتر المطر أي تتابع نزوله.
اصطلاحا: ما رواه عدد كثير تُحيلُ العادةُ تواطؤهم على الكذب.
وقال السيوطي رحمه الله [7] :
"وهو ما نقلهُ من يحصل العلم بصدقهم ضرورة بأن يَكُونُوا جمعًا لا يُمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أوَّله أي الإسْنَاد إلى آخره ، ولذلكَ يجب العمل به من غير بَحْث عن رِجَاله"
ومعنى التعريف: أي هو الحديث أو الخبر الذي يرويه في كل طبقة من طبقات سنده رواة كثيرون يحكم العقل عادة باستحالة أن يكون أولئك الرواة قد اتفقوا على اختلاق هذا الخبر.
2-شروطُه:
يتبين من شرح التعريف أن التواتر لا يتحقق في الخبر إلا بشروط أربعة وهي:
أن يرويه عدد كثير [8] .
قال القاضي الباقلاني: ولا يكفي الأربعة, وما فوقها صالح, وتوقَّف في الخمسة.
وقال الاصطخري: أقله عشرة, وهو المُخْتار, لأنَّه أوَّل جموع الكَثْرة.
وقيلَ: اثنا عشر عدَّة نُقباء بنى إسرائيل. وقيلَ: عشرُون. وقيلَ: أربَعُون.
وقيلَ: سبعون عدَّة أصحاب موسى عليه الصَّلاة والسَّلام.
وقيلَ: ثلاث مئة وبضعة عشر, عدَّة أصحاب طالوت وأهل بدر, لأنَّ كل ما ذكر من العدد المذكور أفاد العلم. [9]
أن توجد هذه الكثرة في جميع طبقات السند.
أن تٌحيلَ العادة تواطؤهم على الكذب ، وذلك كأن يكونوا من بلاده مختلفة. وأجناس مختلفة. ومذاهب مختلفة وما شابه ذلك. وبناء على ذلك فقد يكثر عدد المخبرين ولا يثبت للخبر حكم المتواتر. وقد يقل العدد نسبيًا ويثبت للخبر حكم المتواتر . وذلك حسب أحوال الرواة..
أن يكون مٌسْتَنَد خبرهم الحس ،كقولهم سمعنا أو رأينا أو لمسنا أو أما إن كان مستند خبرهم العقل. كالقول بحدوث العالم مثلا . فلا يسمى الخبر حينئذ متواترًا .
رأي العلامة ابن حزم رحمه الله بعدد التواتر [10] :
قال رحمه الله:
"لكلِّ من حدَّ في عدد نقلة خبر التواتر حدا لا يكون أقلَّ منه يوجبُ تيقن صدقه ضرورة من سبعين أو عشرين، أو عدد لا نحصيهم، وإن كان في ذاته محصي ذاعدد محدود، أو أهل المشرق والمغرب، ولا سبيل إلى لقائه ولا لقاء أحد لهم كلهم ولا بد له من الاقتصار على بعضهم دون بعض بالضرورة، ولا بد من أن يكون لذلك التواتر الذي يدَّعونه في ذاته عدد إن نقص منه واحد لم يكن متواترا، وإلا فقد ادَّعوا ما لا يعرف أبدًا ولا يعقل."
فإذن لا بدَّ من تحديدِ عددٍ ضرورةً، فنقول لهم:
ما تقولون إن سقط من هذا الحدِّ الذي حددتم واحدٌ، أيبطلُ سقوط ذلك الواحد قبول ذلك الخبر أم لا يبطله ؟
فإن قال: يبطلُه، فتحكمٌ بلا برهانٍ، وكل قولٍ بمجرد الدعوى بلا برهان فهو مطروحٌ ساقطٌ، فإنْ قال بقبوله أسقطنا له آخر ثم آخر، حتى يبلغ إلى واحد فقط، وإن حدَّ عددا سئل عن الدليل على ذلك فلا سبيل له إليه البتة.
