فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 522

المبحث التاسع والعشرون

أسبابُ ورود الحديث

يعدُّ موضوع (أسباب ورود الحديث) من الموضوعات المهمة في علوم الحديث الشريف المتعلقة بالمتن، وقد اعتنى المحدثون والفقهاءُ بهذا النوع من أنواع علوم الحديث، وحرصوا على إبرازه وضبطه لما له من أثر في فهم النصِّ، وضبط الاستنباط منه.

المطلب الأول - تعريفُه: هو ما ذكر الحديثُ بشأنه وقتَ وقوعه.

فقولنا (بشأنه) أي: لأجله وبسببه، وقد يكون هذا الأمر حادثة وقعت أو سؤالًا طرح، أو نحو ذلك.

وقولنا (وقت وقوعه) خرج به ما ذكِر في بعض الأحاديث من الأخبار عما وقع في الزمن الماضي، كقصص الأنبياء ونحوها.

وهو بهذا يتشابه إلى حد كبير مع (أسبابِ النزول) في علوم القرآن الكريم، قال السيوطي:"إن من أنواع علوم الحديث: معرفة أسبابه، كأسباب نزول القرآن" [1] .

وقال الحسيني:"اعلم أن أسباب ورود الحديث كأسباب نزول القرآن" [2] .

واعتناءُ العلماء بأسباب نزول القرآن، وأسباب ورود الحديث يجلِّي عنايةَ العلماء من السَّلف والخلَف بهذين المصدرين الأصليين: الكتاب والسنة.

المطلب الثاني: أقسامُ الحديث من حيثُ سببُ الورود

قال الحسيني:"الحديث الشريف في الورود على قسمين: ماله سببٌ قيل لأجله، وما لا سببٌ له" [3] .

ومن هنا يتبين أنه يمكن تقسيم الأحاديث من حيث سبب الورود إلى قسمين:

1-أحاديث ابتدائيةٌ.

وهو ما ذكر دون ورود سبب يقتضيه، وأمثلةُ ذلك كثيرة فعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ » [4] ..

2-أحاديث سببيةٌ.

وهو ما تقدَّمه سببٌ اقتضى وروده.

المطلب الثالث- فوائدُ معرفة أسباب ورود الحديث

العلمُ بأسباب ورود الحديث الشريف يفيد كثيرًا للمشتغِل بالحديث والفقه معًا، ومن أبرز الفوائد المتحصِّلة من هذا النوع:

1-إدراكُ حكم التشريع، ومعرفةُ مقاصد الشريعة.

يعدُّ سبب الورود معرِّفًا بالظرف الذي لأجله ذكِر الحديثُ، وما احتفَّ به من الظروف والملابسات، وهذا يفيدُ كثيرًا في مسألة الاجتهاد وتنزيلِ الأحكام على الوقائع والنوازل، ويعينُ في باب القياسِ وضمِّ النظير إلى نظيره.

2-فهمُ الحديث على الوجه الصحيح، وسلامةُ الاستنباط منه.

قال الواحديُّ عن أسباب النزول:"إذ هي أوفى ما يجبُ الوقوفُ عليها، وأولى ما تصرَف العنايةُ إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية، وقصد سبيلها دون الوقوف إلى قصتها وبيان نزولها" [5] .

وقال ابن دقيق العيد:"بيانُ سبب النزول طريقٌ قويٌّ في فهم معاني القرآن" [6] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وَمَعْرِفَةُ"سَبَبِ النُّزُولِ"يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُورِثُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبِّبِ" [7] .

والأمر لا يختلفُ كثيرًا في أسباب ورود الحديث عنه في أسباب نزول القرآن، فالفقيهُ والمجتهدُ بحاجة ماسة إلى النظر في سبب ورود الحديث، حتى لا يحصل الخطأ في فهم النصِّ وتنزيله على غير محله [8]

ولعلي أضرب على ذلك مثالًا يوضح ذلك: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهم - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى سَفَرٍ ، فَرَأَى زِحَامًا ، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: « مَا هَذَا » . فَقَالُوا صَائِمٌ . فَقَالَ: « لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِى السَّفَرِ » [9] .

وهذا مشكل مع ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صام في السفر؛ لكن هذا الإشكالَ ينزاحُ إذا عرف سببُ ورود الحديث، وهو رَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ « مَا لَهُ » . قَالُوا رَجُلٌ صَائِمٌ. فَقَالَ الحديث.

فبمعرفةُ سبب ورود الحديث فهمُ الحديث على وجهه، وسلَّمُ الاستنباط منه، وأن الصيام في السفر لا يكونُ من البرِّ إذا بلغ بالمرء من الجهدِ والمشقَّة كحال ذلك الرجل.

3-تخصيصُ العام.

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: مَا سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ الْعُشْرُ ، وَمَا سُقِيَ بِالْغُرْبِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ. [10]

فهذا الحديثُ ينصُّ على أن ماسقته السماء ففيه العشر ... وهذا يشمل القليل والكثير، ولكن جاء نصٌّ آخرُ يقيدهُ بخمسة أوسق فعَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ » . [11]

4-تعيينُ المبهم.

ومن أمثلته عن حُمَيْدٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ - وَهْىَ ابْنَةُ النَّضْرِ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ ، فَأَبَوْا فَأَتَوُا النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ . فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ « يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ » . فَرَضِىَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ » . زَادَ الْفَزَارِىُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَرَضِىَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ [12] .

فقد بين هذا المبهم في سبب ورود الحديث، وذلك في قول أنس:....

المطلب الرابع- أمثلةٌ تطبيقيةٌ على أسباب ورود الحديث

1-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلُوهُ إِنَّا نَجِدُ فِى أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ « وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ » . قَالُوا نَعَمْ. قَالَ « ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ » . [13] .

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أُحَدِّثُ نَفْسِى بِالْحَدِيثِ لأَنَّ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ « ذَلِكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ » . [14]

2-عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنهما - قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَقَلْتُ نَاقَتِى بِالْبَابِ ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ فَقَالَ « اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِى تَمِيمٍ » . قَالُوا قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا . مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ « اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ » . قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالُوا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ قَالَ « كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَكَتَبَ فِى الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ » . فَنَادَى مُنَادٍ ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ . فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِىَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ ، فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ تَرَكْتُهَا . [15]

3-عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ « إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِى صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ » [16] .

وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقَالَ « خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ » . فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا فَقَالَ « إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِى صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ وَلَوْلاَ ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلاَةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ » . [17]

4-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ « يَا فُلاَنُ أَلاَ تُحْسِنُ صَلاَتَكَ أَلاَ يَنْظُرُ الْمُصَلِّى إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّى فَإِنَّمَا يُصَلِّى لِنَفْسِهِ إِنِّى وَاللَّهِ لأُبْصِرُ مَنْ وَرَائِى كَمَا أُبْصِرُ مَنْ بَيْنَ يَدَىَّ » . [18]

5-عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِى الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِى لَكِنِّى سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَبِأَبِى هُوَ وَأُمِّى مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِى وَلاَ ضَرَبَنِى وَلاَ شَتَمَنِى قَالَ « إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ » . [19]

6-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - أَوْ شَابًّا - فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَ عَنْهَا - أَوْ عَنْهُ - فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ « أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِى » . قَالَ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ - فَقَالَ « دُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ » . فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ « إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاَتِى عَلَيْهِمْ » . [20]

7-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. قَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً. فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِى الْحِجْرَ وَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ هَؤُلاَءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. [21] .

8-عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِى بِجِزْيَتِهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمِ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِىِّ ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ « أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَىْءٍ » . قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنِّى أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا ، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ » [22] .

9-عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِنْ آلِ ابْنِ الأَزْرَقِ - أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِى بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ - أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ » . [23]

10-عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِىَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْمُ الْكِلاَبِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « الْمَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ » . [24]

11-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ « وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ » . مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا . [25]

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ » . [26]

وعن مُحَمَّدَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ - قَالَ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ » [27] . وهذا من تعدد أسباب الورود

12-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ « مَا شَأْنُكُمْ » . قَالُوا اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ . قَالَ « فَلاَ تَفْعَلُوا ، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا » [28] .

13-عَنْ أَبِى قَتَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَىِ النَّاسِ - قَالَ - فَجَلَسْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ » . قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ. قَالَ « فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ » [29] .

14-عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضى الله عنه - قَالَ احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حُجَيْرَةً مُخَصَّفَةً أَوْ حَصِيرًا ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى فِيهَا ، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ ، ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهُمْ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِى بُيُوتِكُمْ ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ ، إِلاَّ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ » [30] .

15-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ « مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ » . قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى » . [31]

وعنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِطَعَامٍ وَقَدْ حَسَّنَهُ صَاحِبُهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا طَعَامٌ رَدِىءٌ فَقَالَ « بِعْ هَذَا عَلَى حِدَةٍ وَهَذَا عَلَى حِدَةٍ فَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا » . [32]

16-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ » [33]

وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ » . [34]

سبب الحديث: عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَقِيتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ » . قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ « بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ » . قُلْتُ ثَيِّبٌ. قَالَ « فَهَلاَّ بِكْرًا تُلاَعِبُهَا » . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى أَخَوَاتٍ فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُنَّ. قَالَ « فَذَاكَ إِذًا. إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ » . [35]

المطلب الخامس: المؤلفات فيه.

أشار إلى هذا النوع ابنُ دقيق العيد في شرح حديث [36] : « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ » [37]

والبلقيني في (محاسن الاصطلاح) ، وقال في آخر كلامه:"والمرجو من الله سبحانه وتعالى الإعانة على مبسوط فيه بفضله وكرمه" [38] .

ومن أشهر ما صنِّف في هذا النوع:

1-أسباب ورود الحديث، أو اللمع في أسباب الحديث، للحافظ السيوطي (911 هـ) ، وهو مرتب على الأبواب، وطبع في جزء بتحقيق د. يحيى إسماعيل.

(1) - أسباب ورود الحديث (ص: 107) .

(2) - البيان والتعريف (1/32) .

(3) - البيان والتعريف (1/32) .

(4) - صحيح البخارى (8 ) ومسلم (120 )

(5) - أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (4) .

(6) - نقل قوله صاحب الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي (1/84) .

(7) - مجموع الفتاوى - (ج 13 / ص 339)

(8) - تكلم الأصوليون على إعمال سبب الورود في الترجيح بين النصين المتعارضين ضمن مرجحات المتن، ينظر: ضوابط الترجيح عند وقوع التعارض لدى الأصوليين) (ص: 321) .

(9) - أخرجه البخاري (1946) ، ومسلم (2668 ) .

(10) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 3 / ص 144) (10173) وهو صحيح لغيره

(11) - صحيح البخارى (1447 ) ومسلم (2310 )

(12) - صحيح البخارى (2703 ) ومسلم (4467 ) -الأرش: العوض

(13) - أخرجه البخاري (3190) و مسلم (357 )

(14) - مسند أحمد ( 9394) صحيح

(15) - صحيح البخارى (3191 )

(16) - صحيح البخارى (847 )

(17) - سنن أبى داود (422) صحيح

(18) - صحيح مسلم (985 )

(19) - صحيح مسلم (1227 )

(20) - صحيح مسلم (2259) - تقم: تجمع القمامة

(21) - صحيح مسلم (3118 )

جلدهم: قوتهم وصبرهم يرمل: الرمل إسراع المشى مع تقارب الخطا

(22) - صحيح البخارى (4015 ) ومسلم (7614 )

(23) - سنن أبى داود (83) صحيح

(24) - سنن أبى داود (66 ) صحيح - الحيض: الخرقة التى تستعمل في دم الحيض

(25) - صحيح البخارى (60 ) ومسلم (595 ) -أرهق: أخر

(26) - صحيح مسلم (593 ) - تلوح: يبصر الناظر بها مكانا لم يصبه الماء

(27) صحيح البخارى (165 )

(28) - صحيح البخارى (635)

(29) - صحيح مسلم (1688 )

(30) - صحيح البخارى (6113 ) ومسلم (1861 ) - حصب: رمى بالحصى

(31) - صحيح مسلم (295 )

السماء: المطر الصبرة: الكومة المجموعة بلا كيل ولا وزن

(32) - مسند أحمد (5231) صحيح

(33) - صحيح البخارى (5090 ) ومسلم (3708 )

(34) - سنن الترمذى (1109 ) قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

(35) - صحيح مسلم (3709)

(36) - إحكام الأحكام (1 /10) .

(37) - صحيح البخارى (1 )

(38) - محاسن الاصطلاح (ص: 632) ، وينظر: (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) لابن الملقن (1/205) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت