حكمُ الحديث الضعيف
إذا تلقته الأمة بالقبول،وعملوا به،وأجمعوا عليه
اتفق العلماء على العمل بالحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول،ولا نعلم مخالفًا لهم في ذلك .
قال الخطيب البغدادي:"وَأَمَّا خَبَرُ الْآحَادِ فَهُوَ مَا قَصَرَ عَنْ صِفَةِ التَّوَاتُرِ , وَلَمْ يَقَعْ بِهِ الْعِلْمُ وَإِنْ رَوَتْهُ الْجَمَاعَةُ . وَالْأَخْبَارُ كُلُّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ فَضَرْبٌ مِنهَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ , وَضَرْبٌ مِنهَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ , وَضَرْبٌ مِنهَا لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ."
أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ , وَهُوَ مَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ , فَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ حَتَّى يَقَعَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَدُلُّ الْعُقُولُ عَلَى مُوجَبِهِ , كَالْإِخْبَارِ عَنْ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ , وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ , وَصِحَّةِ الْأَعْلَامِ الَّتِي أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ , وَنَظَائِرِ ذَلِكَ , مِمَّا أَدِلَّةُ الْعُقُولِ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ , وَقَدْ يُسْتَدَلُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّتِهِ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَمَرٍ اقْتَضَاهُ نَصُّ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّة الْمُتَوَاتِرَةِ , أَوِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَصْدِيقِهِ , أَوْ تَلَقَّتْهُ الْكَافَّةُ بِالْقَبُولِ , وَعَمِلَتْ بِمُوجَبِهِ لِأَجْلِهِ" [1] "
وهذه بعضُ الأمثلة:
حديثُ"لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" [2] ،قال الإمام الشافعي [3] :"أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ يَعْنِي فِي حَدِيثِ { لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } ."
قَالَ:الشَّافِعِيُّ: وَرَأَيْتُ مُتَظَاهِرًا عِنْدَ عَامَّةِ مَنْ لَقِيت مِن أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:فِي خُطْبَتِهِ عَامَ الْفَتْحِ { لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } , وَلَمْ أَرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ اخْتِلاَفًا" [4] ."
وقال في الرسالة:"قال الله - تبارك وتعالى:"كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180 ) [البقرة/180]
وقال الله: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (240 ) سورة البقرة
فأنزل الله ميراثَ الوالِدَيْن ومن ورث بعدَهما ومَعَهما من الأقْرَبِين وميراثَ الزوج من زوجته والزوجةِ من زوجها،فكانت الآيتان محتملتين لأن تُثْبِتا الوصيةَ للوالدَيْن والأقربين والوصيَّةَ للزوج والميراثَ مع الوصايا فيأخذون بالميراث والوصايا ومحتملةً بأن تكون المواريث ناسخةً للوَصَايَا،فلَمَّا احتملتِ الآيتان ما وصفنا كان على أهل العلم طَلَبُ الدِّلالة من كتاب الله فما لم يجدوه نصًا في كتاب الله طَلَبُوه في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن وَجَدوه فما قَبِلُوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَعَنِ اللهِ قَبِلُوهُ بما افْتَرَضَ مِن طاعته .
ووَجدْنا أهلَ الفُتْيَا ومَنْ حَفِظْنَا عنه مِن أهل العلم بالمَغَازِي مِن قُريش وغيرهمْ: لا يختلفون في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عامَ الفَتْحِ:"لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ"ويَأْثُرُونه عَنْ مَنْ حَفظوا عنه مِمَّنْ لَقُوا منْ أهل العلم بالمغازي،فكان هذا نَقْلَ عامَّةٍ عنْ عامَّة وكان أقوى في بعض الأمْرِ من نقْلِ واحد عن واحدٍ وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مُجتمعين.
قال: ورَوَى بعضُ الشَّامِيِّين حديثًا ليس مما يُثْبِتُه أهل الحديث فيه: أنَّ بعضَ رِجاله مجهولون فَرَوَيْناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منقطِعًا وإنما قَبِلْنَاه بما وَصَفْتُ من نقْل أهل المغازي وإجماع العامة عليه وإن كُنَّا قد ذكرنا الحديث فيه واعتمدنا على حديثِ أهل المغازي عامًّا وإجماع الناس .
أخْبَرنا"سفيان"عن"سليمان الأحْوَل"عن"مجاهد"أنَّ رسولَ الله قال:"لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"فاستدللنا بما وصفتُ من نقْلِ عامَّة أهل المغازي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن:"لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"على أنَّ المواريث ناسخةٌ للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المُنْقَطع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإجماعِ العامَّة على القول به." [5] ."
قلتُ: لكنَّ هذا الحديث لم يصلْه من طريق صحيح،وإنما أخذ برواية أهل المغازي،وإجماعِ العلماء على مقتضى الحديث،مع أن الحديث ورد من طرق أخرى موصولة،لكنْ بعد الإمام الشافعي،أو لم يطلع عليها.
وحديث: « إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ إِلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ » [6] .
قال الإمام الشافعي في اختلاف الحديث [7] :"وَإِذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ بِمُحَرَّمٍ يُخَالِطُهُ لَمْ يَطْهُرِ الْمَاءُ أَبَدًا حَتَّى يُنْزَحَ،أَوْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ،حَتَّى يَذْهَبَ مِنهُ طَعْمُ الْمُحَرَّمِ وَلَوْنُهُ وَرِيحُهُ،فَإِذَا ذَهَبَ فَعَادَ بِحَالِهِ الَّتِي جَعَلَهُ اللَّهُ بِهَا طَهُورًا،ذَهَبَتْ نَجَاسَتُهُ،وَمَا قُلْتَ مِن أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ رِيحُهُ أَوْ لَوْنُهُ كَانَ نَجِسًا،يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن وَجْهٍ لَا يُثْبِتُ مِثْلَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ،وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ،لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا" [8]
وحديث"لا زكاةَ في الذهب حتى يبلغ عشرين دينارًا"
قال أبو عمر ابن عبد البر [9] :"لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في زكاة الذهب شيء من جهة نقل الآحاد العدول الثقات الأثبات،وقد روى الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي ( رضي الله عنه ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال هاتوا زكاة الذهب من كل عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ، [10] كذلك رواه أبو حنيفة فيما زعموا ولم يصح عنه ولو صح لم يكن فيه عند أهل العلم بالحديث أيضا حجَّة،والحسن بن عمارة متروك الحديث أجمعوا على ترك حديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه،رواه عن الحسن بن عمارة عبد الرزاق . [11] "
وأجمع العلماء على أن الذهب إذا بلغ أربعين مثقالا فالزكاة فيه واجبة بمرور الحول،ربع عشره وذلك دينار واحد.
وأجمعوا أنه ليس فما دون عشرين دينارا زكاة ما لم تبلغ قيمتها مائتي درهم . [12]
وكذلك حديثُ معاذ بن جبل رضي الله عنه،فعَنْ أُنَاسٍ مِن أَهْلِ حِمْصٍ،مِن أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ،أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:"كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ؟"،قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ،قَالَ:"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟"،قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟"قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي،وَلَا آلُو فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدْرَهُ،وَقَالَ:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ،رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ". [13]
وقال الخطيب البغدادي عقب روايته له:"فَإِنِ اعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ بِأَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْخَبَرُ , لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ أُنَاسٍ مِن أَهْلِ حِمْصٍ لَمْ يُسَمَّوْا فَهُمْ مَجَاهِيلٌ ."
فَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ أُنَاسٍ مِن أَهْلِ حِمْصٍ مِن أَصْحَابِ مُعَاذٍ , يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْحَدِيثِ , وَكَثْرَةِ رُوَاتِهِ , وَقَدْ عُرِفَ فَضْلُ مُعَاذٍ وَزُهْدُهُ , وَالظَّاهِرُ مِن حَالِ أَصْحَابِهِ الدِّينُ وَالثِّقَةُ وَالزُّهْدُ وَالصَّلَاحُ , وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ , عَنْ مُعَاذٍ , وَهَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ , وَرِجَالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ , عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ تَقَبَّلُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ , فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ كَمَا وَقَفْنَا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ [14] , وَقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ: هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ [15] , وَقَوْلِهِ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا الْبَيْعَ , وَقَوْلِهِ: الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ , وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ مِن جِهَةِ الْإِسْنَادِ , لَكِنْ لَمَّا تَلَقَّتْهَا الْكَافَّةُ عَنِ الْكَافَّةِ غَنَوْا بِصِحَّتِهَا عِنْدَهُمْ عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهَا [16] , فَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ , لَمَّا احْتَجُّوا بِهِ جَمِيعًا غَنَوْا عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهُ فَإِنْ قَالَ: هَذَا مِن أَخْبَارِ الْآحَادِ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا أَشْهُرُ وَأَثْبَتُ مِن قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ , فَإِذَا احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ , كَانَ هَذَا أَوْلَى وَجَوَابٌ آخَرُ , وَهُوَ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ جَائِزٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَثْبِيتُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِثْلَ: تَحْلِيلٍ , وَتَحْرِيمٍ , وَإِيجَابٍ , وَإِسْقَاطٍ , وَتَصْحِيحٍ , وَإِبْطَالٍ , وَإِقَامَةِ حَدٍّ بِضَرْبٍ , وَقَطْعٍ , وَقَتْلٍ , وَاسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَكَانَ الْقِيَاسُ أَوْلَى , لِأَنَّ الْقِيَاسَ طَرِيقٌ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ , وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ دُونَ الطَّرِيقِ وَهَذَا وَاضِحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ" [17] ."
وقال الجصاص عقب روايته له:"فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا رَوَاهُ عَنْ قَوْمٍ مَجْهُولِينَ مِن أَصْحَابِ مُعَاذٍ ،قِيلَ لَهُ: لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ،لِأَنَّ إضَافَتَهُ ذَلِكَ إلَى رِجَالٍ مِن أَصْحَابِ مُعَاذٍ تُوجِبُ تَأْكِيدَهُ،لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ أَنَّهُمْ مِن أَصْحَابِهِ،إلَّا وَهُمْ ثِقَاتٌ مَقْبُولُو الرِّوَايَةِ عَنْهُ."
وَمِن جِهَةٍ أُخْرَى إنَّ هَذَا الْخَبَرَ قَدْ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ،وَاسْتَفَاضَ،وَاشْتَهَرَ عِنْدَهُمْ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ مِن أَحَدٍ مِنهُمْ عَلَى رُوَاتِهِ،وَلَا رَدٍّ لَهُ ،وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ أَنْ يَصِيرَ مُرْسَلًا،وَالْمُرْسَلُ عِنْدَنَا مَقْبُولٌ" [18] ."
وقال الإمام الغزالي:"وَهَذَا حَدِيثٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ،وَلَمْ يُظْهِرْ أَحَدٌ فِيهِ طَعْنًا،وَإِنْكَارًا،وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ كَوْنُهُ مُرْسَلًا بَلْ لَا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ إسْنَادِهِ" [19]
وقال ابن القيم عقبه:"فَهَذَا حَدِيثٌ وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ مُسَمَّيْنَ فَهُمْ أَصْحَابُ مُعَاذٍ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْحَدِيثِ وَأَنَّ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ جَمَاعَةٍ مِن أَصْحَابِ مُعَاذٍ لَا وَاحِدٍ مِنهُمْ،وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الشُّهْرَةِ مِن أَنْ يَكُونَ عَنْ وَاحِدٍ مِنهُمْ لَوْ سُمِّيَ،كَيْفَ وَشُهْرَةُ أَصْحَابِ مُعَاذٍ بِالْعِلْمِ وَالدَّيْنِ وَالْفَضْلِ وَالصِّدْقِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَخْفَى ؟"
وَلَا يُعْرَفُ فِي أَصْحَابِهِ مُتَّهَمٌ وَلَا كَذَّابٌ وَلَا مَجْرُوحٌ،بَلْ أَصْحَابُهُ مِن أَفَاضِلِ الْمُسْلِمِينَ وَخِيَارِهِمْ،لَا يَشُكُّ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ فِي ذَلِكَ،كَيْفَ وَشُعْبَةُ حَامِلُ لِوَاءِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟
وَقَدْ قَالَ:بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: إذَا رَأَيْتَ شُعْبَةَ فِي إسْنَادِ حَدِيثٍ فَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِهِ،قَالَ:أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذٍ،وَهَذَا إسْنَادٌ مُتَّصِلٌ،وَرِجَالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ،عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ نَقَلُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ،فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ،كَمَا وَقَفْنَا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } ،وَقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ {،هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } ،وَقَوْلِهِ: { إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا الْبَيْعَ } ،وَقَوْلِهِ: { الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ } ،وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ مِن جِهَةِ الْإِسْنَادِ،وَلَكِنْ لَمَّا تَلَقَّتْهَا الْكَافَّةُ عَنِ الْكَافَّةِ غَنُوا بِصِحَّتِهَا عِنْدَهُمْ عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهَا،فَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا احْتَجُّوا بِهِ جَمِيعًا غَنُوا عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهُ،انْتَهَى كَلَامُهُ" [20] ."
وفي الكفاية في علوم الرواية للخطيب:"بَابُ التَّشَدُّدِ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ , وَالتَّجَوُّزِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ [21] :"
قَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ إِلَّا عَمَّنْ كَانَ بَرِيئًا مِنَ التُّهْمَةِ , بَعِيدًا مِنَ الظِّنَّةِ , وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّرْغِيبِ وَالْمَوَاعِظِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَتْبُهَا عَنْ سَائِرِ الْمَشَايِخِ
360 أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ , قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْغَزِّيُّ ، ثنا أَبِي ، حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ , قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ , يَقُولُ:"لَا تَأْخُذُوا هَذَا الْعِلْمَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إِلَّا مِنَ الرُّؤَسَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ , الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ , وَلَا بَأْسَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَشَايِخِ".
361 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ , قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّرَوِيُّ ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، ثنا أَبِي وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ , قَالَا سَمِعْنَا يَحْيَى بْنَ الْمُغِيرَةِ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ , يَقُولُ:"لَا تَسْمَعُوا مِنْ بَقِيَّةَ مَا كَانَ فِي سُنَّةٍ , وَاسْمَعُوا مِنْهُ مَا كَانَ فِي ثَوَابٍ وَغَيْرِهِ".
362 ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْقَطَّانُ النَّيْسَابُورِيُّ , لَفْظًا ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ السِّجْزِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّوْفَلِيَّ يَعْنِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , يَقُولُ:"إِذَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ تَشَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ , وَإِذَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمَا لَا يَضَعُ حُكْمًا وَلَا يَرْفَعُهُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ".
363 حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْخَلَّالُ ، أَخْبَرَنِي الْمَيْمُونِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ:"الْأَحَادِيثُ الرِّقَاقُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَسَاهَلَ فِيهَا حَتَّى يَجِيءَ شَيْءٌ فِيهِ حُكْمٌ".
(1) - في الكفاية ص 51
(2) - الترمذي (2120 و 2121 ) والنسائي (3656- 3658 ) وابن ماجة (2713 و 2714 ) وأحمد 4 / 186 و 187 و 238 والبيهقي 6 / 85 و 244 و 264 وابن أبي شيبة (31360 ) والشافعي (1384 ) وعبد الرزاق (7277 ) وصحيح الجامع (7570 ) . وهو صحيح مشهور
(3) - الأم للشافعي (ج 10 / ص 480 ) و (ج 11 / ص 37 ) الشاملة 2
(4) - في الكفاية ص 51
(5) - الرسالة للشافعي ص (138-142 )
(6) - سنن ابن ماجه (563 ) وعدى 2/297 وهق 1/260 وعب (264 ) وهو ضعيف
(7) - برقم (56 ) جامع الحديث واختلاف الحديث- (ج 1 / ص 500 ) ومختصر المزني- (ج 1 / ص 557 )
(8) - قلتُ: وقال ابن الملقن بعد أن أثبت الجملة الأولى من الحديث ، عما ورد فيه من استثناء:"فَتَلَخَّصَ أَن الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور ضعيفٌ ، لَا يحلّ الِاحْتِجَاج بِهِ ، لِأَنَّهُ مَا بَين مُرْسل وَضَعِيف ."
وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَى تَضْعِيفه.. . اهـ البدر المنير (ج 1 / ص 397 ) فما بعدها.
(9) - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار- (ج 3 / ص 117 )
(10) - قلت: هو في مصنف ابن أبي شيبة (ج 3 / ص 119 ) (9966 ) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنَ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ: لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا شَيْءٌ ، وَفِي عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ ، وَفِي أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ ، فَمَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ. (وهو حديث حسن موقوف )
(11) - مصنف عبد الرزاق (7078 ) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَا عَلِيُّ إِنِّي عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ ، فَأَمَّا الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالشَّاءُ فَلا ، وَلَكِنْ هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ ، مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ ، وَلَيْسَ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَيْءٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ""
(12) - انظر الاستذكار 9/21-35و39 والأم 2/34
(13) - أبو داود (3594 ) ومصنف ابن أبي شيبة (ج 8 / ص 178 ) (22978 ) وحم 5/230 و236 و242 ومي 1/60 ونصب 4/63 وش 7/293 و10/177 وسنة 10/116 وتلخيص 4/182 وت (1327 ) سنده لين، ولكنه من الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، وهذا كاف لتقويته والعمل به. وأخطأ الألباني في فهم هذا الحديث في الضعيفة (881 ) حيث قال بعد أن ضعفه:"ليس صحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن وإنزاله إياه معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يأخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب، وهذا التفريق بينهما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر بالكتاب والسنة معًا وعد التفريق بينهما، لما علم من أن السنة تبين مجمل القرآن وتقيد مطلقه وتخصص عمومه كما هو معلوم ... ا.هـ"
أقولُ: وهذه القضيةُ التي أثارها لا وجود لها أصلًا، ولم يقل أحدٌ ممن فسر هذا الحديث بذلك. ومعنى الحديث: إذا عرضت عليَّ قضيةٌ أنظر هل لها حلٌّ في كتاب الله فإن كان لها حلٌّ في كتاب الله تعالى صريح كالمواريث مثلًا أحكم بها مباشرة دون الرجوع للسنة، لأن السنَّة في هذه الحال تكون ـ إن وجدت ـ مؤكدة للحكم فقط، وإن كان لها حكم مجمل في الكتاب يرجع إلى السنة المفصلة لهذا الحكم ، وإذا لم يكن لها حكم في الكتاب فنرجع إلى السنَّة لأن فيها أحكامًا زائدة عَلى القرآن كتحريم الحمر الأهلية مثلًا: فهذا مقصد معاذ ـ وإن لم يوجد نصٌّ صريح لا في الكتاب ولا في السنَّة نجتهد ... انظر كتابي الرد على الرد على الألباني حول تفسير القرآن الكريم
(14) - مر تخريجه
(15) - موطأ مالك (42 ) حَدَّثَنِى يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِنْ آلِ بَنِى الأَزْرَقِ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ » . وهو حديث صحيح خلافًا لمن زعم ضعفه واضطرابه وانظر البدر المنير (ج 1 / ص 370 ) فما بعد
(16) - وانظر تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج (ج 1 / ص 109 ) ومشكل الآثار للطحاوي (1977 )
(17) - الفقيه والتفقه برقم (509 )
(18) - الفصول في الأصول (ج 2 / ص 412 )
(19) - المستصفى (ج 2 / ص 233 )
(20) - إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج 1 / ص 275 )
(21) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 132)