وصف الراوي بهذه العبارة جرى عند المتأخرين حملها على من يكون في مرتبة من يقولون فيه: ( حسن الحديث ) ، والاصطلاح لا حرج فيه ، لكن ليس على ذلك الإطلاق استعمال السلف .
نعم ، هي مرتبة دون الثقة في غالب استمالهم ، بل حديث الموصوف بها على ما نصَّ عليه ابن أبي حاتم عن منهج أئمة الحديث أنه يكتب وينظر فيه ، أي لا يؤخذ ثابتًا على التسليم ، حتى تدفع عنه مظنة الخطأ والوهم ، ويكون ذلك الحديث المعين منه محفوظًا .
و ( الصدوق ) هو من يحكم بحسن حديثه عند اندفاع تلك المظنة .
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عطاء الخراساني ؟ فقال:"لا بأس به ، صدوق"، قلت: يحتج بحديثه ؟ قال:"نعم" [1] .
وقد تأتي ( صدوق ) وصفًا للثقة المبرز في الحفظ والإتقان ، فيكون إطلاقها عليه مجردة لا يخلو من قصور من قبل القائل ، لا ينزل بدرجة ذلك الحافظ ، من أجل ما استقرَّ من العلم بمنزلته .
وذلك مثل قول أبي حاتم الرازي في ( عمرو بن علي الفلاس ) :"كان أرشق من علي بن المديني ، وهو بصري صدوق" [2] .
وجدير أن تعلم أن عبارة ( صدوق ) قد تجامع وصف الراوي بكونه ( ثقة ) في قول الناقد ، يوصف الراوي بهما جميعًا ، فإذا وجدت ذلك في راو ، فالأصل أنه بمنزلة التوكيد لنعته بالثقة من قبل ذلك الناقد .
كقول أحمد بن حنبل في ( أبي بكر بن أبي شيبة ) :"صدوق ثقة" [3] ، فأبو بكر متفق على حفظه وثقته ، فلم يقع هذا النعت له على سبيل التردد بين الوصفين .
وأكثر ما يأتي ذلك على هذا المعنى .
نعم ، قد يطلق الوصفان مجموعين تارة ، ويشعر استعمالهما مقارنة بأوصاف سائر النقاد لذلك الراوي بأن المراد ( هو صدوق أو ثقة ) على سبيل التردد ، كقول أبي حاتم الرازي في ( سماك بن حرب ) :"صدوق ثقة [4] ."
وربما جمع الناقد الأوصاف المتعددة من أوصاف التعديل في الراوي ، والتي لو جاءت مفرقة لكان لكل منها دلالتها ومعناها ، لكنها حيث اجتمعت فإنها تحمل على تأكيد التعديل ، كقول أبي حاتم الرازي في ( السري بن يحيى الشيباني ) :"صدوق ، ثقة ، لا بأس به ، صالح الحديث" [5] ، وقوله في ( عبد الله بن محمد بن الربيع الكرماني ) :"شيخ ثقة صدوق مأمون" [6] .
وربما جمعت إلى وصف أدنى ، فتنزل بالراوي عند الناقد له إلى تلك المرتبة الدنيا ، مع بقاء الوصف بالصدق في الجملة .
مثل: ( عباد بن عباد المهلبي ) ، قال فيه أبو حاتم:"صدوق ، لا بأس به"، قيل له: يحتج بحديثه ؟ قال:"لا" [7] .
أما إذا جاء الوصفان من أكثر من قائل ، فالأصل اعتبار دلالات ألفاظ كل على سبيل الاستقلال ، فإن الرجل يختلف فيه بين أن يكون ثقة أو صدوقًا ، فيصار إلى تحرير أمره تارة بالجمع بين أقوالهم ، وتارة بالترجيح بدليله .
قلت: وقد حكم الحافظ ابن حجر رحمه الله في التقريب على رواة بهذه المرتبة (صدوق) وهم ثقات ، كما تبين لنا بالأدلة القوية ، فلا بد من مقارنة كلامه مع كلام الإمام الذهبي خاصة في هذه المرتبة ، لنعرف هل حديثه حسن أم صحيح .
ـــــــــــــــ
(1) - الجَرح والتعديل ( 7/ 335 ) .
(2) - الجرح والتعديل ( 7 / 249 ) .
(3) - العلل ومعرفة الرجال ( النص: 1658 ) .
(4) - الجرح والتعديل ( 5/ 280 ) .
(5) - الجرح والتعديل ( 5/ 284 ) .
(6) - الجرح والتعديل ( 6 / 162 ) .
(7) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 6 / ص 83)