الأدلةُ ومناقشتُها
أمَّا الرأي الأول فيرى بعض العلماء [1] أنه أسلمُ المذاهب،"ولدينا مما صح في الفضائل والترغيب والترهيب من جوامع كلم المصطفى ثروة يعجز البيان عن وصفها،وهي تغنينا عن رواية الأحاديث الضعيفة في هذا الباب،وبخاصة أن الفضائل ومكارم الأخلاق من دعائم الدين ولا فرق بينها وبين الأحكام من حيث ثبوتها بالحديث الصحيح أو الحسن،فمنَ الواجب أن يكون مصدرها جميعا الأخبار المقبولة ."
قلتُ: مع تسليمنا بصحة هذا القول إلا أنه لا يدلُّ على منع العمل بالحديث الضعيف وإنما يحتاط في ذلك،وهذا ليس بكاف لردِّ العمل بالحديث الضعيف وإذا جوَّزنا العمل بالضعيف فلا يعني هذا أنه على حساب الصحيحِ والحسن مطلقًا.
ومما يعترضُ به على هذا الرأي أنه لا يصحُّ هذا القولُ عن أحد من الأئمة المتقدمين- بما فيهم الإمام البخاري- بل الذي ثبت عنهم عكسه،فقد احتجَّ البخاري في صحيحه بالضعيف في الأحكام الشرعية وبالفضائل في تراجم الأبواب،وفي الأدب المفرد وغيره من كتبه،وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن بعض الضعفاء،وهناك أقوال متعددة للإمام ابن حزم الأندلسي وسيرد بعضها.
بل نلاحظ أن جميع الفقهاء يحتجون في كتبهم الفقهية بالأحاديث الضعيفة،بل والمنكرة أحيانا،ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب نصب الراية للزيلعي والتلخيص الحبير للحافظ ابن حجر وغيرهما من كتب التخريج.
والأهمُّ من ذلك أن كثيرا من الأحاديث الضعيفة سابقًا وجدنا لها ما يقويها ويرفعها إلى مرتبة المقبول الحسن أو الصحيح،ذلك لأن السُّنَّة النبوية لم تجمع جمعًا تامًا من قبل،فقد يضعِّفُ المحدِّثُ حديثًا لضعفٍ في سنده،وليس بالضرورة أن يكون متنه ضعيفًا.
كما أن الحديث الضعيف - ضعفًا يسيرًا- رجح عندنا عدم صحته،وقد لا يكون الأمر كذلك .
وكذلك يعترض على هذا القول في باب الجرح والتعديل،فعندنا مذاهب متعددة في الجرح والتعديل،منها المتشدد ومنها المعتدل،ومنها المتساهل،فبأيها نأخذ ؟
فلو أخذنا بكلام المتشددين (كابن الجوزي في كتابه الموضوعات،أو الشيخ ناصر الدين الألباني في ضعيف الجامع والضعيفة ونحوهما فقد ضعف آلاف الأحاديث الثابتة ) لرددنا كثيرا من السُّنَّة النبوية،بما فيها الأحاديث التي في الصحيحين،ولو أخذنا برأي المتساهلين ( أمثال السيوطي في كثير من كتبه وتصحيحاته ) لنسبنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله.
ولو أخذنا برأي المعتدلين في الجرح والتعديل - وهو الذي جرى عليه العمل في التاريخ الإسلامي - لهان الخطبُ كثيرا،ولوجدنا أن الخلاف بينهما صار يسيرًا - أعني بين المانعين والمجيزين- .
وقال بعضُهم: إنَّ العمل بالضعيف في الفضائل اختراعُ عبادةٍ وتشريعٌ في الدِّين لما لم يأذنْ به الله تعالى !!!.
وردَّ هذا القول كذلك بأن هذا الاستحبابَ معلومٌ من القواعد الشرعية الدالةِ على استحباب الاحتياط في أمر الدين،والعملُ بالحديث الضعيف من هذا القبيل،فليس ثمة إثباتُ شيء من الشرع بالحديثِ الضعيف،فأصلُ المشروعية ثابتٌ بالأصلِ الشرعيِّ العام،وجاء هذا الخبرُ الضعيفُ موافقًا له .
ـــــــــــــــ
(1) - مثل: د- محمد عجاج الخطيب في كتابه أصول الحديث ص 352 ط دار الفكر