فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 522

سبق فيما مضى من المباحث تأصيل الجرح والتعديل من جهة الشرع، وسبق إيراد الأدلة الشرعية الدالة على تأصيله ومشروعيته، وفي هذا المبحث أطرح تأصيل الجرح والتعديل من جهة التقعيد والتنظير، فأقول مستعينا بالله تعالى:

أولا: إن الجرح هو نوع من الغيبة، والغيبة محرمة شرعا، وإنما أبيحت في الجرح والشهود؛ حفظا للدين, ونصحا للمسلمين. قال القرافي [1] : التَّجْرِيحُ وَالتَّعْدِيلُ فِي الشُّهُودِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عِنْدَ تَوَقُّعِ الْحُكْمِ بِقَوْلِ الْمُجَرِّحِ وَلَوْ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَيَحْرُمُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ وَالتَّفَكُّهُ بِأَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْعِصْمَةُ ، وَكَذَلِكَ رُوَاةُ الْحَدِيثِ يَجُوزُ وَضْعُ الْكُتُبِ فِي جَرْحِ الْمَجْرُوحِ مِنْهُمْ وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الْحَامِلِينَ لِذَلِكَ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهَذَا الْبَابُ أَوْسَعُ مِنْ أَمْرِ الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِحُكَّامٍ بَلْ يَجُوزُ وَضْعُ ذَلِكَ لِمَنْ يَضْبِطْهُ وَيَنْقُلُهُ ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُ النَّاقِلِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى ضَبْطِ السُّنَّةِ وَالْأَحَادِيثِ ، وَطَالِبُ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ فِيهِ خَالِصَةً لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي نَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ حُكَّامِهِمْ ، وَفِي ضَبْطِ شَرَائِعِهِمْ أَمَّا مَتَى كَانَ لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ أَوْ تَفَكُّهٍ بِالْأَعْرَاضِ وَجَرْيًا مَعَ الْهَوَى فَذَلِكَ حَرَامٌ ، وَإِنْ حَصَلَتْ بِهِ الْمَصَالِحُ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَالرُّوَاةِ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ قَدْ تَجُرُّ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَنْ قَتَلَ كَافِرًا يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ عَاصٍ بِظَنِّهِ ، وَإِنْ حَصَلَتْ الْمَصْلَحَةُ بِقَتْلِ الْكَافِرِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُرِيقُ خَمْرًا وَيَظُنُّهُ خَلًّا انْدَفَعَتْ الْمَفْسَدَةُ بِفِعْلِهِ ، وَاشْتُرِطَ أَيْضًا فِي هَذَا الْقِسْمِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَوَادِحِ الْمُخِلَّةِ بِالشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ فَلَا يَقُولُ هُوَ ابْنُ زِنًا ، وَلَا أَبُوهُ لَاعَنَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ . [2] .

قال السخاوي: تعقب ابن دقيق العيد ابن السمعاني في ذكره بعض الشعراء والقدح فيه، وقال: إذا لم يضطر إلى القدح فيه للرواية لم يجز [3] .

ثانيا:لما كانت الغيبة أمرا محرما وإنما أبيحت للحاجة؛ فإنه لا يجوز الزيادة على الجرح بما فوق الحاجة. قال السخاوي: لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل بواحد [4]

وقال السخاوي أيضا في الإعلان والتوبيخ [5] : وإذا أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة، أو بأدنى تصريح، لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص فيها للحاجة لا يرتقى فيها إلى زائد على ما يحصِّل الغرض.

ثالثا: إذا كان الراوي موثق من قبل علماء ومجرح من قبل علماء آخرين، فإنه لا ينبغي أن يذكر أقوال المجرحين ويدع أقوال المعدلين.

قال الذهبي في الميزان [6] في ترجمة أبان بن يزيد العطار: قد أورده العلامة ابن الجوزي في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وثقه، وهذا من عيوب كتابه، يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق.

رابعا: الجرح لا يقبل إلا من عدل، عالم عارف بأسباب الجرح، فإن الضعيف في نفسه لا يقوى أن يجرح غيره. قال ابن حجر [7] : تقبل التزكية من عارف بأسبابها، لا من غير عارف، وينبغي ألا يقبل الجرح إلا من عدل متيقظ.

خامسا: أن ما قلناه وشرحناه، وفصلناه في الجرح لا يتناول الصحابة، فهم خارجون عن هذا المصطلح كلهم؛ لأنهم كلهم عدول.

قال ابن الصلاح وغيره: وَهَذِهِ الْخِصِّيصَةُ لِلصَّحَابَةِ بِأَسْرِهِمْ ، وَلاَ يُسْأَل عَنْ عَدَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، بَل ذَلِكَ أَمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ ، لِكَوْنِهِمْ عَلَى الإِْطْلاَقِ مُعَدَّلِينَ بِتَعْدِيل اللَّهِ لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ ، وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ [8] بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ ، قَال تَعَالَى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } الآْيَةَ (سورة آل عمران / 110 ) .

وقال: (ثُمَّ إِنَّ الأُْمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيل جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ لاَبَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ ، بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الإِْجْمَاعِ ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ ، وَكَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَتَاحَ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ [9]

وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِتَعْدِيلِهِمْ ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ مَعَ تَعْدِيل اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَهُمْ إِلَى تَعْدِيل أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الْخَطِيبِ فِي"الْكِفَايَةِ"أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لأََوْجَبَتِ الْحَال الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَالْجِهَادِ ، وَنُصْرَةِ الإِْسْلاَمِ ، وَبَذْل الْمُهَجِ وَالأَْمْوَال ، وَقَتْل الآْبَاءِ ، وَالأَْبْنَاءِ ، وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ ، وَقُوَّةِ الإِْيمَانِ وَالْيَقِينِ: الْقَطْعَ بِتَعْدِيلِهِمْ ، وَالاِعْتِقَادَ بِنَزَاهَتِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ كَافَّةً أَفْضَل مِنْ جَمِيعِ الْخَالِفِينَ بَعْدَهُمْ وَالْمُعَدَّلِينَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، ثُمَّ قَال: هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ ، وَمَنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ ، وَرَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيَّ قَال:"إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُل يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ"، ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - حَقٌّ ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ الصَّحَابَةُ ، وَهَؤُلاَءِ يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا ، لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى ، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ [10] .

وقال ابن عبد البر في مقدمة كتابه (الاستيعاب) وهو يستعرض أهمية معرفة الصحابة، وأنهم هم الذين نقلوا إلينا السنَّة، وأن الله أثبت بهم الحجة. قال: (ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله - عز وجل - عليهم وثناء رسوله - عليه الصلاة والسلام -، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه) . [11]

وقال السيوطي: (الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتنة وغيرهم, بإجماع من يعتد به) [12]

وقد سئل: الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار -رحمه الله تعالى- فقيل له: (إذا كان الحديث عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، أيكون ذلك حجة؟ قال: نعم. وإن لم يسمِّه؛ فإن جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم حجة) . [13]

فهذا تصريح واضح، ودليل قاطع على رأي ابن عمار في عدالة الصحابة، وقبول حديث جميعهم من سمي منهم ومن لم يسم.

كما أن ابن عمار قد نقل عن شيوخه في هذا المعنى كثيرًا, من ذلك أنه قال: سمعت المعافى بن عمران، وسأله رجل وأنا حاضر: أيما أفضل معاوية، أو عمر بن عبد العزيز؟، فرأيته كأنه غضب، وقال: يوم من معاوية، أفضل من عمر بن عبد العزيز، ثم التفت إليه وقال: تجعل رجلا من أصحاب محمد مثل رجل من التابعين؟.

بل إنه كان على منهج أهل السنة في ترتيب الصحابة في الأفضلية أيضا، وذلك يستشف مما نقله عن شيوخه في هذا المعنى.

وكل الأخبار المتقدمة تقتضي طهارة الصحابة والقطع بتعديلهم ونزاهتهم، وأنه لا يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد بعد أن عدلهم الله وزكى بواطنهم وظواهرهم. [14]

ـــــــــــــــ

(1) - الفروق (4: 206) .

(2) - الفروق (4: 206) و أنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 8 / ص 259)

(3) - فتح المغيث (ص: 482) .

(4) - فتح المغيث (ص: 482) . ونقله السخاوي أيضا عن العز بن عبد السلام في جرح الشهود، وذلك في كتابه القواعد.

(5) - انظر: الإعلان والتوبيخ (ص: 68) .

(6) - الميزان (1: 9) .

(7) - لقط الدرر بشرح متن نخبة الفكر (ص: 137) .

(8) - الإصابة 1 / 9 - 10، علوم الحديث 264 .

(9) - انظر: مقدمة بن الصلاح (ص: 176) والتقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للعراقي ( 301 )

(10) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي 46 - 49، وعلوم الحديث 264، الإصابة 1 / 17 و 18 .

(11) - انظر: الاستيعاب (ص: 15) .

(12) - انظر: تدريب الراوي (2: 214) .

(13) - انظر: الكفاية (ص: 415) .

(14) - وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم وسفك بعضهم دماء بعض, فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم. الكفاية (ص:48) .قلت: هذه الطائفة هم المعتزلة ، أما الشيعة, فمذهبهم أفسد من هذا بكثير، حيث ذهبوا إلى أبعد من ذلك ، فكفروا الصحابة وشتموهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت