المبحث الثالث
كتابةُ الحديث وضبطه والتصنيف فيه [1]
1-حكم كتابة الحديث:
اختلف السَّلف من الصَّحابة والتَّابعين في كتابة الحديث, فكرهها طائفةٌ منهم: ابن عُمر وابن مسعُود, وزيد بن ثابت, وأبو مُوسى, وأبو سعيد الخُدْري, وأبو هُريرة, وابن عبَّاس, وآخرُونَ.
وأباحها طائفة وفعلوها, منهم: عُمر وعلي, وابنه الحُسين, وابن عَمرو, وأنس, وجابر, وابن عبَّاس, وابن عُمر أيضًا, والحسن, وعطاء, وسعيد بن جُبير, وعُمر بن عبد العزيز.
وحكاهُ عياض [2] عن أكثر الصَّحابة والتَّابعين, منهم: أبو قِلاَبة وأبو المُليح, ومن مُلح قوله فيه: يعيبُون علينا أن نكتب العلم ونُدونه, وقد قال الله عزَّ وجل: { قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (52) سورة طه.
قال البَلْقيني [3] : وفي المَسْألة مذهب ثالث, حكاهُ الرَّامهرمزي, وهو الكِتَابة, والمحو بعد الحفظ.
ثمَّ أجمعوا بعد ذلك على جَوَازها وزال الخلاف. ولولم يُدَوَّن الحديث في الكتب لضاع في الأعصار المتأخرة لاسيما في عصرنا.
قال ابن الصَّلاح [4] : ولولا تدوينه في الكُتب لدرس في الأعْصُر الأخيرة.
2-سببُ الاختلاف في حكم كتابته:
وسبب الخلاف في حكم كتابته أنه وردت أحاديث متعارضة في الإباحة والنهي ، فمنها:
حديث النهي: ما رواه مسلم [5] عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ تَكْتُبُوا عَنِّى وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّى وَلاَ حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » .
حديث الإباحة: ما أخرجه الشيخان البخارى برقم (2434 ) ومسلم برقم (3371) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ قَامَ فِى النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِى ، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِى ، فَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلاَ تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى ، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ » . فَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلاَّ الإِذْخِرَ ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِلاَّ الإِذْخِرَ » . فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - فَقَالَ اكْتُبُوا لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « اكْتُبُوا لأَبِى شَاهٍ » . قُلْتُ لِلأَوْزَاعِىِّ مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِى سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . -يقيد: يقتص
وكما في سنن أبى داود برقم (3648 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَىْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِى قُرَيْشٌ وَقَالُوا أَتَكْتُبُ كُلَّ شَىْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِى الْغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ « اكْتُبْ فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ » . وهو حديث صحيح
وفي صحيح البخارى برقم (113 ) حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّى ، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ""
وسنن الترمذى ( 2878 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَجْلِسُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَيَسْمَعُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - الْحَدِيثَ فَيُعْجِبُهُ وَلاَ يَحْفَظُهُ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ فَيُعْجِبُنِى وَلاَ أَحْفَظُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ » . وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ لِلْخَطِّ. وَفِى الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَلِكَ الْقَائِمِ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. ( قلت: هو ضعيف الحديث)
وفي مصنف ابن أبي شيبة (ج 9 / ص 49) ( 26955) حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمِّهِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ.
26956- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ.
3-الجمعُ بين أحاديث الإباحة والنهي:
لقد جمع العلماء بين أحاديث النهي والإباحة على وجوه منها:
فالإذن لمن خيف نِسْيانهُ, والنَّهي لمن أمِنَ النِّسْيان ووثقَ بحفظه وخيفَ اتِّكاله على الخطِّ إذا كتب, فيكُون النَّهي مخصوصًا..
أو نهى عنه حين خيفَ اختلاطه بالقُرآن, وأذن فيه حين أمِنَ ذلك, فيكُون النَّهي منسوخًا..
وقيل: المُرَاد النَّهي عن كِتَابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة, لأنَّهم كانوا يسمعُون تأويل الآية, فربَّما كتبُوه معها, فنُهوا عن ذلك لخوف الاشْتَباه.
وقيل: النَّهي خاصٌّ بوقت نُزُول القُرآن, خشية الْتباسهِ, والأذن في غيرهِ.
وقال ابن قتيبة [6] :"إن في هذا معنيين: أحدهما أن يكون من منسوخ السنة بالسنة، كأنه نهى في أول الأمر عن أن يكتب قوله، ثم رأى بعد ذلك لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد. والمعنى الآخر: أن يكون خص بهذا عبد الله بن عمرو لأنه كان قارئا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له"
وقال العباد [7] :"والحاصل: أن كتابة العلم ثابتة، ولو لم تكن الكتابة حاصلة ما وصلت هذه الأحاديث الكثيرة وهذا السنن بالتناقل وأخذ أشخاص عن أشخاص، لكن بهذه الكتابة وبهذا التدوين نفع الله عز وجل بهذه الكتابة وحفظ الله سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتدوينها وكتابتها. ولهذا يقول ابن القيم: لو لم تحصل الكتابة لم يصل إلينا من العلم إلا الشيء اليسير، لكن الكتابة هي التي بها وصل إلينا ما وصل من هذه الأسفار وهذه المجلدات من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقوله: (فنهتني قريش) المقصود: رجال من قريش، والمقصود: المسلمون، وليس المقصود الكفار، فالذين نهوه هم مسلمون من الصحابة، لكنهم خشوا أن يكون هناك شيء يحصل وهو غير مقصود، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن كل ما يصدر منه - صلى الله عليه وسلم - حق، وأنه إن حصل منه شيء في حال الغضب فهو حق، ولا يصدر منه إلا حق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، سواء في حال الرضا أو في حال الغضب." [8]
ومن هنا يتبين بطلان قول من قال: إن السنة لم تدون في عصر الرسالة ، والحق أنها دونت لكن ليس بالصورة التي تمت فيما بعد في عصور التدوين ، غير أن من المجمع عليه أنها كانت محفوظة في الصدور ، وفي بعض الصحائف والسطور في عصر الصحابة ، وتلقاها عنهم التابعون ، ثم بدأ التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عن الجميع .
يُستحب ضبطُ المُشْكل في نفس الكِتَاب وكتبه أيضًا مَضْبوطًا واضحًا في الحاشية قِبَالته فإنَّ ذلك أبلغ, لأنَّ المضبُوط في نفس الأسْطر ربَّما داخلهُ نقط غيره وشكله مِمَّا فوقه أو تحته, لا سيمَا عند ضيقهَا ودقَّة الخط.
ويُشْكل المُشْكِل لاسيما أسماء الأعْلام ، لأن ، ها لا تُدْرَك بما قبلها ولا بما بعدها . وأن يكون خطه واضحًا على قواعد الخط المشهورة
ولا يَنْبغي أن يَصْطلح مع نفسهِ في كتابه برمز لا يعرفه النَّاس فيُوقع غيره في حيرة في فهم مُرَاده وإن فعل ذلك فليُبين في أوَّل الكتاب, أو آخره مراده.
وينبغي أن يعتني بضبط مُختلف الرِّوايات وتَمْييزها, فيجعل كِتَابه مَوْصولًا على رِوَاية واحدة ثمَّ ما كان في غيرها من زِيَادات ألْحقهَا في الحاشية.
أو نقص أعلم عليه, أو خِلاف كتبهُ, مُعينًا في كلِّ ذلك من رواه, بتمام اسمه, لا رامزًا له بحرف أو بحرفين من اسمه إلاَّ أن يُبين أوَّل الكتاب, أو آخره مراده بتلك الرموز.
واكتفَى كثيرونُ بالتمييز بحمرة, فالزِّيادة تُلحق بحمرة, والنقص يُحوَّق عليه بحمرة, مُبينًا اسم صاحبها أوَّل الكتاب أو آخره.
وينبغي أن يجعل بين كلِّ حديثين دائرة للفصل بينهما نقل ذلك عن جَمَاعات من المُتقدِّمين كأبي الزِّناد, وأحمد بن حنبل, وإبراهيم الحَرْبي, وابن جرير.
وينبغي أن يُحافظ على كتابة الصَّلاة والتَّسليم على رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّما ذُكر ولا يَسْأم من تِكْراره فإنَّ ذلك من أكثر الفوائد الَّتي يتعجَّلها طالب الحديث.
ومن أغفلهُ حُرم حظًّا عظيمًا ودليله كما في مسند أحمد برقم (1762) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ ثُمَّ لَمْ يُصِلِّ عَلَىَّ » . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ « فَلَمْ يُصَلِّ عَلَىَّ » - صلى الله عليه وسلم - كَثِيرًا. وهو حديث صحيح
وفي صحيح ابن حبان (911) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةً. (صحيح)
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، إِذْ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ أَكْثَرَ صَلاَةٍ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُمْ.
ولا يتقيَّد فيه أي ما ذكر من كِتَابة الصَّلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - بما في الأصل إن كان ناقصًا بل يكتبه ويتلفَّظ به عند القراءة مُطلقًا, لأنَّه دُعاء, لا كلام يرويه, وإن وقع في ذلك الإمام أحمد, مع أنَّه كان يُصلِّي نُطْقًا لا خطًّا, فقد خالفهُ غيره من الأئمة المُتقدِّمين, ومال إلى صنيع أحمد ابن دقيق العيد فقال: ينبغي أن يتبع الأصُول والرِّوايات, وإذا ذكر الصَّلاة لفظًا من غير أن تَكُون في الأصل, فينبغي أن تصحبها قرينة تدل على ذلك, كرفع رأسه عن النَّظر في الكتاب, وينوي بقلبه أنَّه هو المُصلِّي لا حاكٍ لها عن غيره.
وكذا ينبغي المُحافظة على الثَّناء على الله سُبحانه وتعالى, كعزَّ وجلَّ وسُبحانه وتَعَالى وشبههُ وإن لم يكن في الأصل.
وكذا التَّرضي, والترحُّم على الصَّحابة والعُلماء وسائر الأخيار.
ولا يستعمل عزَّ وجلَّ ونحوه في النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , وإن كان عزيزًا جليلًا, ولا الصَّلاة والسَّلام في الصَّحابة استقلالًا, ويجوز تبعًا.
وإذَا جاءت الرِّوايةُ بشيء منهُ, كانت العِنَايةُ به أشدَّ, ويُكره الاقتصارُ على الصَّلاة أو التَّسليم, والرَّمزُ إليهمَا في الكِتَابة, بل يكتُبُهما بكمَالهما.
وإذا جاءت الرِّواية بشيء منهُ كانت العِنَايةُ به في الكتاب أشد وأكثر.
ويُكره الاقتصار على الصَّلاة, أو التسليم هنا وفي كلِّ موضع شرعت فيه الصَّلاة كما في «شرح مسلم» وغيره, لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) سورة الأحزاب، وإن وقع ذلك في خط الخطيب وغيره.
يَنْبغي أن يُجمع عند ذِكْره - صلى الله عليه وسلم - بين الصَّلاة عليه بلسانه وبنانه,
و يكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين, كمن يكتب صلعم بل يكتبهما بكمالهما ويقال: إنَّ أوَّل من رمزهما بصلعم قُطعت يده.
5-المقابلة وكيفيتها:
على الطالبِ مقابلةُ كتابهِ بكتابِ شيخهِ الذي يرويهِ عنه ؛ سماعًا ، أو إجازةً ، أو بأَصلِ أَصْلِ شيخِهِ المُقَاْبَلِ بهِ أصلُ شيخهِ ، أو بِفَرْعٍ مقابَلٍ بأصْلِ السماعِ ؛ المقابلةَ المشروطةَ . وقالَ القاضي عياضٌ: مقابلةُ النُّسْخةِ بأصلِ السَّماعِ متعيّنةٌ ، لابدَّ منها ، وقد قالَ عروةُ لابنِهِ هِشَامٍ: عَرَضْتَ كتابَكَ ؟ قالَ: لا. قالَ: لم تكتُبْ ؟ وقالَ الأوزاعيُّ ، ويحيى بنُ أبي كثيرٍ: مَثَلُ الذي يكتبُ ولا يعارِضُ مثلُ الذي يَدخلُ الخلاءَ ولا يَسْتَنْجِي . وعنِ الأخفشِ ، قالَ: إذا نُسِخَ الكتابُ ولم يُعَارَضْ ، ثُمَّ نُسِخَ ولم يُعَارَضْ ، خَرَجَ أَعْجَمِيًَّا .
ثُمَّ أفضلُ المعارضةِ أنْ يُعارِضَ كتابَهُ بنفسِهِ مع شيخِهِ بكتابِهِ في حالِ تحديثِهِ بهِ . وقالَ أبو الفضلِ الجاروديُّ: أصدقُ المعارضةِ مع نفسِكَ . والقولُ الأولُ أَوْلَى . وقالَ بعضُهم: لا تصحُّ مقابلتُهُ مع أحدٍ غيرِ نفسِهِ ، ولا يُقلِّدُ غيرَهُ ، حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِ أهلِ التحقيقِ . قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وهذا مذهبٌ متروكٌ .
اختلفوا في جوازِ روايةِ الراويِ من كتابه الذي لم يُعارَضْ ، فقالَ القاضي عياضٌ: لا يَحِلُّ للمسلمِ التقيِّ الروايةُ مما لم يُقابِلْ بأصلِ شيخِهِ، أو نسخةٍ تحقَّقَ ووَثِقَ بمقابلتِها بالأَصْلِ، وتكونُ مقابلتُه لذلك مَعَ الثقةِ المأمونِ على ما ينظرُ فيهِ.فإذا جاءَ حرفٌ مُشِكلٌ نظرَ معهَ حتى يحقِّقُوا ذلكَ. وذهبَ الأستاذُ أبو إسحاق الإسفرايينيُّ إلى الجوازِ، وسُئِلَ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ هل للرَجُلِ أَنْ يُحَدِّثَ بما كَتَبَ عن الشيخِ ولم يُعارِضْ بأَصْلِه؟ قالَ: نَعَمْ. ولكنْ لابُدَّ أنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يُعارِضْ. وإليهِ ذهبَ أبو بكرٍ البرقانيُّ، وأجازَهُ الخطيبُ بشرطِ أَنْ تكونَ سختُهُ نُقِلَتْ من الأَصلِ ، وأن يُبَيِّنَ عِنْدَ الروايةِ أَنَّهُ لَمْ يُعارضْ . قالَ ابنُ الصلاحِ: ولابُدَّ مِنْ شرطٍ ثالثٍ، وهو أَنْ يكونَ ناسخُ النُّسْخَةِ من الأَصْلِ غيرَ سَقِيْمِ النقلِ، بل صحيحَ النقلِ ، قليلَ السَّقَطِ ، ثُمَّ إِنَّهُ ينبغي أَنْ يُرَاعيَ في كتابِ شيخِهِ بالنسبةِ إلى مَنْ فَوْقَهُ مثلَ ما ذكرنا أَنَّهُ يراعيهِ من كتابِهِ ولا يكونَنَّ كَمنْ إذا رأى سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأهُ عليهِ مِنْ أيِّ نسخةٍ اتفقتْ . والتَّهَوُّرُ: الوقوعُ في الشيءِ بقلَّةِ مبالاةٍ ، قالَهُ الجوهريُّ . [9]
6-اصطلاحات في كتابة ألفاظ الأداء وغيرها:
غلب على كثير من كُتَّاب الحديث الاقتصار على الرمز في ألفاظ الأداء فمن ذلك أنهم يكتبون:
حدثنا:"ثنا"أو"نا".
أخبرنا:"أنا"أو"أرنا".
تحويل الإسناد إلى إسناد آخر: يرمزون له بـ"ح"وينطق القارئ بها هكذا"حا"
د) جرت العادة بحذف كلمة"قال"ونحوها بين رجال الإسناد خَطَّا ، وذلك لأجل الاختصار ، لكن ينبغي للقارئ التلفظ بها ، مثل"حدثنا عبدالله بن يوسف أخبرنا مالك"فينبغي على القارئ أن يقول"قال أخبرنا مالك"كما جرت العادة بحذف"أَنَّهُ"في أواخر الإسناد اختصارا .مثل"عن أبي هريرة قال"فينبغي للقارئ النطق بـ"أنه"فيقول"أنه قال"وذلك تصحيحًاَ للكلام من حيث الإعْراب .
7-الرحلة في طلب الحديث:
لقد اعتنى سلفنا بالحديث عناية ليس لها نظير ، وصرفوا في جمعه وضبطه من الاهتمام والجهد والوقت ما لا يكاد يصدقه العقل ، فبعد أن يجمع أحدهم الحديث من شيوخ بلده يرحل إلى بلاد وأقطار أخرى قريبة أو بعيدة ليأخذ الحديث من شيوخ تلك البلاد ، ويتجشم مشاق السفر وشظف العيش بنفس راضية ،وقد صنف الخطيب البغدادي كتابًا سماه"الرحلة في طلب الحديث"جمع فيه من أخبار الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الرحلة في طلب الحديث ما يعجب الإنسان لسماعه ، فمن أحب سماع تلك الأخبار الشيقة فعليه بذلك الكتاب فإنه مُنَشَّط لطلاب العلم ، شاحذ لهممهم مُقَوِّ لعزائمهم ،ففي سنن أبى داود (4162 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ آتِكَ زَائِرًا وَلَكِنِّى سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ. قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَمَا لِى أَرَاكَ شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الإِرْفَاهِ. قَالَ فَمَا لِى لاَ أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِىَ أَحْيَانًا. ( وهو صحيح)
(1) - الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 17) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 12) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 19) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 331) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 28) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 30) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 45) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 149) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 306) والغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 27) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 4 / ص 15) وتوضيح الأفكار - (ج 2 / ص 352) .
(2) - الإلماع ص 147
(3) - محاسن الاطلاع ص 302
(4) - علوم الحديث ص 204
(5) - برقم (7702 )
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 389)
قَالَ الْقَاضِي: كَانَ بَيْن السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اِخْتِلَاف كَثِير فِي كِتَابَة الْعِلْم ، فَكَرِهَهَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ ، وَأَجَازَهَا أَكْثَرهمْ ، ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازهَا ، وَزَالَ ذَلِكَ الْخِلَاف . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث الْوَارِد فِي النَّهْي ، فَقِيلَ: هُوَ فِي حَقّ مَنْ يَوْثُق بِحِفْظِهِ ، وَيُخَاف اِتِّكَاله عَلَى الْكِتَابَة إِذَا كَتَبَ . وَتُحْمَل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالْإِبَاحَةِ عَلَى مَنْ لَا يَوْثُق بِحِفْظِهِ كَحَدِيثِ:"اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاه"وَحَدِيث صَحِيفَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَحَدِيث كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم الَّذِي فِيهِ الْفَرَائِض وَالسُّنَن وَالدِّيَات . وَحَدِيث كِتَاب الصَّدَقَة وَنُصُب الزَّكَاة الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِين وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ كَانَ يَكْتُب وَلَا أَكْتُب ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث .
وَقِيلَ: إِنَّ حَدِيث النَّهْي مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَكَانَ النَّهْي حِين خِيفَ اِخْتِلَاطُهُ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا أَمِنَ ذَلِكَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَة ، وَقِيلَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ كِتَابَة الْحَدِيث مَعَ الْقُرْآن فِي صَحِيفَة وَاحِدَة ؛ لِئَلَّا يَخْتَلِط ، فَيَشْتَبِه عَلَى الْقَارِئ فِي صَحِيفَة وَاحِدَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
(6) - تأويل مختلف الحديث - (ج 1 / ص 88) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 41)
(7) - شرح سنن أبي داود ـ عبد المحسن العباد - (ج 19 / ص 261)
(8) - وانظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 4092) و فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 8122)
(9) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 154) وبحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 46) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر (ج 1 / ص 233) ومقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 39) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 342)