سادسًا - أمثلةٌ للحديث الضعيف الذي يجوزُ العملُ به في الفضائل بالشروط الأنفة الذكر:
المثالُ الأوَّلُ
إحياءُ ليلتي العيد
أخرج ابن ماجة في سننه حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْمَرَّارُ بْنُ حَمُّويَهْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَنْ قَامَ لَيْلَتَىِ الْعِيدَيْنِ لِلَّهِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ » [1] .
فهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أن ثور بن يزيد قد رميَ بالقدر [2] إلا أنه هنا يروي ما لا صلة له ببدعته, فلا يخلُّ بالاحتجاج به, ومحمد بن المصفَّى صدوقٌ كثير الحديث, حتى وصفه الحافظ ابن حجر في اللسان بأنه حافظٌ [3] ،وقال الذهبي في الميزان: ثقةٌ مشهورٌ لكن وقعت له في رواياته المناكير [4] .
وفي سنده بقية بن الوليد وهو من الأئمة الحفاظ صدوق, لكنه كثيرُ التدليس عن الضعفاء, روى له مسلم متابعة فقط [5] , وهو هنا لم يصرح بما يثبت سماعه للحديث فيكون ضعيفا . [6]
وأعله الألباني في السلسلة الضعيفة به (521 ) وقال:"بقية سيء التدليس, فإنه يروي عن الكذابين عن الثقات ثم يسقطهم من بينه وبين الثقات ويدلِّس عنهم فلا يبعد أن يكون شيخه الذي أسقطه في هذا الحديث من أولئك الكذابين .."واعتبره موضوعًا !
أقولُ: من راجع ترجمة بقية في التهذيب وجد أنَّ الأكثر على توثيقه بقوة والثاني أنه ثقة وحجة فيما رواه عن أهل بلده،وهذا ما أكده ابن عدي كذلك،وهذا منها،فهو يرويه عن شيخه ثور بن يزيد الحمصي،فينبغي أن يقبل هذا الحديث, وهو الذي لازمه مدة طويلة فلا حاجة لأن يدلِّس عنه, وإنما يكون التدليس عن شيخ سمع منه شيئًا قليلًا [7] .
قال ابن عدي بعد ترجمته المطولة [8] :"إذا روى عن الشاميين فهو ثبت, وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لامنه, وإذا روى عن غير الشاميين فربما وهم عليهم, وربما كان الوهم من الراوي عنه, وبقيةُ صاحبُ حديثٍ, ومن علامةِ صاحبِ الحديث أنه يروي عن الكبار والصغار, ويروي عنه الكبار من الناس وهذه صورة بقية".
قلت:الحديثُ مرويٌّ من طرق أخرى فيها ضعف [9]
وفي قيام رمضان لمحمد بن نصر المروزي،قال: هَارُونُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَسْلَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"بَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ"أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْعِيدِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِينَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ"وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ مِثْلُهُ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ:"لَيْلَةُ الْفِطْرِ كَلَيْلَةٍ مِن لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ يَعْنِي فِي فَضْلِهَا"وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ"يَقُومُ لَهُمْ لَيْلَةَ الْفِطْرِ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَأَوْتَرَ بِسَبْعٍ"وَصَلَّى وُهَيْبٌ يَوْمَ الْعِيدِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ جَعَلُوا يَمُرُّونَ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ ثُمَّ زَفَرَ وَقَالَ:"لَئِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَصْبَحُوا مُسْتَيْقِنِينَ أَنَّهُ قَدْ تُقُبِّلَ مِنهُمْ شَهْرُهُمْ هَذَا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُصْبِحُوا مَشَاغِيلَ بِأَدَاءِ الشُّكْرِ عَمَّاهُمْ فِيهِ , وَلَئِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصْبِحُوا أَشْغَلَ وَأَشْغَلَ"ثُمَّ قَالَ: كَثِيرًا مَا يَأْتِينِي مَنْ يَسْأَلُنِيَ مِن إِخَوَانِي فَيقول: يَا أَبَا أُمَيَّةَ مَا بَلَغَكَ عَمَّنْ طَافَ سَبْعًا بِهَذَا الْبَيْتِ مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ ؟ فَأَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ , بَلْ لَوْ سَأَلُوا عَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أَدَاءِ الشُّكْرِ فِي طَوَافِ هَذَا السَّبْعَ , وَرَزَقَهُ حِينَ حَرَمَ غَيْرَهُ , فَيقولون: إِنَّا نَرْجُوا , فَيقول: وُهَيْبٌ:"وَلَا وَاللَّهِ مَا رَجَا عَبْدٌ قَطُّ حَتَّى يَخَافَ ثُمَّ يقول: كَيْفَ تَجْتَرِي , إِنَّكَ تَرْجُو رِضَاءَ مَنْ لَا تَخَافُ غَضَبَهُ , إِنَّمَا كَانَ الرَّاجِي إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِذْ يُخْبِرُكَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ , يقول: وُهَيْبٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِلَى مَاذَا قَالَا: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ , رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً الْآيَةُ, ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ , ثُمَّ قَالَ: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخَرِينَ" [10]
قَالَ الشَّافِعِيُّ بعد روايته لهذا الحديث:أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [11] ،قَالَ: رَأَيْتُ مَشْيَخَةً مِن خِيَارِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَظْهَرُونَ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْعِيدَيْنِ فَيَدْعُونَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى تَذْهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ،قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَنَا أَسْتَحِبُّ كُلَّمَا حَكَيْتُ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا،وَأُحِبُّ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ خَلْفَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ،وَبَيْنَ ذَلِكَ وَغَادِيًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ،يَعْنِي يَوْمَ الْفِطْرِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ يَعْنِي عِدَّةَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ يَعْنِي عِنْدَ إِكْمَالِهِ عَلَى مَا هَدَاكُمْ" [12] "
وقال الجزيري:"ويندب إحياء ليلتي العيدين بطاعة الله تعالى من ذكر وصلاة وتلاوة قرآن ونحو ذلك لقوله صلى الله عليه و سلم:"من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"رواه الطبراني ويحصل الإحياء بصلاة العشاء والصبح في جماعة وقد يقال: إن الوارد في الحديث من الأجر لا يتناسب مع كون ذلك الإحياء مندوبا لأن حياة القلوب يوم القيامة معناه الظفر برضوان الله تعالى الذي لا سخط لعده والجواب: أن الشريعة الإسلامية قد كلفت الناس بواجبات فمن قام بها على الوجه المطلوب للشرع فقد استحق رضوان الله تعالى بدون نزاع ومن تركها استحق سخطه أما ما عداها من فضائل الأعمال فإن الشريعة رغبت فيها فاعلها بالجزاء الحسن ومن يتركها فلا شيء عليه وبديهي أن هذا الجزاء لا يحصل لمن لم يقم بالواجبات فإذا ترك المكلفون صيام رمضان وترك القادرون الحج إلى بيت الله الحرام والصدقات المطلوبة منهم ثم أحيوا ليلة العيد من أولها إلى آخرها لم يفدهم ذلك شيئا . نعم إذا كان الغرض من ذلك الإقلاع عن الذنب بالتوبة الصحيحة كان له أثر كبير وهو محو الذنوب والآثام لأن التوبة تمحو الكبائر باتفاق" [13]
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية [14] :"يُنْدَبُ إِحْيَاءُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ ( الْفِطْرِ, وَالأَْضْحَى ) بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ [15] . لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ [16] . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ اتِّبَاعًا لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّهُ يَحْصُل لَهُ ثَوَابُ الإِْحْيَاءِ بِصَلاَةِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً, وَالْعَزْمِ عَلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً" [17] .
وجاء فيها أيضًا [18] "يُسْتَحَبُّ إِحْيَاءُ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِن ذِكْرٍ وَصَلاَةٍ وَتِلاَوَةٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحٍ وَاسْتِغْفَار ..".
قلت:فنحن نعلم أن قيام الليل والتعبد فيه وردَ الحضُّ عليه في القرآن والسُّنَّة المتواترة، والتقرب إلى الله تعالى بالذكر والدعاء ونحوها, مرغبٌ فيه كل الأوقات والأحوال, وكلُّ ذلك يشملُ بعمومه ليلتي العيدين اللتين لهما من الفضل ما لهما،وهذا يوضح تماما أن الحديث لم يشرع شيئا جديدا, وإنما جاء بجزئية موافقة لأصول الشريعة ونصوصها العامة, مما لا يدعُ أيَّ مجالٍ للتردد في استحباب العمل به, والأخذ به والأخذِ بمقتضاهُ .
وزعم صاحب فتاوى يسألونك أن إحياءهما بدعة بقوله:"وخلاصة الأمر أن إحياء ليلتي العيدين بدعة لم يثبت فيه حديث يصلح للاحتجاج به أو الاعتماد عليه." [19] !!!
وهو كلام مخالف لاتفاق الفقهاء وللحديث الشريف الآنف الذكر .
ـــــــــــــــ
(1) - سنن ابن ماجه (1854 ) والشعب (3556 ) والطبراني في الأوسط (193 ) والسنن الكبرى للبيهقي 3 / 319 (6518 ) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (5333 ) من طرق والصواب أنه حديث حسن لغيره
(2) - انظر تقريب التهذيب [ج1 -ص 135 ] (861 )
(3) - لسان الميزان [ج7 -ص 376 ] (4749 ) وفي تقريب التهذيب [ج1 -ص 507 ] (6304 ) صدوق له أوهام وكان يدلس ، وفي الكاشف [ج2 -ص 222 ] (5157 ) ثقة يغرب
(4) - ميزان الاعتدال (ج 4 / ص 43 ) (8181 ) وختم ترجمته بقوله: كان ابن مصفى ثقة صاحب سنة، من علماء الحديث.
(5) -انظر تقريب التهذيب [ج1 -ص 126 ] (734 ) وفي الكاشف [ج1 -ص 273 ] (619 ) .. وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات وقال النسائي إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة ..
(6) -هذا ما ذكره أستاذنا د- نور الدين عتر في كتابه الصلوات الخاصة ص 102 -103، والصواب أنه حسن لغيره
(7) - راجع التهذيب 10/473 - 478
(8) - الكامل 2/72 - 80
(9) - فعن عبادة في المعجم الأوسط للطبراني (163 ) وعن أبي الدرداء في السنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 319 ) (6518 ) وعن كردوس في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (5333 ) ولكنها بكل حال تقوي حديث أبي أمامة
(10) - قيام رمضان لمحمد بن نصر المروزي (ج 1 / ص 90 ) الشاملة 2 - جامع السنة
(11) - إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحاق المدني متروك من السابعة مات سنة أربع وثمانين وقيل إحدى وتسعين ق. تقريب التهذيب [ جزء 1 - صفحة 93 ] -241 -
(12) - فَضَائِلُ الْأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ = بَابٌ فِي فَضْلِ الْعِيدِ = (150 )
(13) - الفقه على المذاهب الأربعة (ج 1 / ص 539 ) الشاملة 2 ، في الفقه الإسلامي وأدلته (ج 2 / ص 537 ) وانظر مراقي الفلاح:89/1 وما بعدها، تبيين الحقائق: 224/1 وما بعدها، فتح القدير: 423/1،429، الفتاوى الهندية: 140/1، الدر المختار: 776/1 وما بعدها، اللباب: 116/1 وما بعدها، الشرح الصغير: 527/1-531، مغني المحتاج: 312/1 وما بعدها، المهذب: 119/1، المغني: 369/2-374، 389،399، كشاف القناع: 56/2-58.
(14) - (ج 2 / ص 235 )
(15) - المجموع 4 / 45 ، وشرح المنهاج 2 / 127 ، وابن عابدين 1 / 460 ، ومراقي الفلاح ص 318 ، وكشف المخدرات ص 86 ، والبحر الرائق 2 / 256 ط الأولى بالمطبعة العلمية ، وحاشية الرهوني 1 / 181 طبع بولاق 1306 ، والمغني 1 / 159
(16) - مر تخريجه
(17) - ابن عابدين 1 / 462
(18) - (ج 31 / ص 115 ) وانظر: فقه العبادات - حنفي (ج 1 / ص 107 ) ومواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل (ج 5 / ص 288 ) وفقه العبادات - مالكي (ج 1 / ص 205 ) والفروع لابن مفلح (ج 2 / ص 373 ) وكشاف القناع عن متن الإقناع (ج 3 / ص 329 ) والمبدع شرح المقنع (ج 2 / ص 251 ) والفتاوى الفقهية الكبرى (ج 3 / ص 331 ) و لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية للشعراني (ج 1 / ص 240 ) الشاملة 2
(19) - فتاوى يسألونك (ج 6 / ص 82 ) وغالب السلفية المعاصرين يوافقونه على هذا الزعم !!!