عبارة إنما يتبادر من لفظها أنها جرح ، مع أنها قد تطلق على راو صالح الأمر يعتبر بحديثه في المتابعات والشواهد ، ولا يحتج به .
وهي جرح مبهم ، فإذا لم يوجد تفسير مؤثر لسببها ، فالأصل: أن لا عبرة بها إذا عارضت التعديل من أهله ، إلا مراعاة معنى استثنائي يأتي التنبيه عليه .
قال الضياء المقدسي في ( شريح بن النعمان الصائدي ) بعد أن ذكر قول أبي إسحاق السبيعي فيه:"وكان رجل صدق":"وقال أبو حاتم: لا يحتج به ، وكذا عادة أبي حاتم يقول في غير واحد ممن روى له أصحاب الصحيح: لا يحتج به ، ولا يبين الجرح ، فلا نقبل إلا ببيان الجرح" [1] .
وكذلك قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي رادًا قول أبي حاتم في ( بهز بن حكيم) :"وقول أبي حاتم: لا يحتج به ، لا ينبغي أن يقبل منه إلا بحجة" [2] .
كما قال ردًا لقول أبي حاتم في ( أيوب أبي العلاء ) :"وقول أبي حاتم فيه: لا يحتج به ، لا يلتفت إليه إذا لم يفسره ، كسائر الجرح المجمل" [3] .
قلت: لكن بيَّن أبو حاتم مراده باستعمال هذه العبارة ، بما يزيح عنه بعض الإجمال ، فإنه قال:"إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي ، هو وحصين بن عبد الرحمن ، وعطاء بن السائب ، قريب بعضهم من بعض ، محلهم عندنا الصدق ، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم"، قال ابنه عبد الرحمن: قلت لأبي: ما معنى: لا يحتج بحديثهم ؟ قال:"كانوا قومًا لا يحفظون ، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون ، ترى في حديثهم اضطرابًا ما شئت" [4] .
قلت: فهذا البيان يورد شبهة في حديث من وصف بها ، فإن عارضها التعديل ، فمع قولنا: ( هي جرح مجمل ) ، إلا هذا البيان من أبي حاتم يوجب تحوطًا في الاحتجاج بحديث من وصف بها حتى تزول الشبهة ، وذلك يتحقق بسلامة حديث المعين من الخطأ ، شأن ما يشترط لقبول حديث ( الصدوق ) ، أو بتفرده بإطلاقها دون سائر النقاد ، وقد عرف بالتشدد .
وفي معناها قولهم في الراوي: ( ليس بحجة ) .
ـــــــــــــــ
(1) - الأحاديث المختارة ( 2 / 114 ) .
(2) - بيان الوهم والإيهام ( 5 / 566 ) .
(3) - بيان الوهم والإيهام ( 5 / 402 ) .
(4) - الجرح والتعديل ( 1 / 1 / 133 ) .