المبحث الثالث والعشرون
بيانُ حال الناس في الصدر الأول وبعده [1]
قال الإمام أبو زيد الدبوسي رحمه الله تعالى في تقويم الأدلة:"كان الناسُ في الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين يبنون أمورهم على الحجَّة فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يصح بالحجة، فكان الرجلُ يأخذ بقول عمر في مسألة ثم يخالفه بقول علي في مسألة أخرى، وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى بحسب ما تتضح لهم الحجة ولم يكن المذهبُ في الشريعة عمرياُ ولا علويًا، بل النسبة كانت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكانوا قرونًا أثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخير فكانوا يرون الحجَّة، لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبتِ التقوى عن عالِمة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجَج جعلوا علماءَهم حجَّة واتبعوهم ، فصار بعضُهم حنفيًّا وبعضُهم مالكيًّا ، وبعضهم شافعيًّا ينصرون الحجةَ بالرجالِ، ويعتقدون الصحةَ بالميلادِ على ذلك المذهب، ثم كلُّ قرنٍ بعدهم اتبع عالمَه كيف ما أصابَه، بلا تمييز حتى تبدلتِ السنن بالبدعِ فضلَّ الحقُّ بين الهوى"انتهى
وقال العلامة الدهلوي [2] :
"كان الناسُ غير مجمعين على التقليد الخالص:"
اعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير مجمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بعينه ، قال أبو طالب المكي في قوت القلوب [3] : إن الكتب والمجموعات محدثةٌ ، والقول بمقالات الناس ، والفتيا بمذهب الواحد من الناس ، واتخاذ قوله ، والحكاية لهمن كل شيء ، والتفقه على مذهبه - لم يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني انتهى .
كان العامة من المسلمين يقلدون صاحب الشرع:
أقول: وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المائة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع ، بل كان فيهم العلماءُ والعامة .
وكان من خير العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين وجمهور المجتهدين لا يقلِّدون إلا صاحبَ الشرع ، وكانوا يتعلمون صفة الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم ، فيمشون حسب ذلك ، وإذا وقعت لهم واقعةُ استفتوا فيها أي مفتٍ وجدوا من غير تعيين مذهب.
كان الخاصةُ من أهل الحديث يشتغلون به:
وكان من خبر الخاصة أنه كان أهل الحديث منهم يشتغلون بالحديث ، فيخلص إليهم من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصحابة مالا يحتاجون معه إلى شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح قد عمل به بعض الفقهاء ، ولا عذر لتارك العمل به ، أو أقوال متظاهرة لجمهور الصحابة والتابعين مما لا يحسن مخالفتها فإن لم يجد في المسألة ما يطمئنُ به قلبه لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك - رجع إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء ، فإن وجد قولين اختار أوثقهما سواء كان من أهل المدينة أومن أهل الكوفة .
كان الخاصةُ من أهل التخريج يخرِّجون ما لا يجدونه مصرحًا:
وكان أهل التخريج منهم يخرِّجون فيما لا يجدونه مصرحا ، ويجتهدون في المذهب ، وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب أحدهم فيقال: فلان شافعي ، وفلان حنفي ، وكان صاحب الحديث أيضًا قد ينسب إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته له ، كالنسائي ، والبيهقي ينسبان إلى الشافعي ، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهدٌ ، ولا يسمَّى الفقيهُ إلا مجتهدا .
بعد القرن الرابع حدثتْ أمورٌ:
ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا . وحدث فيهم أمور:
منها الجدلُ والخلافُ في علم الفقه وتفصيله - على ما ذكره الغزالي - أنه لما انقرض عهدُ الخلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافةُ إلى قوم تولوها بغير استحقاق ولا استقلالٍ بعلم الفتاوى والأحكام ، فاضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم .
وقد كان بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفو الدين ، فكانوا إذا طُلبوا هربوا ، وأعرضوا فرأى أهل تلك الأعصار عن العلماء وإقبال الأئمة عليهم مع إعراضهم ، فاشرأبوا بطلب العلم توصلا إلى نيل العزِّ ودرك الجاه ، فأصبح الفقهاءُ بعد أن كانوا مطلوبين طالبين ، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراضِ عن السلاطين أذلةً بالإقبال عليهم ، إلا من وفقه اللّه .
وقد كان من قبلهم قد صنف ناسٌ في علم الكلام وأكثروا القال والقيل والإيراد والجواب وتمهيد طريق الجدل ، فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من الصدور والملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمهما اللّه ، فتركَ الناسُ الكلام وفنون العلم ، وأقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما اللّه على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وزعموا أن غرضهم استنباطُ دقائق الشرع وتقريرُ علل المذهب وتمهيدُ أصول الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن لسنا ندري ما الذي قدَّر اللّه تعالى فيما بعدها من الأعصار . فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضًا معهم، ولم يسكنوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علمُ الدين وأن لا مطلبَ لهم سوى التقرب إلى رب العالمين انتهى حاصله . [4]
ومنها: أنهم اطمأنوا بالتقليد ، ودبَّ التقليدُ في صدورهم دبيبَ النمل وهم لا يشعرون ، وكان سببُ ذلك تزاحمَ الفقهاء وتجادلَهم فيما بينهم، فإنهم لما وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى كان كلُّ من أفتى بشيء نوقض في فتواه ، وردَّ عليه ، فلم ينقطع الكلام إلا بمسير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة .
وأيضا جورُ القضاة، فإن القضاة لما جار أكثرهم ، ولم يكونوا أمناء لم يقبل منهم إلا ما لا يريبُ العامة فيه ، ويكون شيئًا قد قيل من قبل .
وأيضا جهلُ رؤوس الناس واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ولا بطريق التخريج كما ترى ذلك ظاهرًا في أكثر المتأخرين ، وقد نبَّه عليه ابن الهمام وغيره ، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيهًا .
ومنها: أن أقبل أكثرهم على التعمقاتِ في كل فنٍّ ، فمنهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ، ثم خرج من ذلك إلى التاريخ قديمه وحديثه . . ، ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها وإن دخلت في حد الموضوع . . . ، ومنهم من كثر القيل والقال في أصول الفقه ، واستنبط كل لأصحابه قواعد جدلية ، فأورد ، فاستقصى ، وأجاب ، وتفصَّى ، وعرف ، وقسم ، فحور طول الكلام تارة وتارة أخرى اختصر ، ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها ألا يتعرض لها عاقل وبفحص العمومات والإيماءات من كلام المخرَّجين فمن دونهم مما لا يرتضي استماعه عالم ولا جاهل .
وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك ، وانتصر كلُّ رجل لصاحبه ، فكما أعقبت تلك ملكًا عضوضًا ووقائع صماء عمياء ، فكذلك أعقبت هذه جهلًا واختلاطا وشكوكا ووهما ما لهما من أرجاء ، فنشأت بعدهم قرونٌ على التقليد الصرف لا يميزون الحقَّ من الباطل ولا الجدل عن الاستنباط . . . ، فالفقيهُ يومئذٍ: هو الثرثارُ المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من غير تمييز،وسردها بشقشقة شدقيه . . . ، والمحدث: من عدَّ الأحاديث صحيحها وسقيمها وهذها كهذه الأسمار بقوة لحييه ، ولا أقول ذلك كليا مطردا فإن للّه طائفةً من عبادة لا يضرهم من خذلهم ، وهم حجة اللّه في أرضه ، وإن قلوا ، ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة وأوفر تقليدا وأشد انتزاعا للأمانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين وبأن يقولوا: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} (22) سورة الزخرف ، وإلى اللّه المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان .""
وقال ابن عربي في الفتوحات المكية [5] :"الباب الثامن عشر وثلائمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية بالأعراض النفسية - عافانا الله وإياكم من ذلك ما نصه - بعد أبيات صدر بها هذا الباب:"
"اعلم - وفقنا الله وإياك - أيها الولي الحميم والصفيُّ الكريم أنا روينا في هذا الباب عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أصاب من عرضه فجاء إليه يستحله من ذلك فقاله له يا ابن عباس إنني قد نلت منك فاجعلني في حل من ذلك فقال أعوذ بالله أن أحل ما حرم الله إن الله قد حرم أعراض المسلمين فلا أحله، ولكن غفر الله لك، فانظر ما أعجب هذا التصريف وما أحسن العلم ، ومن هذا الباب حلفُ الإنسان على ما أبيح له فعله أن لا يفعله أو يفعله ففرض الله تحلة الأيمان وهو من باب الاستدراج والمكر الإلهي، إلا لمن عصمه الله بالتنبيه عليه فما ثم شارع إلا الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} (105) سورة النساء، ولم يقل له"بما رأيت"بل عاتبه سبحانه وتعالى لمَّا حرم على نفسه باليمين في قضية عائشة وحفصه فقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) سورة التحريم ، فكان هذا مما أرته نفسه، فهذا يدلك أن قوله تعالى (بما أراك الله) أنه ما يوحي به إليه لا ما يراه في رأيه، فلو كان الدِّينُ بالرأي لكان رأيُ النبي أولى من رأي كلِّ ذي رأيٍ، فإذا كان هذا حالُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رأته نفسُه فكيف برأي من ليس بمعصومٍ، ومن الخطأُ أقربُ إليه من الإصابة ؟ ."
فدلَّ أن الاجتهادَ الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو في طلب الدليل على تعيينِ الحكم في المسألة الواقعةِ ،لا في تشريعِ حكمٍ في النازلةِ، فإن ذلك شرعٌ لم يأذنْ به الله ، ولقد أخبرني القاضي عبد الوهاب الأسدي الإسكندري بمكة المشرفة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: رأيتُ رجلًا من الصالحين بعد موته في المنام فسألته ما رأيتَ؟ فذكر أشياء منها قال: ولقد رأيت كتبًا موضوعةً، وكتبًا مرفوعةً فسألت ما هذه الكتب المرفوعةُ؟ فقيل لي: هذه كتبُ الحديث، فقلت: وما هذه الكتبُ الموضوعة؟ فقيل لي: هذه كتبُ الرأي حتى يسأل عنها أصحابُها، فرأيت الأمر فيه شدةٌ .
اعلم - وفقنا الله وإياكَ - أنَّ الشريعةَ هي المحجَّةُ الواضحةُ البيضاءُ محجَّةُ السعداءِ وطريقُ السعادةِ، من مشَى عليها نجا ومن تركها هلك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطًّا ثُمَّ قَالَ « هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ - ثُمَّ قَالَ - هَذِهِ سُبُلٌ - قَالَ يَزِيدُ - مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ » . ثُمَّ قَرَأَ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام. [6] "وأشار إلى تلك الخطوط التي خطَّها عن يمين الخط ويساره"فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ"وأشار إلى الخط المستقيم ، ولقد أخبرني بمدينة"سلا"- مدينة بالمغرب على شاطئ البحر المحيط يقال لها منقطع التراب ليس وراءها أرض - رجلٌ من الصالحين الأكابر من عامة الناس قال: رأيتُ في النوم محجةً بيضاءَ مستويةً عليها نورٌ سهلةٌ، ورأيتُ عن يمين تلك المحجَّة وشمالها خنادقَ وشعابًا وأوديةً كلَّها شوكٌ لا تسلَكُ لضيقها وتوعُّر مسالكِها ، وكثرةِ شوكِها، والظلمةُ التي فيها، ورأيت جميعَ الناس يخبطون فيها خبطَ عشواءَ، ويتركون المحجَّةَ البيضاءَ السهلةَ، وعلى المحجَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونفرٌ قليلٌ معه يسيرُ وهو ينظر إلى مَن خلفَه، وإذا في الجماعة متأخرٌ عنها لكنهُ عليها الشيخُ أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ قرقور المحدِّث كان سيدًا فاضلًا في الحديث، اجتمعتُ بابنهِ فكان يفهمُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يقول له: نادِ في الناس بالرجوعِ إلى الطريقِ، فكان ابنُ قرقور يرفعُ صوته ويقول في ندائه: ولا من داعٍ ولا من متداعٍ"هلمُّوا إلى الطريق هلمُّوا"قال: فلا يجيبُه أحدٌ، ولا يرجع إلى الطريق أحدٌ ."
"واعلمْ أنه لما غلبتِ الأهواءُ على النفوس، وطلبت العلماءُ المراتبَ عند الملوك تركوا المحجَّة البيضاءَ، وجنحوا إلى التأويلاتِ البعيدةِ لينفذوا أغراض الملوكِ فيما لهم فيه هوى نفس، ليستندوا في ذلك إلى أمرٍ شرعيٍّ مع كون الفقيهِ ربما لا يعتقدُ ذلك ويفتي به ، وقد رأينا منهم جماعةً على هذا من قضاتهم وفقهائهم، ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاحِ الدين يوسفَ بنِ أيوبَ - وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام - فنادى بملوكٍ، وقال: جئني بالحرمدان [7] ؟ فقلت: ما شأنُ الحرمدان؟ قال: أنت تنكرُ عليَّ ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكراتِ والظلمِ وأنا واللهِ أعتقدُ مثلَ ما تعتقدُ أنتَ فيه من أن ذلك كلَّه منكرٌ، ولكن والله يا سيدي ما منه منكرٌ إلا بفتيا فقيهٍ وخطِّ يده عندي بجواز ذلك، فعليهم لعنةُ الله، ولقد أفتاني فقيهٌ هو فلانٌ - وعيَّن لي أفضلَ فقيهٍ عنده في بلده في الدِّين والتقشُّف - بأنه لا يجبُ عليَّ صومُ شهرِ رمضانَ هذا بعينه، بل الواجبُ عليَّ شهرٌ في السنَة، والاختيارُ لي فيه، أي شهرِ السَّنَة، قال السلطانُ: فلعنتُه في باطني ولم أظهرْ له ذلك - وهو فلانٌ فسمَّاه لي - رحم الله جمعيهم."
"فليعلم أنَّ الشيطان قد مكَّنه اللهُ من حضرة الخيال، وجعلَ له سلطانًا فيها ، فإذا رأى أن الفقيهَ يميلُ إلى هوًى يعرفُ أنه لا يرْضَى عند الله زيَّنَ له سوءُ عمله بتأويلٍ غريبٍ ، يمهِّدُ له فيه وجهًا يحسِّنُهُ في نظرهِ ويقولُ له: إنَّ الصدرَ الأولَ قد دانوا الله بالرأي، وقاسَ العلماءُ في الأحكام واستنبطوا العلل للأشياءَ فطردوها، وحكموا في المسكوتِ عنه بما حكموا به في المنصوصِ عليه للعلَّة الجامعة بينهما، والعلَّةُ من استنباطه، فإذا مهَّد له هذا السبيل جنحَ إلى نيل هواهُ وشهوتهِ بوجهٍ شرعيٍّ في زعمه، فلا يزالُ هكذا فعلُه في كلِّ مالَهُ أو لسلطانِه فيه هو نفسٌ، ويردُّ الأحاديث النبوية ويقول: لو أن هذا الحديثَ يكون صحيحًا ، وإن كان صحيحًا يقول: لو لم يكنْ له خبرٌ آخرُ يعارضه، وهو ناسخ له، لقال به الشافعيُّ إن كان هذا الفقيهُ شافعيًا - أو قال به أبو حنيفة - إن كان الرجلُ حنفيًّا - وهكذا قولُ أتباعِ هؤلاء الأئمةِ كلِّهم ، ويرون أن الحديثَ والأخذ به مضلَّةٌ ، وأنَّ الواجبَ تقليدُ هؤلاءِ الأئمةِ وأمثالِهم فيما حكموا به، وإنْ عارضتْ أقوالُهمُ الأخبارَ النبويةَ، فالأولى الرجوعُ إلى أقاويلِهم وتركُ الأخذ بالأخبارِ والكتابِ والسنَّة ، فإنْ قلتَ لهم قد روينا عن الشافعيِّ رحمه الله أنه قال: إذا أتاكم الحديثُ يعارضُ قولي فاضربوا بقولي الحائط وخذوا بالحديث، فإنَّ مذهبي الحديثُ ، وقد روينا عن أبي حنيفة أنه قال لأصحابه: حرامٌ على كلِّ من أفتَى بكلامي ما لم يعرفْ دليلي ، وما روينا شيئًا من هذا عن أبي حنيفة إلا من طريق الحنفيننَ، ولا عن الشافعي إلا من طريق الشافعية ، وكذلك المالكية والحنابلة فإذا ضايقَهم في مجالِ الكلام هربوا وسكنوا ، وقد جرى لنا هذا معهم مرارًا بالمغربِ وبالمشرقِ فما منهم أحدٌ على مذهبِ من يزعُمُ أنه على مذهبِه، فقد انتسختِ الشريعةُ بالأهواءِ، وإن كانتِ الأخبارُ الصِّحاحُ موجودةً مسطَّرةً في الكتب الصِّحاح، وكتبُ التواريخَ بالتجريح والتعديل موجودةٌ ، والأسانيدُ محفوظةٌ مصونةٌ من التغيير والتبديل، ولكنْ إذا تركَ العملُ بها واشتغل الناسُ بالرأيِ ودانوا أنفسَهم بفتاوى المتقدِّمين مع معارضةِ الأخبار الصِّحاحِ لها فلا فرقَ بين عدمِها ووجودِها إذا لم يبقَ لها حكمٌ عندهُم، وأيُّ نسخٍ أعظمُ من هذا ؟ ."
وإذا قلتَ لأحدهم في ذلك شيئًا يقول لك: هذا هو المذهبُ، وهو واللهِ كاذبٌ، فإن صاحبَ المذهب قال له: إن عارضَ الخبر كلامي فخذْ بالحديث واترك كلامي في الحش، فإن مذهبي الحديثَ، فلو أنصفَ لكان على مذهب الشافعيِّ من تركِ كلام الشافعيِّ للحديثِ المعارضِ، فاللهُ يأخذُ بيدِ الجميعِ"انتهى"
ـــــــــــــــ
(1) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 272)
(2) - الانصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 30) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 297)
(3) - قوت القلوب - (ج 1 / ص 225)
(4) - إحياء علوم الدين - (ج 1 / ص 45)
(5) - الفتوحات المكية - (ج 5 / ص 25)
(6) - مسند أحمد (4225) صحيح
(7) - الحرمدان اسم علم