فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 522

سننُ أبي داودَ:

أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بنُ الأَشْعَثِ بنِ شَدَّادِ (ت، س) وَابْنه ابْنِ عَمْرِو بنِ عَامِرٍ، كَذَا أَسْمَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ الهَاشِمِيُّ: سُلَيْمَانُ بنُ الأَشْعَثِ بنِ بِشْرِ بنِ شَدَّادٍ.وَقَالَ ابْنُ دَاسَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: سُلَيْمَانُ بنُ الأَشْعَثِ بنِ إِسْحَاقَ بنِ بَشِيْرِ بنِ شَدَّادٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ فِي (تَارِيْخِهِ) ، وَزَادَ: ابْنَ عَمْرِو بنِ عِمْرَانَ.

الإِمَامُ، شَيْخُ السُّنَّةِ، مُقَدَّمُ الحُفَّاظِ، أَبُو دَاوُدَ الأَزْدِيُّ، السِّجِسْتَانِيُّ، مُحَدِّثُ البَصْرَةِ.

وُلِدَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمائَتَيْنِ، وَرَحَلَ، وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ، وَبَرَعَ فِي هَذَا الشَّأْنِ.

وَسَكَنَ البَصْرَةَ بَعْدَ هَلاَكِ الخَبِيْثِ طَاغِيَةِ الزِّنْجِ، فَنَشَرَ بِهَا العِلْمَ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى بَغْدَادَ.

قَالَ الخَطِيْبُ أَبُو بَكْرٍ: يُقَالُ: إِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابَهُ (السُّنَنَ) قَدِيْمًا، وَعَرَضَهُ عَلَى أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَاسْتَجَادَهُ، وَاسْتَحْسَنَهُ.وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ دَاسَةَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُوْلُ: كَتَبْتُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمْسَ مائَةَ أَلْفِ حَدِيْثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا ضَمَّنْتُهُ هَذَا الكِتَابَ -يَعْنِي: كِتَابَ (السُّنَنِ) - جمعتُ فِيْهِ أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيْثٍ وثمَانِي مائَةِ حَدِيْثٍ، ذَكَرْتُ الصَّحِيْحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَيَكْفِي الإِنسَانَ لِدِيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ أَربعةُ أَحَادِيْثَ:

أَحَدُهَا: قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) .

وَالثَّانِي: (مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيْهِ) .

وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (لاَ يَكُوْنُ المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لأَخِيْهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ) .

وَالرَّابِع: (الحَلاَلُ بَيِّنٌ) ... الحَدِيْثَ.

قَوْلُهُ: يَكْفِي الإِنْسَانَ لِدِيْنِهِ، ممنُوعٌ، بَلْ يَحْتَاجُ المُسْلِمُ إِلَى عَدَدٍ كَثِيْرٍ مِنَ السُّنَنِ الصَّحِيْحَةِ مَعَ القُرْآنِ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاَّلُ: أَبُو دَاوُدَ الإِمَامُ المُقَدَّمُ فِي زَمَانِهِ، رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِتَخْرِيجِ العُلُوْمِ، وَبَصَرِهِ بِمَوَاضِعِهِ أَحَدٌ فِي زَمَانِهِ، رَجُلٌ وَرِعٌ مُقَدَّمٌ،

وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ يَاسِيْنَ: كَانَ أَبُو دَاوُدَ أَحَدَ حُفَّاظِ الإِسْلاَمِ لِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعِلْمِهِ وَعِلَلِهِ وَسَنَدِهِ، فِي أَعْلَى دَرَجَةِ النُّسْكِ وَالعَفَافِ، وَالصَّلاَحِ وَالوَرَعِ، مِنْ فُرْسَانِ الحَدِيْثِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، وَإِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: لَمَّا صَنَّفَ أَبُو دَاوُدَ كِتَابَ (السُّنَنِ) أُلِيْنَ لأَبِي دَاوُدَ الحَدِيْثُ، كَمَا أُلِيْنَ لِدَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، الحَدِيْدُ.

الحَاكِمُ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ مُوْسَى، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مَخْلَدٍ، يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَفِي بِمُذَاكرَةِ مائَة أَلْفِ حَدِيْثٍ، وَلَمَّا صَنَّفَ كِتَابَ (السُّنَنِ) ، وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، صَارَ كِتَابُهُ لأَصْحَابِ الحَدِيْثِ كَالمُصْحَفِ، يَتَّبِعُونَهُ وَلاَ يُخَالِفُوْنَهُ، وَأَقَرَّ لَهُ أَهْلُ زَمَانِهِ بِالحِفْظِ وَالتَّقَدُّم فِيْهِ.

