فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 522

"صنَّف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في «الموطأ» من المُرسل والمُنقطع والمُعْضل قال [1] : وجميع ما فيه من قوله: بلغني, ومن قوله: عن الثِّقة عنده, مِمَّا لم يُسْنده: أحد وسُتون حديثًا, كلَّها مُسْندة من غير طريق مالك, إلاَّ أربعة لا تعرف:"

أحدها: وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنِّى لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ » .. [2]

قال: أما هذا الحديث بهذا اللفظ فلا أعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجه من الوجوه مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه والله أعلم .

والثاني: وَحَدَّثَنِى زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُرِىَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِى بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِى طُولِ الْعُمْرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. [3] .

قال: لا أعلم هذا الحديث يروى مسندا من وجه من الوجوه ولا أعرفه في غير الموطأ مرسلا ولا مسندا ،وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك ولكنها رغائب وفضائل وليست أحكاما ولا بنى عليها في كتابه ولا في موطئه حكما

قلت وروى ابن أبي حاتم في التفسير [4] حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنِي مُسْلِمٌ، يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَبِسَ السِّلاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، قَالَ: فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ"، الَّتِي لَبِسَ ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ" ( فهذا إسناد حسن مرسل على الأقل )

والثالث: وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ آخِرُ مَا أَوْصَانِى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِى فِى الْغَرْزِ أَنْ قَالَ « أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ » . [5] .

قال: هكذا روى يحيى هذا الحديث وتابعه ابن القاسم والقعنبي ورواه ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن جبل وهو مع هذا منقطع جدا ولا يوجد مسندا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث معاذ ولا غيره بهذا اللفظ والله أعلم""

قال البزار لا أحفظ في هذا مسندا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال أبو عمر:

يريد بهذا اللفظ، لأنه قد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس قال بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل إلى اليمن فقال:"يا معاذ اتق الله وخالق الناس بخلق حسن وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة". قال قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات قال:"هي من أكبر الحسنات". رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وقد ذكرناه في باب زياد بن أبي زياد .

وقد حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن الحسين الآجري قال حدثنا جعفر بن محمد الفرياني قال حدثنا سعيد بن حفص خال النفيلي قال أخبرنا موسى بن أعين عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله علمني ما ينفعني قال:"اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". ( قلت: هذا صحيح )

والرَّابع: وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ « إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ » [6] ""

قال: هذا حديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير الموطأ إلا ما ذكره الشافعي في كتاب الاستسقاء عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا نشأت بحرية ثم استحالت شآمية فهو أمطر لها".

وابن أبي يحيى مطعون عليه متروك وإن كان فيه نبل ويقظة اتهم بالقدر والرفض وبلاغ مالك خير من حديثه والله أعلم .""

3-حكمُه:

المعضلُ حديثٌ ضعيف ، وهو أسوأ حالا من المرسل والمنقطع [7] ، لكثرة المحذوفين من الإسناد ، وهذا الحكم على المعضل بالاتفاق بين العلماء .

4-اجتماعُه مع بعض صور المعلقَّ:

أن بين المعضل وبين المعلق عمومًا وخصوصًا من وجه .

فيجتمع المعضل مع المعلق في صورة واحدة وهي: إذا حُذف من مبدأ إسناده راويان متواليان . فهو معضل ومعلق في آن واحد .

ويفارقه في صورتين:

إذا حُذف من وسط الإسناد راويان متواليان ، فهو معضل وليس بمعلق .

إذا حذف من مبدأ الإسناد راو فقط ، فهو معلق وليس بمعضل .

5-من مظانِّ المعضَل:

قال السيوطي [8] :"من مَظَانِّ المُعضل, والمُنْقطع, والمُرْسل كتاب «السنن» لسعيد بن منصور, ومؤلفات ابن أبي الدُّنيا."

قلت: وكتاب السنن لم يطبع كله بل بعضه ، وهو يحتوي على المرفوع والموقوف والمطقوع ، وفيه الصحيح والحسن والضعيف

ومثله كتب ابن أبي الدنيا ، ولكن سنن سعيد أفضل بكثير ، لأن ابن ابي الدنيا رحمه الله ذكر كل ما وصل إليه سواء أكان صحيحًا أم غير صحيح ، ولكن التحري عند سعيد أكثر .

مثال من سنن سعيد بن منصور:

2 -سعيد قال: نا جرير بن عبد الحميد ، وأبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال: قال عمر: « تعلموا الفرائض فإنها من دينكم » ( هذا منقطع )

3 -سعيد قال: نا أبو الأحوص ، قال: أنا أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال: « من تعلم القرآن فليتعلم الفرائض » (صحيح موقوف)

4 -سعيد قال: نا محمد بن ثابت العبدي ، قال: ثنا قتادة ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم وأرقهم في أمر الله عمر ، وأشدهم حياء عثمان ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي بن كعب » . وكان يقال: أعلمهم بالقضاء علي ( قلت هذا مرسل وفيه ضعف ، ولكنه جاء من طرق أخرى تقويه )

ـــــــــــــــ

(1) - التمهيد 24/161

(2) - موطأ مالك (224 )

(3) - موطأ مالك (706 )

(4) - تفسير ابن أبي حاتم - (ج 12 / ص 434) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 4 / ص 306) (8785) وقال عقبه:وَهَذَا مُرْسَلٌ.

(5) - موطأ مالك (1636 ) 903/2 الغرز: الركاب

(6) - موطأ مالك (456 )

البحرية: السحابة من ناحية البحر ،الغديقة: مصغر غدقة وهى العين التى كثر ماؤها وفاض

(7) - انظر الكفاية ص 21 والتدريب جـ1 - ص 295.4

(8) - تدريب الراوي جـ1 ـ ص 214 . وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 154)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت