1-تعريفُه:
أ) لغة: هو اسم فاعل من"الاضطراب"وهو اختلال الأمر وفساد نظامه، وأصله من اضطراب الموج ، إذا كثرت حركته وضرب بعضه بعضًا .
ب) اصطلاحًا: هو الحديث الذي تختلف فيه الرواة مع اتحاد مصدرهم، ولم يستقم التوفيق بينهم ولا الترجيح على طريقة المحدثين النقاد، وإن كان ذلك ممكنا على التجويز العقلي المجرد،
2-شرح التعريف:
أي هو الحديث الذي يُرْوَى على أشكال متعارضة متدافعة، بحيث لا يمكن التوفيق بينها أبدًا، وتكون جميع تلك الروايات متساوية في القوة من جميع الوجوه، بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح.
3-شروط تحقق الاضطراب:
يتبين من النظر في تعريف المضطرب وشرحه أنه لا يسمى الحديث مضطربًا إلا إذا تحقق فيه شرطان وهما:
اختلاف روايات الحديث بحيث لا يمكن الجمع بينهما.
تساوي الروايات في القوة بحيث لا يمكن ترجيح رواية على أخرى .
أما إذا أمكن الجمع فَلاَ اضطراب ، وكذا إذا أمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية ، فَلاَ اضطراب إذن فالراجحة محفوظة [2] أو معروفة [3] والمرجوحة شاذة [4] أو منكرة [5] .
وإذا كان المخالف ضعيفًا فلا تعل رِوَايَة الثقات برواية الضعفاء [6] فمن شروط الاضطراب تكافؤ الروايات [7] .
وقد لا يضر الاختلاف إذا كان من عدة رواة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ يذكر الْجَمِيْع ، ويخبر كُلّ راوٍ بِمَا حفظه عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - [8] . وَلَيْسَ كُلّ اختلاف يوجب الضعف [9] إنما الاضطراب الَّذِي يوجب الضعف هُوَ عِنْدَ اتحاد المدار، وتكافؤ الروايات، وعدم إمكان الجمع ، فإذا حصل هذا فهو اضطراب مضعف للحديث، يومئ إلى عدم حفظ هذا الراوي أو الرواة لهذا الحديث . قال ابن دقيق العيد: (( إذا اختلفت الروايات ، وكانت الحجة ببعضها دون بعضٍ توقف الاحتجاج بشرط تعادل الروايات ، أما إذا وقع الترجيح لبعضها ؛ بأن يكون رواتها أكثر عددًا أو أتقن حفظًا فيتعين العمل بالراجح ، إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى ، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح ) ) [10] .
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: (( الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين: أحدهما استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ، ولا يعل الصحيح بالمرجوح .
ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد الْمُحَدِّثِيْن ، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه ، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك )) [11] .
وَقَالَ المباركفوري: (( قَدْ تقرر في أصول الحديث أن مجرد الاختلاف ، لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدم ) ) [12] .
فإن صورة الجمع بين الروايات المختلفة وأمثلتها بحاجة إلى معرفتها في هذه المناسبة حتى يكون منهج المحدثين في معالجة ظاهرة الاختلاف في رواية الحديث واضحا بجميع جوانبها وأبعادها.
وأما مثال الجمع بين الروايات المختلفة فحديث: أفطر الحاجم والمحجوم الذي رواه جماعة من الرواة عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِى لِثَمَانَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ « أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ » . قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ بِإِسْنَادِ أَيُّوبَ مِثْلَهُ. [13] ،
وخالفهم بعض الرواة فرووه عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ - يَعْنِى الرَّحَبِىَّ - عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ » . قَالَ شَيْبَانُ أَخْبَرَنِى أَبُو قِلاَبَةَ أَنَّ أَبَا أَسْمَاءَ الرَّحَبِىَّ حَدَّثَهُ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [14] .
هذا الاختلاف الذي ظهر بين الرواة عن شيخهم أبي قلابة مما يجعل الناقد يتأمل فيه، ويبحث عما قاله أبو قلابة: فهل قال عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس؟ أو عن أبي أسماء عن ثوبان ؟ أو رواه هكذا مرة وهكذا أخرى .
وعلى الرغم من وجود الاختلاف في حديث أبي قلابة فإن النقاد لم يحكموا عليه بالاضطراب، بل حكموا بصحته على الوجهين، وذلك لقرينة تدل على أنه حدث بهما جميعا.
يقول الإمام الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فصححه فقلت: وكيف ما فيه من اضطراب ؟ فقال: كلاهما عندي صحيح ، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي الأشعث عن شداد بن أوس ، روى الحديثين جميعا . وهكذا ذكروا عن علي بن المديني أنه قال: حديث شداد بن أوس وثوبان صحيحان [15] .
ورواية يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة على الوجهين جميعا تعتبر قرينة قوية، على أن أبا قلابة قد حدث بهما ، والجمع بين الوجوه المختلفة بناء على القرائن هو طريقة المحدثين النقاد ، وليس ذلك على التجويز العقلي، ولم يشر أحد من الأئمة النقاد إلى ذلك عند تصحيح الروايتين عن أبي قلابة.
ويمكن لنا أن نستخلص أن الاضطراب ينتفي عن الحديث إذا تم الجمع بين الوجوه المختلفة أو ترجيح وجه منها على طريقة النقاد، كما أنه لا يعد كل اختلاف اضطرابا، وأن شروط الاضطراب هي: الاتحاد في المصدر ، وعدم إمكانية التوفيق بين الوجوه المختلفة، ولا الترجيح على منهج النقاد، وإن كان ممكنا على التجويز العقلي. [16]
4-أقسامُه:
وقد يقع الاضطراب من راو واحد، أو من رواة ، لخلل طرأ لأحدهم في ضبط ذلك الشيء المضطرب فيه وحفظه، ولذا أصبح المضطرب نوعا من المعلول، وأنت تعرف أن الحديث المضطرب لا يخلو من وجود خطأ فيه، بيد أن هذا الخطأ لا يدرى بالتحديد، وإلا يكون الحديث صحيحا من جيع الوجوه الواردة في روايته، ولا يعرف هذا الاضطراب إلا بالجمع والمقارنة.
وقد يكون الاضطراب في الإسناد، وقد يكون في المتن، وقد يكون فيهما جميعا، وما وقع فيه الاضطراب لا يصح، وإن لم يؤثر في صحة غيره من السند والمتن.
ينقسم المضطرب بحسب موقع الاضطراب فيه إلى قسمين مضطرب السند ومضطرب المتن، ووقوع الاضطراب في السند أكثر .
مثلا إذا اختلف الرواة حول شيخهم ، واضطربوا في اسمه، فذكر بعضهم شخصا، والآخرون شخصا غيره، وكلاهما ثقة، فإن هذا النوع من الاضطراب يقدح فقط في ثبوت شخص بعينه، بدون أن يؤثر ذلك في صحة المتن، لأنه أيا كان هذا الشيخ فالمتن دائر على رواية ثقة، وأما إن كان الاختلاف حول ثقة وضعيف فإنه قادح في تعيين الراوي؛ هل هو هذا الثقة أو ذلك الضعيف، كما أنه يقدح في المتن، لأنه إذا كان راويه ضعيفا، فالحديث يكون حينئذ مما تفرد به الضعيف.
وكحديث أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِى . فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا . قَالَ « قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ » .. [17]
واختلف الرواة على أبي حازم؛ فقال مالك وجماعة: فقد زوجناكها
وقال ابن عيينة: أنكحتكها،
وقال ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن: ملكتكها،
وقال الثوري:أملكتكها ،
وقال أبو غسان:أمكناكها [18] .
فصيغة العقد اضطرب فيها الرواة على أبي حازم، فذلك مما يقدح في تحديد الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الألفاظ، دون أن يؤثر ذلك في صحة المتن عموما، ولهذا رواه البخاري في مواضع من الصحيح معتمدا على ما لم يختلف فيه الرواة، كما هو ظاهر من أبواب الحديث. قلت: ومع هذا فلم يقدح هذا الاختلاف عند العلماء، قال الحافظ ابن حجر: (( وأكثر هذه الروايات في الصحيحين ، فمن البعيد جدًا أن يكون سهل بن سعد - رضي الله عنه - شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مرارًا عديدة ، فسمع في كل مرة لفظًا غير الذي سمعه في الأخرى [19]
بل ربما يعلم ذلك بطريق القطع - أيضًا - فالمقطوع به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة ، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفظًا منها، وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى )) اهـ [20] .
تحرير معنى الاضطراب يتبين من حصره في الصورتين التاليتين:
الصورة الأولى: أن يروَى الحديث على أوجه مختلفة متساوية في القوة ، بحيث يتعذر الترجيح .
فهذا وإن لم نجزم بخطأ أحد من رواته ، لكن الخطأ موجود من راو أو أكثر من غير تعيين .
وتصح دعوى الاضطراب حين يتعذر الجمع بين الوجوه المختلفة ، فإذا أمكن الجمع فلا اضطراب .
وهذه الصورة واردة في السند والمتن .
فمثالها في السند: ما وقع من الاضطراب الشديد في إسناد حديث جرهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الفخذ عورة".
فهذا الحديث اضطرب فيه الرواة على نحو من عشرين وجهًا مختلفًا ، قد يمكن إرجاع بعض منها إلى بعضها الآخر ، لكن لا انفكاك عن بقاء الاختلاف المؤثر ، الذي يتعذر معه ترجيح بعضها على بعض [21] .
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ لَهُ عِلَّتَانِ: إحْدَاهُمَا: الِاضْطِرَابُ الْمُؤَدِّي لِسُقُوطِ الثِّقَةِ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: زُرْعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: زُرْعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: زُرْعَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَرْهَدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: زُرْعَةُ عَنْ آلِ جَرْهَدٍ عَنْ جَرْهَدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: وَإِنْ كُنْت لَا أَرَى الِاضْطِرَابَ فِي الْإِسْنَادِ عِلَّةً، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ مَنْ يَدُورُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ثِقَةً، فَحِينَئِذٍ لَا يَضُرُّهُ اخْتِلَافُ النَّقَلَةِ عَلَيْهِ إلَى مُرْسَلٍ وَمُسْنَدٍ، أَوْ رَافِعٍ وَوَاقِفٍ، أَوْ وَاصِلٍ، وَقَاطِعٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ غَيْرَ ثِقَةٍ، أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، فَالِاضْطِرَابُ يُوهِنُهُ،أَوْ يَزِيدُهُ وَهْنًا وَهَذِهِ حَالُ هَذَا الْخَبَرِ، وَهِيَ الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ زُرْعَةَ، وَأَبَاهُ غَيْرُ مَعْرُوفَيْ الْحَالِ، وَلَا مَشْهُورَيْ الرِّوَايَةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. [22]
وَقَدْ ورد حَدِيث لعمار في التيمم بلفظ: (( أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمره بالتيمم للوجه والكفين ) )، وَفِي رِوَايَة: (( إنما يكفيك أن تَقُوْل بيديك هكذا: ثُمَّ ضرب الأرض ضربة وَاحِدَة ، ثُمَّ مسح الشمال عَلَى اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه ) )، وَفِي رِوَايَة: (( ضرب النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بكفيه الأرض ، ونفخ فِيْهما ، ثُمَّ مسح بهما وجهه وكفيه ) )، وَفِي رِوَايَة: (( ثُمَّ ضرب بيديه الأرض ضربة وَاحِدَة ) )، وَفِي رِوَايَة: (( وأمرني بالوجه والكفين ضربة وَاحِدَة ) )، وَفِي رِوَايَة: (( يكفيك الوجه و الكفان ) ) [23] .
فهذا الحَدِيْث يختلف عن الحَدِيْث الأول مِمَّا دعى بَعْض العُلَمَاء إلى الحكم عليه بالاضطراب ، قَالَ الإِمَام التِّرْمِذِي: (( ضعف بَعْض أهل العِلْم حَدِيث عَمَّار عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في التيمم للوجه و الكفين لما روي عَنْهُ حَدِيث المناكب و الآباط ) ) [24] .
وَقَالَ ابن عَبْد البر: (( كُلّ مَا يروى في هَذَا الباب فمضطرب مختلف فِيهِ ) ) [25] . إلا أن بَعْض العُلَمَاء حاولوا أن يوفقوا بَيْنَ الحَدِيْث الأول والثَّانِي باعتبار التقدم و التأخر، وباعتبار أن الأول من فعلهم دُوْنَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ الأثرم: (( إِنَّمَا حكى فِيهِ فعلهم دُوْنَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا حكى في الآخر أَنَّهُ أجنب ؛ فعلّمه عَلَيْهِ الصَّلاَة و السلام ) ) [26] .
وَقَالَ ابن حبان: (( كَانَ هَذَا حَيث نزل آية التيمم قَبْلَ تعليم النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عمارًا كَيْفِيَّة التيمم ثُمَّ علمه ضربة وَاحِدَة للوجه والكفين لما سأل عمارٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن التيمم ) ) [27] .
وذهب الحنفية إلى ترجيح روايته إلى المرفقين لحديثين أحدهما حَدِيث أبي أمامة الباهلي وحَدِيث الأسلع [28] .
وَقَالَ البَغَوِيّ: (( وما روي عن عَمَّار أَنَّهُ قَالَ: تيممنا إلى المناكب ، فَهُوَ حكاية فعله ، لَمْ ينقله عن رَسُوْل الله - صلى الله عليه وسلم - كَمَا حكى عن نَفْسه التمعك في حالة الجنابة ، فلما سأل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأمره بالوجه والكفين انتهى إليه ، وأعرض عن فعله ) ) [29] .
قُلْتُ: وما ذكر من توجيه عَلَى هَذَا النحو يشكل عَلَيْهِ أَنَّهُ ورد في الحَدِيْث
الأول: (( فقام المسلمون مَعَ رَسُوْل الله فضربوا بأيديهم ... ) ). [30] اهـ
قلت: كما يصلح له مثالًا حديث:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، فإن البعض اعتبره مضطرب سندًا ومتنًا ، والبعض الآخر ردَّ هذا الاضطراب
قال الزيلعي [31] :
"وَقَدْ أَجَادَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي كِتَابِ الْإِمَامِ جَمْعَ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَرِوَايَاتِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ إطَالَةً تَلَخَّصَ مِنْهَا تَضْعِيفُهُ لَهُ فَلِذَلِكَ أَضْرَبَ عَنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الْإِلْمَامِ مَعَ شِدَّةِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ. وَأَنَا أَذْكُرُ مَا قَالَهُ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا، وَأُبَيِّنُ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ لَفْظًا وَمَعْنًى."
أما اضْطِرَابُهُ فِي اللَّفْظِ، فَمِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ. وَالْمَتْنِ، أَمَّا إسْنَادُهُ، فَمِنْ ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ: أحدهما رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، رَوَاهَا أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ زبير بت عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أبيه سئل النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الْمَاءِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ عليه السلام:"إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ"، وَرَوَاهُ هَكَذَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جعفر عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَكِيعِيُّ. وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَأَبُو عبيد بْنُ أَبِي السَّفَرِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَحَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ. وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ الْحَافِظُ: وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ. وَمُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ الْأَزْرَقِ. وَيَعِيشَ بْنِ الْجَهْمِ. وَغَيْرِهِمْ وَتَابَعَهُمْ الشَّافِعِيُّ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قاله الدارقطني، وذكر ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ رَوَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. وَغَيْرِهِ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، فَدَلَّ رِوَايَتُهُ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن الْحَارِثِ، وَهُوَ مِنْ الْحِجَازِيِّينَ. وَمِنْ أَبِي أُسَامَةَ، - وَهُوَ كُوفِيٌّ - جَمِيعًا عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ. وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى التَّرْجِيحِ، فَيُقَالُ: عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: هُوَ الصَّوَابُ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ثِقَةٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ثِقَةٌ،وَالْحَدِيثُ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَشْبَهُ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ، فَرَوَى عَنْهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ محمد بْنِ جَعْفَرٍ، وَقَالَ: مَرَّةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ، رَوَاهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، سُئِلَ، فَذَكَرَهُ، وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ: وَلَمَّا اُخْتُلِفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ فِي إسْنَادِهِ أَحْبَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَنْ أَتَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا شُعَيْبَ بْنَ أَيُّوبَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَصَحَّ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَصَحَّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ جَمِيعًا، فَكَانَ أَبُو أُسَامَةَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرَّةً يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدَانَ الصَّيْدَلَانِيِّ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ محمد بن جعفر بن الزبير، فذكره ثم رواه عن ابن سعدان عن شعيب بن أيوب عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِمِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْبَيْهَقِيُّ، فَأَخْرَجَ رِوَايَةً عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 17) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 9) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 108) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 222) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 15) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 20) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 118) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 212) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 91) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 117) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 41)
(2) - وهي رواية الثقة إذا خالفها الثقة الأقل حفظًا أو عددًا .
(3) - وهي رواية الثقة التي خالفها الضعيف .
(4) - وهي رواية الثقة التي خالفها من هو أوثق عددًا أو حفظًا .
(5) - وهي رواية الضعيف التي خالفت الثقات .
(6) - فتح الباري 3/213 .
(7) - فتح الباري 5/318 .
(8) - انظر: طرح التثريب 2/30 .
(9) - هدي الساري: 347 .
(10) - بحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 103)
(11) - بحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 103)
(12) - بحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 103)
(13) - سنن أبى داود (2371 ) صحيح
(14) - سنن أبى داود (2369 ) وهو صحيح
(15) - العلل الكبير للترمذي 1/360-364 .
(16) - انظر الحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 41)
(17) - رواه البخاري في الوكالة باب وكالة المرأة في النكاح 4/486 (من فتح الباري ) ومواضع أخرى ، انظر أرقام الحديث فيه 5030 ، 5087 ،5121 ،5126 ،5132 ،5135 ،5141 ،5149 ،5150 . و انظر المسند الجامع - (ج 7 / ص 397) (5098)
(18) - هذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في نكته 2/808 مثالا للاضطراب ، لكن فيه نظر لأنه يمكن الترجيح لقول الإمام مالك وجماعة مثل حماد بن زيد وفضل بن سليمان وزائدة بن قدامة وسفيان الثوري لكثرتهم وإمامتهم .
(19) - القطع بذلك ظاهر لتفرد أبي حازم عن سهل ، به .
(20) - النكت 2/809 -810 .
(21) - انظر المسند الجامع - (ج 4 / ص 965) (3130) والبدر المنير - (ج 4 / ص 14-152)
(22) - نصب الراية - (ج 4 / ص 242)
(23) - انظر الروايات ومخرجيها المسند الجامع - (ج 13 / ص 903) ( 10403-10408)
(24) - جامع التِّرْمِذِي عقب حَدِيث (144) .
(25) - التمهيد 19/287 .
(26) - نصب الراية 1/156
(27) - الإحسان عقب حَدِيث (1307) و ط الرسالة ( 1310 ) .
(28) - المبسوط 1/107 .
(29) - شرح السُّنَّة 2/114 عقب (309) .
(30) - بحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 99)
(31) - نصب الراية - (ج 1 / ص 105) فما بعد