وأيضا فإنه ما في القول فرق بين ما نقله عشرون وبين ما نقله تسعة عشر، ولا بين ما نقله سبعون ولا ما نقله تسعة وستون، وليس ذكر هذه الاعداد في القرآن وفي القسامة وفي بعض الأحوال وفي بعض الأخبار بموجب ألا يقبل أقل منها في الأخبار، وقد ذكر تعالى في القرآن أعدادا غير هذه، فذكر تعالى الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة والمائة ألف وغير ذلك، ولا فرق بين ما تعلق بعدد منها وبين ما تعلق بعدد آخر منها، ولم يأت من هذه الأعداد في القرآن شئ في باب قبول الأخبار ولا في قيام حجَّة بهم، فصارفُ ذكرِها إلى ما لم يقصدْ بها مجرمٌ وقاحٌ محرِّفٌ للكلم عن مواضعه، وإن قالَ: لا يبطلُ قبول الخبر بسقوط واحد من العدد الذي حدَّ - كان قد ترك مذهبه الفاسد، ثم سألناه عن إسقاط آخر أيضا مما بقي من ذلك العدد، وهكذا حتى يبعد عما حد بعدا شديدا، فإن نظروا هذا بما يمكن حده من الأشياء كانوا مدَّعين بلا دليل، ومشبهين بلا برهان، وحكمُ كل شئ يجعله المرء دينا له أن ينظر في حدوده ويطلبها، إلا ما أصبح إجماعٌ أو نصٌّ أو أوجبت طبيعة ترك طلب حده، وقد قال بعضهم: لا يقبل من الأخبار إلا ما نقلته جماعة لا يحصرها العدد.
قال أبو محمد: وهذا قول من غمرهُ الجهل، لأنه ليس هذا موجدا في العالم أصلا، وكل ما فيه فقد حصره العدد وإن لم نعلمه نحن، وإحصاؤه ممكن لمن تكلف ذلك، فعلى هذا القول الفاسد قد سقط قبول جميع الأخبار جملة وسقط كون النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) في العالم وهذا كفر.
وأيضا فيلزم هؤلاء وكل من حد في عدد من لا تصح الأخبار بأقل من نقل ذلك العدد أمرٌ فظيعٌ يدفعه العقل ببديهته، وهو أن لا يصحَّ عندهم كل أمر يشهده أقل من العدد الذي حدوا، وألا يصح عندهم كل أمر حصره عدد من الناس، وكل أمر لم يحصره أهل المشرق والمغرب، فتبطل الأخبار كلها ضرورة على حكم هذه الأقوال الفاسدة، وهم يعرفون بضرورة حسِّهم صدقَ أخبار كثيرة من موت وولادة ونكاح وعزل وولاية واغتفال منزل، وخروج عدو شر واقع، وسائر عوارض العالم مما لا يشهده الا النفر اليسير، ومن خالف هذا فقد كابر عقله ولم يصح عنده شئ مما ذكرنا أبدا، لا سيما إن كان ساكنا في قرية ليس فيها إلا عدد يسير، مع أنه لا سبيل له إلى لقاء أهل المشرق والمغرب.
قال علي: فإن سألنا سائل، فقال: ما حدُّ الخبر الذي يوجب الضرورة ؟
فالجواب وبالله تعالى التوفيق أننا نقول:
إن الواحدَ من غير الانبياء المعصومين بالبراهين عليهم السلام - قد يجوز عليه تعمد الكذب، يعلمُ ذلك بضرورة الحسِّ، وقد يجوز على جماعة كثيرة أن يتواطؤوا على كذبة إذا اجتمعوا ورغبوا أو رهبوا.
ولكن ذلك لا يخفى من قبلهم، بل يعلم اتفاقهم على ذلك الكذب بخبرهم إذا تفرقوا لا بد من ذلك.
ولكنا نقول إذا جاء اثنان فأكثر من ذلك، وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا، ولا دسسا، ولا كانت لهما رغبة فيما أخبرا به، ولا رهبة منه، ولم يعلم أحدهما بالآخر، فحدث كل واحد منهما مفترقا عن صاحبه بحديث طويل لا يمكن أن يتفق خاطر اثنين على توليد مثله، وذكر كل واحد منهما مشاهدة أو لقاء لجماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلها بأنها شاهدت، فهو خبر صدق يضطر بلا شك من سمعه إلى تصديقه ويقطع على غيبه.