وَقَالَ الحَافِظُ مُوْسَى بنُ هَارُوْنَ: خُلِقَ أَبُو دَاوُدَ فِي الدُّنْيَا لِلْحَدِيْثِ، وَفِي الآخِرَةِ لِلجَنَّة.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ بنُ حِبَّانَ: أَبُو دَاوُدَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا فِقْهًا وَعِلْمًا وَحِفْظًا، وَنُسْكًا وَوَرَعًا وَإِتْقَانًا، جَمَعَ وَصَنَّفَ وَذَبَّ عَنِ السُّنَنِ.

قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ: الَّذِيْنَ خَرَّجُوا وَمَيَّزُوا الثَّابِتَ مِنَ المَعْلُولِ، وَالخَطَأَ مِنَ الصَّوَابِ أَرْبَعَةٌ: البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، ثُمَّ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَاكِمُ: أَبُو دَاوُدَ إِمَامُ أَهْلِ الحَدِيْثِ فِي عَصْرِهِ بِلاَ مُدَافَعَةٍ،

قَالَ ابْنُ دَاسَةَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ، يَقُوْلُ: ذَكَرْتُ فِي (السُّنَنِ) الصَّحِيْحَ وَمَا يُقَارِبَهُ، فَإِنْ كَانَ فِيْهِ وَهْنٌ شَدِيدٌ بَيَّنْتُهُ.

قُلْتُ: فَقَدْ وَفَّى -رَحِمَهُ اللهُ- بِذَلِكَ بِحَسَبِ اجتِهَادِهِ، وَبَيَّنَ مَا ضَعْفُهُ شَدِيْدٌ، وَوَهْنُهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ، وَكَاسَرَ عَنْ مَا ضَعْفُهُ خَفِيْفٌ مُحْتَمَلٌ، فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ سُكُوْتِهِ - وَالحَالَةِ هَذِهِ - عَنِ الحَدِيْثِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا عِنْدَهُ، وَلاَ سِيَمَا إِذَا حَكَمْنَا عَلَى حَدِّ الحَسَنِ بِاصطِلاَحِنَا المولَّد الحَادِث، الَّذِي هُوَ فِي عُرْفِ السَّلَفِ يَعُودُ إِلَى قِسمٍ مِنْ أَقسَامِ الصَّحِيْحِ، الَّذِي يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ جُمْهُوْرِ العُلَمَاءِ، أَوِ الَّذِي يَرْغَبُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ، وَيُمَشِّيَهُ مُسْلِمٌ، وَبَالعَكْسِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي أَدَانِي مَرَاتِبِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّهُ لَوْ انْحَطَّ عَنْ ذَلِكَ لخَرَجَ عَنِ الاحْتِجَاجِ، وَلَبَقِيَ مُتَجَاذَبًا بَيْنَ الضَّعْفِ وَالحَسَنِ، فَكِتَابُ أَبِي دَاوُدَ أَعْلَى مَا فِيْهِ مِنَ الثَّابِتِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَذَلِكَ نَحْو مِنْ شَطْرِ الكِتَابِ، ثُمَّ يَلِيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحَدُ الشَّيْخَيْنِ، وَرَغِبَ عَنْهُ الآخَرُ، ثُمَّ يَلِيْهِ مَا رَغِبَا عَنْهُ، وَكَانَ إِسْنَادُهُ جَيِّدًا، سَالِمًا مِنْ عِلَةٍ وَشُذُوْذٍ، ثُمَّ يَلِيْهِ مَا كَانَ إِسْنَادُهُ صَالِحًا، وَقَبِلَهُ العُلَمَاءُ لِمَجِيْئِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ لَيِّنَيْن فَصَاعِدًا، يَعْضُدُ كُلُّ إِسْنَادٍ مِنْهُمَا الآخَرُ، ثُمَّ يَلِيْهِ مَا ضُعِّفَ إسنَادُهُ لِنَقْصِ حِفْظِ رَاوِيهِ، فَمِثْلُ هَذَا يُمَشِّيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَيَسْكُتُ عَنْهُ غَالِبًا، ثُمَّ يَلِيْهِ مَا كَانَ بَيِّنَ الضَّعْفِ مِنْ جِهَةِ رَاوِيْهِ، فَهَذَا لاَ يَسْكُتُ عَنْهُ، بَلْ يُوْهِنُهُ غَالِبًا، وَقَدْ يَسْكُتُ عَنْهُ بِحَسْبِ شُهْرَتِهِ وَنَكَارَتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الحَافِظُ زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ: كِتَابُ اللهِ أَصْلُ الإِسْلاَمِ، وَكِتَابُ أَبِي دَاوُدَ عَهْدُ الإِسْلاَمِ.

قُلْتُ: كَانَ أَبُو دَاوُدَ مَعَ إِمَامَتِهِ فِي الحَدِيْثِ وَفُنُوْنِهِ مِنْ كِبَارِ الفُقَهَاءِ، فَكِتَابُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، لاَزَمَ مَجْلِسَهُ مُدَّةً، وَسَأَلَهُ عَنْ دِقَاقِ المَسَائِلِ فِي الفُرُوْعِ وَالأُصُوْلِ.

وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالتَّسْلِيمِ لَهَا، وَتَرْكِ الخَوْضِ فِي مَضَائِقِ الكَلاَمِ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: خَيْرُ الكَلاَمِ مَا دَخَلَ الأُذُنَ بِغَيْرِ إِذْنٍ.

قَالَ الحَاكِمُ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ بنُ حِبَّانَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي دَاوُدَ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ:أَدْرَكْتُ مِنْ أَهْلِ الحَدِيْثِ مَنْ أَدْرَكْتُ، لَمْ يَكُنْ فِيهِم أَحْفَظُ لِلْحَدِيْثِ، وَلاَ أَكْثَرُ جَمْعًا لَهُ مِنِ ابْنِ مَعِيْنٍ، وَلاَ أَوْرَعُ وَلاَ أَعْرَفُ بِفِقْهِ الحَدِيْثِ مِنْ أَحْمَدَ، وَأَعْلَمُهُمُ بِعِلَلِهِ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ، وَرَأَيْتُ إِسْحَاقَ - عَلَى حِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ - يُقَدِّمُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، وَيَعْتَرِفُ لَهُ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: تُوُفِّيَ أَبُو دَاوُدَ: فِي سَادِسِ عَشر شَوَّال، سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ [1]

"وقد جَاء عنه أنَّه يذكر فيه الصَّحيح وما يُشبههُ ويُقَاربه, وما كان فيه وهن شديد بيَّنه, وما لم يذكر فيه شيئا فهو صالح قال وبعضها أصح من بعض."

فعَلَى هذا مَا وجدنا في كتابه مُطلقًا ، ولم يكن في أحد «الصَّحيحين» ولم يُصحِّحه غيره من المُعتمدين الَّذين يُميزون بين الصَّحيح والحسن ولا ضعفهُ, فهو حسنٌ عندَ أبي داود ، لأنَّ الصَّالح للاحْتجاج لا يَخْرج عنهما, ولا يَرْتقي إلى الصِّحة إلاَّ بنص, فالأحوط الاقتصار على الحسن, وأحوط منه التعبير عنه بصالح. [2]

وبهذا التَّقرير يندفع اعتراضُ ابن رشيد بأنَّ ما سكتَ عليه قد يَكُون عنده صحيحًا, وإن لم يَكُن كذلك عند غيره.

وزادَ ابن الصَّلاح [3] : أنَّه قد لا يَكُون حَسَنًا عند غيره, ولا مُْندرجًا في حدِّ الحَسَن, إذ حَكَى ابن مَنْده أنَّه سمعَ مُحمَّد بن سعد الباوردي يَقُول: كان من مذهب النَّسائي أن يُخرِّج عن كلِّ من لم يُجْمع على تَرْكه. [4]

قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه, ويُخرِّج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره, لأنَّه أقوى عنده من رأى الرجال. [5]

وهذا أيضًا رأي الإمام أحمد, فإنَّه قال: إنَّ ضعيف الحديث أحبُّ إليه من رأي الرِّجال, لأنَّه لا يُعدلُ إلى القياس, إلاَّ بعد عدم النصِّ.

فعلى ما نُقل عن أبي داود يُحتمل أن يُريد بقوله: صالح, الصَّالح للاعتبار دُون الاحْتجاج, فيَشْملُ الضَّعيف أيضًا, لكن ذكر ابن كثير أنَّه روي عنه: وما سكت عنه فهو حسنٌ, فإن صحَّ ذلك فلا إشْكَال. [6]

( وقد ) اعترض ابن سيِّد النَّاس [7] ما ذكِرَ في شأن «سنن» أبي داود, فقال: لم يَسِم أبو داود شيئا بالحسن, وعمله في ذلك شبيه بعمل مسلم, الَّذي لا ينبغي أن يحمل كلامه على غيره, أنَّه اجتنب الضَّعيف الواهي, وأتى بالقِسْمين الأول والثاني, وحديثُ مَنْ مثَّلَ به من الرُّواة من القسمين الأول والثَّاني موجود في كتابه, دون القسم الثالث, قال: فهلا أُلزِمَ مسلمٌ من ذلك ما ألزِمَ به أبو داود, فمعنى كلامهما واحدٌ.

قال: وقول أبي داود: وما يُشبهه, يعني في الصِّحة, ويُقاربه يعني فيها أيضًا هو نحو قول مسلم: ليسَ كل الصَّحيح نجدهُ عند مالك وشُعبة وسُفيان, فاحتاج أن يَنزلَ إلى مثل حديث ليثَ بن أبي سُليم وعَطَاء بن السَّائب ويزيد بن زياد, لما يَشْملُ الكلَّ من اسم العَدَالة والصِّدق, وإن تَفاوتُوا في الحِفْظِ والإتقان, ولا فرقَ بين الطَّريقين, غير أنَّ مُسلمًا شرطَ الصَّحيحَ, فتحرَّجَ من حديث الطَّبقة الثَّالثة, وأبا داود لم يَشْترطه, فذكر ما يشتدُّ وهنهُ عنده, والتزم البيان عنه.

قال: وفي قول أبي داود:"إنَّ بعضها أصحُّ من بعض ما يُشير إلى القَدْر المُشترك بينهما في الصِّحة وإن تَفاوتت لِمَا يقتضيه صيغةُ أفْعَل في الأكثر."

وأجابَ الحافظ العِرَاقي [8] : بأنَّ مُسلمًا التزمَ الصَّحيح بل المُجْمع عليه في كتابهِ, فليسَ لنا أن نحكم على حديث خرَّجه بأنَّه حسن عنده, لما عرف من قُصُور الحسن عن الصَّحيح, وأبو داود قال: ما سكتَ عنه فهو صالح, والصَّالح يشمل الصَّحيح والحسن, فلا يرتقي إلى الأوَّل إلاَّ بيقين.""

وثَمَّ أجْوبة أُخرى:

منها: أنَّ العملين إنَّما تشابها في أنَّ كُلاًّ أتى بثلاثة أقْسَام, لكنها في «سُنن» أبي داود راجعة إلى مُتون الحديث, وفي مسلم إلى رجاله, وليس بين ضعف الرَّجل وصحة حديثه مُنافاة.

ومنها: أنَّ أبا داود قال: ما كان فيه وهن شديد بينتُه, ففهم أنَّ ثَمَّ شيئا فيه وهن غير شديد لم يلتزم بيانه.

ومنها: أنَّ مسلما إنَّما يروي عن الطَّبقة الثَّالثة في المُتَابعات لينجبر القُصُور الَّذي في رواية من هو من الطَّبقة الثانية, ثُمَّ إنه يُقِلُّ من حديثهم جدَّا, وأبو داود بخلاف ذلك." [9] "

قلتُ:

وكتابه هذا مرتب على الأبواب الفقهية ، ويركز على أحاديث الأحكام ، وفيه حوالي (5208) حديثًا بالمكرر حسب طبعة عزت عبيد دعاس رحمه الله .

وفي طبعة المكنز وهي أهم طبعة له عدد أحاديثه (5276) حديثًا

وكل ماسكت عليه فهو مقبول عنده ، وما كان فيه نكارة شديدة ذكره ، وأحاديثه تدور بين الصحيح والحسن والضعيف ، وقد وفّى بشرطه ، والأحاديث الضعيفة في كتابه موجودة ، كالمنقطع ، ورواية سيء الحفظ ، والمجهول ، والمختلط .. وله شروح كثيرة منها معالم السنن للخطابي ، وعون المعبود وبذل المجهود وله طبعات كثيرة منها الطبعة التي حققها الأستاذ عزت عبيد دعاس ، والطبعة التي حققها محمد محيى الدين عبد الحميد وغيرها ،

وقد قام الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله بتخريج أحاديثه وقد صحح وحسن منها ( 4325 ) حديثًا، وضعف حوالي ( 1127 ) ،ولكنه كان من المتشددين بالجرح والتعديل فلا يقبل تضعيفه حتى يوافقه غيره عليه .

والكتاب بحاجة لتخريج كامل لأحاديثه بشكل منضبط . [10]

ـــــــــــــــ

(1) - سير أعلام النبلاء (13/204-222) (117 )

(2) - قلت: هذا الحكم بشكل عام ، وإلا فهناك أحاديث سكت عنها وهي منكرة ، نبه عليها العلماء ، ولكنه في الحقيقة ينتقي أقوى الموجود في الباب ، وغالب أحاديثه في الأحكام .

(3) - علوم الحديث ص 53

(4) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 218) والغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 84)

(5) - سيمر تفصيل ذلك في حكم العمل بالحديث الضعيف

(6) - النكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 432) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 96) وعلم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 39) وقسم الحديث والمصطلح - (ج 45 / ص 39)

(7) - الفتح الشذي 1/207-213

(8) - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 117) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 19) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 11) وقارن شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 54)

(9) - انظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 110) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 116) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 11)

(10) - انظر الباعث ص 41 و42 وأصول الحديث 320-322 والأجوبة الفاضلة ص 67 و73

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت