فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 522

عرّفنا فيما سبق بالسنة وأبنا عن أهميتها ووجه الحاجة إليها، وفي هذا المبحث نتحدث عن شرف أهل الحديث وخدمة السنة المطهرة، يدفعنا إلى إبراز ذلك أمور:

أولها: ما نلمحه بين الفينة والفينة من إحياء لفكر الفرق الضالة ، الذين طعنوا بالصحابة رضي الله عنهم ، ورموهم بحمل الكذب ورواية المتناقص، وأسهبوا في ذمهم ، وبالغوا في انتقاصهم، الأمر الذي يدعونا إلى إنصاف المحدثين ، والانتصار لهم ببيان شرفهم وعلو قدرهم ورفعة منزلهم وإبراز جهودهم عبر العصور المختلفة في خدمة السنة النبوية والذب عنها .

ثانيها: تهيئة القارئ لما سيهوله فيما بعد من جهد مضن قد بلغ بأصحابه مبلغا بوأهم الصدارة فبارزوا أقرانهم من أرباب العلوم الأخرى شرفا وسموًّا .

وإذا كان الأمر كذلك فأقول وبالله تعالى التوفيق:

شرف العلم من شرف المعلوم , وكذا يتشرف العالمون به ، فلما كان المعلوم أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته، فإن العلم بها يسمو بأهله، فينالون من الشرف أعظمه، ومن العزة أعلاها، وقد دل على ذلك أحاديث وآثار، وأقوال للعلماء وأخبار، إليك طرفا منها:

1-روى الترمذي بسنده عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ » [1] .

قال المباركفوري: (وَخَصَّ مُبَلِّغَ الْحَدِيثِ كَمَا سَمِعَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ سَعَى فِي نَضَارَةِ الْعِلْمِ وَتَجْدِيدِ السُّنَّةِ فَجَازَاهُ بِالدُّعَاءِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْحَدِيثِ وَفَضْلِهِ وَدَرَجَةِ طُلَّابِهِ حَيْثُ خَصَّهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِدُعَاءٍ لَمْ يُشْرِكْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ وَتَبْلِيغِهِ فَائِدَةٌ سِوَى أَنْ يَسْتَفِيدَ بَرَكَةَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ لَكَفَى ذَلِكَ فَائِدَةً وَغُنْمًا وَجَلَّ فِي الدَّارَيْنِ حَظًّا وَقَسَمًا .) [2] .

وقال أبو بكر بن العربي: (قال علماء الحديث ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهة نضرة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:(نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) الحديث. قال: وهذا دعاء منه عليه السلام لحملة علمه، ولابد بفضل الله من نيل بركته ) [3] .

وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله [4] :

أهل الحديث عصابة الحقّ ... فازوا بدعوة سيّد الخلق

فوجوههم زهرٌ منضّرةٌ لألاؤها كتألّق البرق

يا ليتني معهم فيدركني ... ما أدركوه بها من السّبق

2-روى الطبراني في الشاميين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ , يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ , وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ , وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ) [5] .

وفي هذا الحديث تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدِّثين وعلو مرتبتهم في العالمين ، لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها .

قال الإمام النووي رحمه الله: (هذا إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وإن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئًا من علم الحديث، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه) [6] .

وقال الحاكم: (لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد) [7] .

3-روى الترمذي بسنده ُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أَوْلَى النَّاسِ بِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَىَّ صَلاَةً » . [8] .

وقال المباركفوري [9] :

"لِأَنَّ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ مُنْبِئَةٌ عَنْ التَّعْظِيمِ الْمُقْتَضِي لِلْمُتَابَعَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْمَحَبَّةِ الْكَامِلَةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (31) سورة آل عمران."

وقال أبو اليمن بن عساكر: ( ليهن أهل الحديث هذه البشرى، فقد أتم الله نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنهم يخلِّدون ذكره في دروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات، في مجالس مذاكراتهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية، جعلنا الله منهم وحشرتنا في زمرتهم) [10] .

4-روى الترمذي بسنده عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلاَ خَيْرَ فِيكُمْ لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى مَنْصُورِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ » قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ عَلِىُّ بْنُ الْمَدِينِىِّ هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. [11] ..

وقال الإمام أحمد لما سئل عن الطائفة المنصورة المذكورة في الحديث: (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث، فلا أدري من هم) .

قال الحاكم معقبًا: (فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر، أن الطائفة المنصورة التي يدفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين ، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودفعوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله أجمعين) [12] .

لقد تشرف أصحاب الحديث، وهم نقلته ورواته، بنقله وروايته، ولم يكتفوا بل محَّصوا صحيحه من سقيمه، فعرفوا مرفوعه من موقوفه، وموصوله من مقطوعه، فأظهروا للصحيح حجته، وأبانوا للضعيف علته ، فوضعوا أسسا لعلومه، حددت الخبر من حقيره وعظيمه، فاشترطوا لذلك الأسانيد، وشدوا الرحال، ويمموا صوب المشرق والمغرب طلبا للعلو، وميلا للسماع، ودرءا للتدليس،وقطعًا للوهم،ونقبوا في عدالة الرواة، وغاية جهدهم الذبُّ عن سنة نبيهم، فقعَّدوا لذلك القواعد وأصلوا الأصول، فكان ما أنتجته قرائح عقولهم ضربا من الإبداع لم يسبقوا إليه في تاريخ الملل منذ غور الزمان حتى يومنا هذا . ومن كان ذلك شأنه فهو حسبه.

روى القاضي عياض بسنده إلى الأعمش أنه قال: (لا أعلم قوما أفضل من قوم يطلبون هذا الحديث، ويحيون هذه السنة ، وكم أنتم في الناس؟ والله لأنتم أقل من الذهب ) [13] .

وقال الإمام النووي:(... ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات أعني معرفة متونها؛ صحيحها وحسنها، وضعيفها ومتصلها, ومرسلها ومنقطعها, ومعضلها ومقلوبها, ومشهورها وغريبها, وعزيزها ومتواترها, وآحادها وأفرادها، معروفها وشاذها, ومنكرها ومعللها , وموضوعها ومدرجها, وناسخها ومنسوخها, وخاصها وعامها, ومجملها ومبينها, ومختلفها وغير ذلك من أنواعها المعروفات .

ودليل ما ذكرته: أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات، وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهية، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات، وبيانها في السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات، فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات، وأفضل أنواع الخير، وآكد القربات، وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل على ما ذكرناه على بيان حال أفضل المخلوقات) [14] .

وقال الخطيب البغدادي: (ولولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معادنها، والنظر في طرقها لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة، فمن عرف للإسلام حقه، وأوجب للدين حرمته، أكبر أن يحتقر من عظم الله شأنه، وأعلى مكانه، وأظهر حجته، وأبان فضيلته، ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول وأتباع الوحي وأوعية الدين، وخزنة العلم، الذين ذكرهم الله في كتابه فقال:(وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [ التوبة/100] . وكفى المحدث شرفا أن يكون اسمه مقرونًا باسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكره متصلًا بذكره (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) [ الحديد/21] والواجب على من خصَّه الله بهذه الرتبة، وبلغه هذه المنزلة، أن يبذل مجهوده في تتبع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه، وطلبها من مظانها، وحملها عن أهلها، والتفقه بها ، والنظر في أحكامها، والبحث عن معانيها، والتأدب بآدابها، ويصدف - يعرض - عما يقل نفعه وتبعد فائدته، من طلب الشواذ والمنكرات، وتتبع الأباطيل والموضوعات، ويؤتي الحديث حقه من الدراسة والحفظ ، والتهذيب والضبط ويتميز بما تقتضيه حاله ويعود عليه زينه وجماله...) [15] .

وقال صديق حسن خان: (فهي - أي علوم الأحاديث - مصابيح الدجى، ومعالم الهدى، وبمنزلة البدر المنير ، من انقاد لها فقد رشد واهتدى، وأوتي الخير الكثير، ومن أعرض عنها وتولى فقد غوى وهوى وما زاد نفسه إلا التخسير ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - نهى وأمر، وأنذر وبشر ، وضرب الأمثال وذكر، وإنها لمثل القرآن، بل هي أكثر- يعني في تفصيل ما تقدم بيانه - وقد ارتبط بها اتباعه - صلى الله عليه وسلم - الذي هو ملاك سعادة الدارين، والحياة الأبدية بلا مين.

كيف ؟ وما الحق إلا فيما قاله - صلى الله عليه وسلم - أو عمل به، أو قرره، أو أشار إليه،أو تفكر فيه ، أو خطر بباله، أو هجس في خلده واستقام عليه، فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب، والعمل العمل بهما في كل إياب وذهاب، ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء، ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء و (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) [ الحديد/21] . فياله من علم سيط بدمه الحق والهدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى.

وقد كان الإمام محمد بن علي بن حسين رضي الله عنه يقول: (إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث) . ولقد صدق فإنه لو تأمل المتأمل بالنظر العميق والفكر الدقيق، لعلم أن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة. وهذا علم تعطي مزاولته صاحب هذا العلم معنى الصحابية، لأنها في الحقيقة هي الإطلاع على جزئيات أحواله - صلى الله عليه وسلم - ، ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول،ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان، وإليه أشار القائل بقوله:

أهل الحديث همُ أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

ويروى عن بعض العلماء أنه قال: أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فالحاصلُ أن أهل الحديث كثَّر الله تعالى سوادهم ورفع عمادهم، لهم نسبةٌ خاصة ومعرفة مخصوصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين، فضلا عن الناس أجمعين، لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا، وأحواله الكريمة، وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم، وخيال وجهه الوسيم، ونور حديثه المستبين يتردد في حلق وسط جنانهم ، فعلاقة باطنهم بباطنه العلى متصلة ، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقى مسلسلة، وقال الله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) [ الأسراء /71] قال بعض السلف: (هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث، لأن إمامهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ) [16] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ يُشَارِكُونَ كُلَّ طَائِفَةٍ فِيمَا يَتَحَلَّوْنَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَمْتَازُونَ عَنْهُمْ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ . فَإِنَّ الْمُنَازِعَ لَهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ فِيمَا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ طَرِيقًا أُخْرَى ؛ مِثْلَ الْمَعْقُولِ وَالْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَالْكَلَامِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْمُحَاجَّةِ وَالْمُجَادَلَةِ وَالْمُكَاشَفَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَالْوَجْدِ وَالذَّوْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَكُلُّ هَذِهِ الطُّرُقِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ صَفْوَتُهَا وَخُلَاصَتُهَا: فَهُمْ أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا ؛ وَأَعْدَلُهُمْ قِيَاسًا وَأَصْوَبُهُمْ رَأْيًا وَأَسَدُّهُمْ كَلَامًا وَأَصَحُّهُمْ نَظَرًا وَأَهْدَاهُمْ اسْتِدْلَالًا وَأَقْوَمُهُمْ جَدَلًا وَأَتَمُّهُمْ فِرَاسَةً وَأَصْدَقُهُمْ إلْهَامًا وَأَحَدُّهُمْ بَصَرًا وَمُكَاشَفَةً وَأَصْوَبُهُمْ سَمْعًا وَمُخَاطَبَةً وَأَعْظَمُهُمْ وَأَحْسَنُهُمْ وَجْدًا وَذَوْقًا .وَهَذَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأُمَمِ وَلِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْمِلَلِ) [17] .

هم أمة واحدة، ونسيج واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، مهما نأت بهم البلاد، وتباعدت الأقطار ، يجرون على طريقة واحدة لا يحيدون ولا يميلون ، حتى قال أبو المظفر: لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم نقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا ؟ [18] .

ولعلنا بعد هذا نعلم أن شرف أصحاب الحديث مردُّه الأمور الآتيات:

1-اعتبار الحديث مصدرًا شرعيًا، ومن ثم ارتباط أصحاب الحديث بالأحكام الشرعية، وهذه الأصل فيها الصحة،ولا يتأتي ذلك إلا من قبل جهابذه هذا العلم الشريف.

2-معرفة ناسخ الحديث من منسوخة وهذه الأصل فيها أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ، أي أن يكون الدليل الدال على ارتفاع الحكم الشرعي متراخيا عن الخطاب المنسوخ حكمه، وإذ لم يع المحدِّث أي الخبرين متقدم عن الآخر فمن غيره يجرؤ على ذلك.

3-اكتساب أهل الحديث معنى (الصحابية) لأنها في الحقيقة الإطلاع على جزئيات أحواله - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وقد أشار إلى ذلك القائل:

أهل الحديث همُ أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

4-ولعل أصحاب الحديث هم أولى الناس بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إن شاء الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةً.) ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، إِذْ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ أَكْثَرَ صَلاَةٍ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُمْ.. [19] .

5-وكون أصحاب الحديث أول سلسلة آخرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فذلك غاية الشرف ومنتهاه ، فأئمة الحديث جعل الله غذاءهم ولذتهم قراءة الحديث وكتابته، ودراسته وروايته ، ورزقهم حفظا يبهر العقول، ويكاد ألا يصدقه من يسمع ما حكي عنهم في ذلك من المنقول. حفظ الله تعالى بهم السنة، وبهم يتم الله على عباده كل منة، وفي مثلهم يقال:

إن علم الحديث علم رجال تركوا الابتداع للاتباع

فإذا جنَّ الليل كتبوه وإذا أصبحوا غدوا للسماع [20]

ولعل بعد هذا الكلام يتهيأ القارئ-كما قلنا سابقا -لما سيهوله فيما بعد من جهد مضن قد بلغ بأصحابه مبلغًا بوأهم الصدارة فبزوا أقرانهم من أرباب العلوم الأخرى شرفا وسموا.

ـــــــــــــــ

(1) - سنن الترمذى (2869) و قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وهو كما قال

(2) - تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 457) ومقدمة تحفة الأحوذى ص 13.

(3) - مقدمة تحفة الأحوذى ص 13.

(4) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 2 / ص 36)

(5) - مسند الشاميين (599) وعدي 1/152 و153 و3/904 وبداية 10/337 وعقيلي 1/9 و10 و4/256 (12و13 و2044 ) وشرف 14و 52 و 53 و 55 و 56 (10 و46 - 51) ومشكل الآثار للطحاوي (3269) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (694 ) والإبانة الكبرى لابن بطة (34 ) والبدع لابن وضاح ( 1) والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (135) وفوائد تمام (831) وهو حسن لغيره على الأقل

(6) - الحطة في ذكر الصحاح الستة ص 39.

(7) - الحطة ص 39، مقدمة تحفة الأحوذي ص 15.

(8) - سنن الترمذى (486 ) والفتح 11/167 حديث حسن لغيره

(9) - تحفة الأحوذي - (ج 2 / ص 20)

(10) - مقدمة تحفة الأحوذي ص 12-13.

(11) - سنن الترمذى (2351 ) صحيح

(12) - معرفة علوم الحديث للحاكم ص 107-108.

(13) - الإلماع للقاضي عياض ص 27. و الحد الفاصل - (ج 1 / ص 177)

(14) - مقدمة شرح النووي على مسلم ص 113-114 وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 8)

(15) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 5) و الكفاية للخطيب البغدادي (1/ 51-52) .

(16) - الحطة ص 36-37 ، مقدمة تحفة الأحوذي ص 11-12و قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 10)

(17) - مجموع الفتاوى - (ج 4 / ص 9) ونقض المنطق ص 827.

(18) - صون المنطق ص 167.

(19) - تحفة الأحوذي - (ج 2 / ص 20) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 11) وصحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 192)

(20) - إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد للصنعاني. ضمن مجموعة الرسائل المنيرية 1/9.وانظر: ضوابط الرواية عند المحدثين ص 21-23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت