الاعْتِبارُ والمُتَابعُ والشاهِدُ [1]
هذه أُمور يتداولها أهل الحديث يتعرَّفُونَ بها حال الحديث ينظرون هل تفرَّد به رَاويه أم لا, وهل هو معروف أو لا.
فالاعْتبار: أن يأتي إلى حديثٍ لبعض الرُّواة فيعتبرهُ بروايات غيره من الرُّواة, بسبر طُرقِ الحديث, ليُعرف هل شاركه في ذلك الحديث راو غيره, فرَوَاه عن شيخه أولًا؟ فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه, فرواه عمَّن روى عنه, وهكذا إلى آخر الإسْنَاد, وذلكَ المُتَابعة, فإن لم يكن فيُنظر هل أتَى بمعناه حديث آخر, وهو الشَّاهد, فإن لم يَكُن فالحديث فردٌ, فليسَ الاعتبار قسيما للمُتابع والشَّاهد, بل هو هيئة التوصل إليهما.
1 -تعريف كل منها:
أ) الاعْتِبَارُ:
1 -لغة: مصدر"اعْتَبَر"بمعنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها.
2 -اصطلاحًا: هو تتبع طرق حديث انفرد بروايته راو ليعرف هل شاركه في روايته غيرُه أو لا.
ب) المُتَابِعُ: ويسمَّى التابع.
1 -لغة: هو اسم فاعل من"تابع"بمعنى وافق.
2 -اصطلاحًا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواتُه رواه الحديث الفرد لفظًا ومعنى فقط، مع الإتحاد في الصحابي.
جـ) الشاهدُ:
1 -لغة: اسم فاعل من"الشهادة"وسمي بذلك لأنه يشهد أن للحديث الفرد أصلًا، ويقويه، كما يقوي الشاهد قول المدعي ويدعمه.
2 -اصطلاحًا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاختلاف في الصحابي.
والشَّاهد: أن يروى حديث آخر بمعناه, ولا يُسمَّى هذا مُتابعة فقد حصل اختصاص المُتابعة بما كان باللفظ, سواء كان من رواية ذلك الصَّحابي أم لا, والشَّاهد أعم, وقيلَ هو مخصوصٌ بما كان بالمعنى كذلك.
وقال شيخ الإسلام: قد يُسمَّى الشَّاهد متابعة أيضًا, والأمر سهل
2 -الاعتبار ليس قسيمًا للتابع والشاهد:
ربما يتوهم شخص أن الاعتبار قسيم للتابع والشاهد، لكن الأمر ليس كذلك، وإنما الاعتبار هو هيئة التوصل إليهما، أي هو طريقة البحث والتفتيش عن التابع والشاهد.
3 -اصطلاح آخر للتابع والشاهد:
ما ذُكِرَ من تعريف التابع والشاهد هو الذي عليه الأكثر، وهو المشهور، لكن هناك تعريف آخر لهما وهو:
التابع: أن تحصل المشاركة لرواة الحديث الفرد باللفظ سواء اتحد الصحابي أو اختلف.
الشاهد: أن تحصل المشاركة لرواة الحديث الفرد بالمعنى سواء اتحد الصحابي أو اختلف، هذا وقد يطلق اسم أحدهما على الآخر، فيطلق اسم التابع على الشاهد كما يطلق اسم الشاهد على التابع، والأمر سهل كما قال الحافظ ابن حجر [2] لأن الهدف منهما واحد، وهو تقوية الحديث بالعثور على رواية أخرى للحديث.
4 -المتابعة:
أ) تعريفها:
1 -لغة: مصدر"تَابَعَ"بمعنى"وَافَق"فالمتابعة إذن الموافقة.
2 -اصطلاحًا: أن يشارك الراوي غيره في رواية الحديث.
والمُتابعةُ: أن يرويه عن أيُّوب غير حمَّاد, وهي المُتَابعة التَّامة, أو لم يروه عنه غيره, ورواهُ عن ابن سيرين غير أيُّوب, أو عن أبي هُرَيْرة غير ابن سيرين, أو عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - صحابي آخر غير أبي هُرَيْرة فكل هذا يُسمَّى مُتابعة, وتقصر عن المُتابعة الأولى بحسب بُعدها منها أي بقدره وتسمَّى المُتَابعة شاهدًا أيضًا.
ب) أنواعها: والمتابعة نوعان
1 -متابعة تامة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي من أول الإسناد.
2 -متابعة قاصرة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي أثناء الإسناد.
5 -أمثلة:
فمثالُ الاعتبار: أن يروي حمَّاد بن سلمة مثلًا حديثًا لا يُتَابع عليه, عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هُرَيْرة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , فيُنظر هل رواهُ ثقة غير أيُّوب عن ابن سيرين, فإن لم يُوجد ثقة غيره فغير ابن سيرين عن أبي هُرَيْرة, وإلاَّ أي وإن لم يوجد ثقة عن أبي هُرَيْرة غيره فصحابي غير أبي هُرَيْرة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , فأي ذلك وجد عُلم به أنَّ له أصلًا يرجع إليه, وإلاَّ أي وإن لم يوجد شيء من ذلك فلا أصل له.
كالحديث الذي رواه التِّرمذي (2128) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِىُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا» . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِىَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ هَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِى جَعْفَرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِىٍّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالصَّحِيحُ عَنْ عَلِىٍّ مَوْقُوفٌ قَوْلُهُ ..
أي من وجه يَثْبت, وإلاَّ فقد رواهُ الحسن بن دِينَار عن ابن سيرين, والحسن مترُوك الحديث لا يصلح للمُتَابعات.
ومثالُ ما اجتمع فيه المُتَابعة التَّامة والقاصرة, والشَّاهد [3] ، ما رواهُ الشَّافعي في «الأم» [4] عن مالك, عن عبد الله بن دينار, عن ابن عُمر, أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشَّهر تِسْعٌ وعشرون, فلا تَصُومُوا حتَّى تَرُوا الهِلاَل, ولا تُفطرُوا حتَّى تروهُ, فإن غُم عليكُم فأكملُوا العِدَّة ثلاثين» .
فهذا الحديث بهذا اللَّفظ, ظنَّ قومٌ أنَّ الشَّافعي تفرَّد به عن مالك, فعدُّوه في غرائبه, لأنَّ أصحاب مالك رَووهُ عنه بهذا الإسناد بلفظ: «فإن غُمَّ عليكُم فاقدرُوا لهُ» .
لكن وجدنا للشَّافعي مُتابعًا, وهو عبد الله بن مَسْلمة القَعْنَبي, كما في البخارى (1907) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ» ., وهذه مُتابعة تامة.
ووجدنا له مُتَابعة قاصرة كما في صحيح ابن خزيمة (1803) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، نا ابْنُ فُضَيْلٍ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثِينَ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَيَعْقِدُ فِي الثَّالِثَة، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ"وَفِي خَبَرِ ابْنِ فُضَيْلٍ:"ثُمَّ طَبَّقَ بِيَدِهِ، وَأَمْسَكَ وَاحِدَةً مِنْ أَصَابِعِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَثَلَاثِينَ".
وفي «صحيح» مسلم (2551) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِى الثَّالِثَةِ - فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِىَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاَثِينَ» .
ووجدنا له شاهدًا كما في سنن النسائى (2136) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَوْزَاءِ - وَهُوَ ثِقَةٌ بَصْرِىٌّ أَخُو أَبِى الْعَالِيَةِ - قَالَ أَنْبَأَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ» .
(2137) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عَجِبْتُ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ» . .
ورواه البخارى (1909) حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّىَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» وذلكَ شاهدٌ بالمَعْنى.
وإذا قَالُوا في مثله أي: الحديث تفرَّد به أبو هُرَيْرة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أو ابن سيرين عن أبي هُرَيْرة أو أيُّوب عن ابن سيرين أو حماد عن أيُّوب كان مُشْعرًا بانتفاء وجوه المتابعات فيه وإذا انتفت المُتَابعات مع الشَّواهد فحُكمه ما سبقَ في الشَّاذ من التفصيل.
ويدخل في المُتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتجُّ به, ولا يصلح لذلك كل ضعيف. كما سيأتي في ألفاظ الجرح والتعديل. [5]
البابُ الثالث
صفة من تُقبل روايتهُ وما يتعلق بذلك من الجرح والتعديل
وفيه ستة فصول:
الفصل الأول- في الراوي وشروط قبوله.
الفصل الثاني- علم الجرح والتعديل
الفصل الثالث-مراتب الجرح والتعديل
الفصل الرابع -منهجُ الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه التقريب، ومناقشته
الفصل الخامس-تعارض الجرح والتعديل ...
الفصل السادس-تفسير عبارات الجرح والتعديل
الفصل الأول
في الراوي وشروط قبوله [6]
بما أن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلنا عن طريق الرواة فهم الركيزة الأولى في معرفة صحة الحديث أو عدم صحته، لذلك اهتم علماء الحديث بالرواة، وشرطوا لقبول روايتهم شروطًا دقيقة محكمة تدلُّ على بعدِ نظرهم وسداد تفكيرهم، وجودة طريقتهم.
وهذه الشروط التي اشترطوها في الراوي، والشروط الأخرى التي اشترطوها لقبول الحديث والأخبار، لم تتوصل إليها أية ملة من الملل حتى في هذا العصر الذي يصفه أصحابه بالمنهجية والدقة، فإنهم لم يشترطوا في نقلة الأخبار الشروط التي اشترطها علماء المصطلح في الراوي، بل ولا أقل منها، فكثير من الأخبار التي تتناقلها وكالات الأنباء الرسمية لا يوثق بها ولا يركن إلى صدقها. وذلك بسبب رواتها المجهولين"وما آفة الأخبار إلا رواتها، وكثيرًا ما يظهر عدم صحة تلك الأخبار بعد قليل."
2 -شروط قبول الراوي:
أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه على أنَّه يشترط فيه أي من يُحتج بروايته أن يَكُون عدلًا ضَابطًا لِمَا يرويه.
وفسَّر العَدْل بأن يَكُون مُسْلمًا بالغًا عَاقلًا فلا يُقبل كافر, ومجنون مطبق بالإجماع, ومن تقطع جُنُونه وأُثِر في زمن إفَاقته, وإن لم يُؤثر قبل, قالهُ ابن السَّمعاني, ولا صغير على الأصح.
وقيل: يُقبل المُميِّز إن لم يُجرَّب عليه الكذب.
سَليمًا من أسْبَاب الفِسْق, وخَوَارم المروءة على ما حرَّر في باب الشَّهادات من كُتب الفِقْهِ, وتُخالفها في عدم اشْتراط الحُرِّية والذُّكُورة, قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) [الحجرات/6، 7] ،وقال: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق/2] .
وفي الحديث:"لَا تَأْخُذُوا الْحَدِيثَ إِلَّا عَمَّنْ تُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ" [7] .
وقال البيهقي: َرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَأْخُذَ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ [8] .
وقال الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ:"سَأَلْتُ ابْنًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا شَيْئًا , فَقِيلَ لَهُ: إِنَّا لَنُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ ابْنُ إِمَامِ هُدًى يُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ فَقَالَ: أَعْظَمُ وَاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِنْدَ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعِنْدَ مَنْ عَقِلَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , أَنْ أَقُولَ بِمَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ , أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ". [9]
وقال الشَّافعي في مسنده (1469) أَخْبَرَنَا عَمِّي، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ:"إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَأَسْتَحْسِنُهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذِكْرِهِ إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنِّي سَامِعٌ فَيَقْتَدِي بِهِ. أَسْمَعُهُ مِنَ الرَّجُلِ لَا أَثِقُ بِهِ قَدْ حَدَّثَهُ عَمَّنْ أَثِقُ بِهِ، وَأَسْمَعُهُ مِنَ الرَّجُلِ أَثِقُ بِهِ قَدْ حَدَّثَهُ عَمَّنْ لَا أَثِقُ بِهِ". وَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ:"لَا يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا الثِّقَاتُ"وهو صحيح.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ .. [10]
وفي سنن الدارمي (442) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:"كَانُوا إِذَا أَتَوْا الرَّجُلَ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ، نَظَرُوا إِلَى صَلَاتِهِ، وَإِلَى سَمْتِهِ، وَإِلَى هَيْئَتِهِ"
(443) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَنبَأَنَا هُشَيْمٌ، أَنبَأَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:"كَانُوا إِذَا أَتَوْا الرَّجُلَ يَأْخُذُونَ عَنْهُ الْعِلْمَ، نَظَرُوا إِلَى صَلَاتِهِ، وَإِلَى سَمْتِهِ، وَإِلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَنْهُ"أخْبرنا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ. وهو صحيح
ولم نذكرْ في شروطِها الحريةَ، وإنْ ذكرَه الفقهاءُ في الشهاداتِ؛ لأنَّ العبدَ مقبولُ الروايةِ بالشروطِ المذكورةِ بالإجماعِ، كما حكاه الخطيبُ بخلافِ الشهادةِ. على أنَّ جماعةً من السلفِ أجازوا شهادةَ العبدِ العدلِ. وإنْ كان الجمهورُ على خلافِ ذلك. وهذا مما تفترقُ فيه الروايةُ والشهادةُ، كما ذكرهُ القاضي أبو بكرٍ وغيرُهُ.
فهذهِ إذًا شروطُ العدالةِ في الروايةِ. ومَنْ يقبلُ أيضًا روايةَ الصبيِّ المميِّزِ الموثوقِ به، لم يشترطِ البلوغَ. وفي المسألةِ وجهانِ حكاهما البغويُّ والإمامُ وتَبِعهَما الرَّافعيُّ، إلا أنّهُ قيَّدَ الوجهينِ في التيمُّمِ بالمُراهِقِ، وصحَّحَ عدمَ القبولِ، وتَبِعَهُ عليه النوويُّ، وقيَّدَهُ في استقبالِ القبلةِ بالمميِّزِ، وحكى عن الأكثرين عدمَ القبولِ. وحكى النوويُّ في"شرحِ المهذَّبِ"عن الجمهورِ قبولَ أخبارِ الصبيِّ المميِّزِ فيما طريقُهُ المشاهدةُ بخلافِ ما طريقُهُ النقلُ، كالافتاءِ، وروايةِ الأخبارِ، ونحوهِ وسبقَهُ إلى ذلك المُتَولِّي فتبعَهُ، واللهُ أعلمُ.
الضبط: ويعنون به أن يكون الراوي، غير مخالف للثقات ولا سيء الحفظ ـ ولا فاحش الغلط ـ ولا مغفلًا ـ ولا كثير الأوهام.
وقد نصَّ الشافعيُّ على اعتبارِ هذهِ الأوصافِ فيمَنْ يحتجُّ بخبرِهِ، فقالَ في كتابِ"الرسالةِ"التي أرسلَ بها إلى عبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ: لا تقومُ الحجةُ بخبرِ الخاصّةِ حتّى يَجمعَ أمورًا منها: أنْ يكونَ مَنْ حَدَّثَ به ثقةً في دينِهِ، معروفًا بالصدقِ في حديثِهِ، عاقِلًا لما يُحدِّثُ به، عالِمًا بما يُحِيلُ مَعانِيَ الحديثِ من اللفظِ، أو يكونَ ممَّنْ يُؤَدِّي الحديثَ بحروفِهِ، كما سمعَهُ، لا يُحدِّثُ به على المعنى؛ لأنَّهُ إذا حدَّثَ به على المعنى، وهو غيرُ عالمٍ بما يحيلُ معناهُ، لم يَدْرِ لعلَّهُ يُحيلُ الحلالَ إلى الحرامِ. وإذا أدَّاهُ بحروفِهِ فلم يَبْقَ وجهٌ يُخافُ فيه إحالتُهُ الحديثَ، حافظًا إنْ حدَّثَ مِنْ حفظِهِ، حافظًا لكتابِهِ إنْ حدَّثَ مِن كتابِهِ، إذا شَرِكَ أهلَ الحفظِ في الحديثِ وافَقَ حديثَهُم، بريئًا من أنْ يكونَ مُدلِّسًا، يُحَدِّثُ عمَّنْ لقيَ ما لم يَسْمَعْ منه، ويحدِّثُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بما يُحدِّثُ الثقاتُ خلافَهُ، ويكونُ هكذا مَنْ فوقَه ممَّنْ حدَّثَهُ، حتى يُنْتهَى بالحديثِ موصُولًا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى مَنْ انْتُهيَ بهِ إليهِ دونَهُ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم مُثبِّتٌ مَنْ حَدَّثَهُ ومُثْبِتٌ على مَن حَدَّثَ عنه، فلا يُسْتغنَى في كلِّ واحدٍ منهم عمّا وصفْتُ. انتهى كلامُ الشافعيِّ رضي الله عنه. [11]
تثبت العدالة بأحد أمرين:
بتنصيصُ معدّلِينَ على عدالتِهِ، كما في الشهادةِ.
واختلفوا هل تثبتُ العدالةُ والجرحُ بالنسبةِ إلى الروايةِ بتعديلِ عدلٍ واحدٍ وجَرحِه، أو لا يثبتُ ذلك إلا باثنينِ، كما في الجرحِ والتعديلِ في الشهادات؛ على قولينِ. وإذا جُمعتِ الروايةُ مع الشهادةِ صارَ في المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ:
أحدُها: أنّهُ لا يقبلُ في التزكيةِ إلا رجلانِ، سواءٌ التزكيةُ للشهادةِ والروايةِ وهو الذي حكاهُ القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ عن أكثرِ الفقهاءِ من أهلِ المدينةِ وغيرِهم.
والثاني: الاكتفاءُ بواحدٍ في الشهادةِ والرواية معًا، وهو اختيارُ القاضي أبي بكرٍ المذكورِ؛ لأنَّ التزكيةَ بمثابةِ الخبرِ. قال القاضي: والذي يوجبُهُ القياسُ وجوبُ قَبولِ تزكيةِ كُلِّ عدلٍ مَرْضِيٍّ، ذكرٍ، أو أنثى، حرٍّ أو عبدٍ، لشاهدٍ ومُخبِرٍ.
والثالثُ: التفرقةُ بين الشهادةِ والروايةِ، فيشترطُ اثنانِ في الشهادةِ ويُكتفى بواحدٍ في الروايةِ. ورجَّحَهُ الإمامُ فخرُ الدينِ، والسيفُ الآمديُّ ونقلَهُ عن الأكثرينَ. وكذلك نقلَهُ أبو عمرٍو بنُ الحاجبِ عن الأكثرينَ، وهو مخالفٌ لما نقلهُ القاضي عنهم. قال ابنُ الصلاحِ: والصحيحُ الذي اختارهُ الخطيبُ وغيرُهُ أنَّهُ يثبتُ في الروايةِ بواحدٍ؛ لأنَّ العددَ لَمْ يُشترطْ في قبولِ الخبرِ، فَلَمْ يشترطْ في جرحِ راويهِ وتعديلهِ بخلافِ الشهاداتِ. [12]
وإما بالاستفاضة والشهرة، فمن اشْتُهرت عَدَالته بين أهل العلم من أهل الحديث أو غيرهم وشَاع الثَّناء عليه بها, كفى فيها أي في عدالته, ولا يحتاج مع ذلك إلى مُعدِّل ينص عليها, كمالك والسُّفيانين, والأوزاعي, والشَّافعي, وأحمد بن حنبل وأشباههم.
قال ابن الصَّلاح [13] : هذا هو الصَّحيح في مذهب الشَّافعي, وعليه الاعتماد في أصول الفقه.
(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 15) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 5) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 89) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 194) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 180) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 16) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 14)
(2) - في شرح النخبة ص 38.
(3) - في شرح النخبة ص 37 وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 198) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 182) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 15)
(5) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 180)
(6) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 19) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 11) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 268) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 26) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 233) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 235) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 241) وتوضيح الأفكار - (ج 2 / ص 114) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 102)
(7) - أخرجه الخطيب في الكفاية (246 - 251) وقال عقبه:
فَإِنَّ صَالِحَ بْنَ حَسَّانَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ , وَهُوَ مِمَّنِ اجْتَمَعَ نُقَّادُ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ , لِسُوءِ حِفْظِهِ وَقِلَّةِ ضَبْطِهِ , وَكَانَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , تَارَةً مُتَّصِلًا وَأُخْرَى مُرْسَلًا , وَيَرْفَعُهُ تَارَةً وَيُوقِفُهُ أُخْرَى , وَأَنَا أَسُوقُ رِوَايَاتِهِ لَهُ عَلَى اخْتِلَافِهَا عَنْهُ، وساقها جميعًا وقال عقبه: عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَوْ ثَبَتَ إِسْنَادُهُ وَصَحَّ رَفْعُهُ , لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَوَازُ الْأَمَانَةِ فِي الْخَبَرِ , بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْعَبْدِ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(8) - معرفة السنن و الآثار (21) بدون سند
(9) - الكفاية (58) وهو صحيح
(10) - صحيح مسلم (26)
(11) - الرسالة للشافعي ص 371 وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 103) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 26) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 3 / ص 97)
(12) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 105) والرفع والتكميل في الجرح والتعديل - (ج 1 / ص 5)
(13) - علوم الحديث ص 137