وهذا الذي قلنا يعلمه حسًّا من تدبره ورعاه فيما يرده كل يوم من أخبار زمانه من موت أو ولادة أو نكاح أو عزل أو ولاية أو وقعة وغير ذلك، وإنما خفي ما ذكرنا على من خفي عليه لقلة مراعاتهِ يمر به، ولو أنك تكلفُ إنسانا واحدا اختراع حديث طويل كاذب لقدر عليه، يعلم ذلك بضرورة المشاهدة، فلو أدخلت اثنين في بيتين لا يلتقيان، وكلفتَ كل واحد منهما توليد حديث كاذب لما جاز بوجه من الوجوه أن يتفقا فيه من أوله إلى آخره.
هذا ما لا سبيل إليه بوجه من الوجوه أصلًا، وقد يقع في الندرة التي لم نكد نشاهدها اتفاق الخواطر على الكلمات اليسيرة، والكلمتين نحو ذلك.
والذي شاهدنا اتفاق شاعرين في نصف بيت، شاهدنا ذلك مرتين من عمرنا فقط.
وأخبرني من لا أثق به: أن خاطره وافق خاطر شاعر آخر في بيت كامل واحد،
ولست أعلم ذلك صحيحا.
وأما الذي لا أشك فيه وهو ممتنع في العقل، فاتفاقهما في قصيدة بل في بيتين فصاعدا.
والشعر نوع من أنواع الكلام، ولكل كلام تأليف ما، والذي ذكره المتكلمون في الأشعار من الفصل الذي سموه المواردة، وذكروا أن خواطر شعراء اتفقت في عدة أبيات، فأحاديث مفتعلة لا تصح أصلا ولا تتصل.
وما هي إلا سراقات وغارات من بعض الشعراء على بعض.
قال علي: وقد يضطر خبر الواحد إلى العلم بصحته إلا أن اضطراره ليس بمطرد، ولا في وقت ولكن على قدر ما يتهيأُ.""
قلت:
وكلامه طيب في مناقشة الآراء الأخرى لولا ذلاقة لسانه ، ومعنى ذلك أن الحديث العزيز هو حديث متواترٌ حسب وجهة نظره ، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار الحديث المحتف بالقرائن وهو حديث آحاد بأنه يفيد العلم النظري ، فنجد أن لقول العلامة ابن حزم رحمه الله وجهًا قويًّا من المنطق والمعقولية .
ولكنْ هناك فرقٌ كبير بين أن يكون متواترًا بيقين يعلمه الخاص والعام ، وبين العلم النظري لدى الباحث في السنَّة النبوية .
والذي يرجح عندي أن الحديث متى ما روي من طرق أربعة صحيحة فما فوق ينبغي أن يكون متواترًا ، وهو الذي يقابل المشهور في اصطلاح الحنفية ، وذلك لأن أقصى شهادة على حكم شرعي - غير القسامة - هو أربعة على زنا المحصن . والله أعلم
ـــــــــــــــ
(1) - انظر:تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 5) و تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 9)
(2) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 28) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 4) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 3 / ص 6)
(3) - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول - (ج 1 / ص 68) ومذكرة أصول الفقه - (ج 1 / ص 39 ) والأصول من علم الأصول - الرقمية - (ج 1 / ص 57) وبحوث في علم أصول الفقه - (ج 1 / ص 54) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 3) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 83) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 156)
(4) - ندوة علوم الحديث علوم وآفاق - (ج 9 / ص 7)
(5) - انظر تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 10)
(6) - شرح الورقات في أصول الفقه - (ج 4 / ص 36) والبرهان في أصول الفقه - الرقمية - (ج 1 / ص 216) والمسودة - الرقمية - (ج 1 / ص 233) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 108) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 180) وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول - (ج 1 / ص 98)
(7) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 74)
(8) - انظر المنهج المقترح لفهم المصطلح - (ج 1 / ص 83)
(9) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 74)
(10) - الأحكام لابن حزم - (ج 1 / ص 95)