فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 522

إن لفظة ( لين الحديث ) عندما يطلقها أهل النقد من المحدثين في الراوي ، تفيد ضعفًا يسيرًا لا يسقط حديثه بسبب هذا اللين .

قال العاني رحمه الله بعد ذكر بعض النماذج:"ومن خلال هذه النماذج نقول: إن حكم حديث لين الحديث عند ابن حجر ، لا يقلُّ مرتبة عن رتبة حديث المقبول ، وإنما فرَّق بينهما في الاصطلاح لما قدمناه ، ولما يترتب على ذلك عند التعارض"

فحديث ليِّن الحديث عند ابن حجر حسن لذاته ، أمَّا إذا اعتضد بالشواهد ارتفع إلى الصحيح لغيره ، كما علمنا من صنيع ابن حجر ، ومن تصريح السخاوي ، والله أعلم" [1] ."

وقال العاني - رحمه الله -:"والخلاصة: أن ليَّن الحديث عند ابن حجر اصطلاح خاصٌّ به لا يقابل ليِّن الحديث عند غيره من النقاد ، بل يعني تفرد المقبول برواية ما ، وإن ليَّن الحديث عند ابن حجر حسَّن لأصحابها غير واحد من العلماء ، وجعلها السخاوي مثالًا للحسن الذاتي ، واحتجَّ أصحاب الصحيح سوى البخاري بها" [2] .

إن ما ذهب إليه العاني رحمه الله يجعل كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في حكمه على الراوي بأنه ليِّن الحديث عبثًا لا قيمة له بتاتًا ، صحيح أنه لم ينص على مرتبة من هذا القبيل كما ذكرت من قبل ، ولكنه نصَّ على رواة بأنهم ( مقبولون ) ورواة بأنهم ( ليِّنو الحديث ، أو فيهم لين ) فلا يمكن اعتبارهما شيئًا واحدا حسب تقسيمه هو، فلمَّا فرَّق بينهما ، فلا يجوز اعتبارهما شيئًا واحداَ ، ولا سيما أن هذا مخالف لقواعد الاصطلاح واللغة والمنطق السليم .

وفي الحقيقة هذا تقويل له ما لم يقل ، لأنه بيَّن لنا الراوي المقبول من الراوي لين الحديث صراحة لا ضمنا ، فلماذا هذا التعسُّف في فهم كلامه ، وهو واضح هنا لا لبس فيه .؟!!.

ومن ثمَّ فلا نستطيع الجزم بهذه النتيجة من خلال هذه الأمثلة القليلة التي ساقها العاني رحمه الله ، وسوف أورد ما قاله عن هذه المرتبة وما قاله غيره لنرى بعدها النتيجة سلباأم إيجابًا .

وهناك رواة قال عنهم صدوق لين الحديث أو صدوق فيه لين ، فهؤلاء بعد التتبع والاستقراء غالبهم أحاديثهم حسان ، ولهم أخطاء قليلة جدا ، ولو قلنا بأن حديثهم يحسن لذاته بالمقارنة مع أحكام غير الحافظ ابن حجر عليهم ، لكان قولنا سديدًا، سوى الأحاديث التي أخطئوا فيها ولم نجد لها عاضدًا .

انظر هذه الأمثلة من التقريب مع مقارنتها بالكاشف وغيره:

(254) إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي صدوق لين الحفظ من الخامسة م 4

وفي الكاشف (209) - إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي عن إبراهيم النخعي وطارق بن شهاب وخلق وعنه شعبة وزائدة وعدة قال القطان والنسائي ليس بالقوي وقال أحمد لا بأس به م 4

(276 ) إبراهيم بن يوسف الحضرمي الكوفي الصيرفي صدوق فيه لين من العاشرة أيضا مات سنة تسع وأربعين أو بعدها س

وفي ميزان الاعتدال (260 ) إبراهيم بن يوسف الحضرمي الكندى الكوفى الصيرفى.،عن ابن المبارك، وعبيدالله الاشجعى،وعنه النسائي في اليوم والليلة، ويحيى بن صاعد، وعمر بن بحير. قال مطين وغيره: صدوق،وقال النسائي: ليس بالقوى.

أمَّا من قال فيهم ليِّن أو ليِّن الحديث أو فيه لين فهذا أمثلة عنهم تبين أحوالهم مرتبة من البداية:

(78 ) أحمد بن عبيد بن ناصح أبو جعفر النحوي يعرف بأبي عصيدة قيل إن أبا داود حكى عنه وهو لين الحديث وهو من الحادية عشرة مات بعد السبعين د

وفي التهذيب: أبي داود أحمد بن عبيد بن ناصح بلنجر البغدادي أبو جعفر النحوي المعروف بأبي عصيدة روى عن أبي عامر العقدي وأبي داود الطيالسي والواقدي وغيرهم وعنه عبد الله بن إسحاق الخراساني وأبو بكر محمد بن جعفر الآدمي والقاسم بن محمد الأنباري وغيرهم قال ابن عدي حدث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب بمناكير وقال الحاكم أبو أحمد لا يتابع في جل حديثه مات بعد السبعين ومائتين روى أبو داود في السنن عن أحمد بن عبيد عن محمد بن سعد كلاما فقيل هو هذا قلت وقال الحاكم أبو عبد الله هو إمام في النحو وقد سكت مشائخنا عن الرواية عنه وقال ابن حبان في الثقات ربما خالف وقال ابن عدي هو عندي من أهل الصدق وقال النديم كان مؤدب المنتصر وأورد الذهبي عنه في ترجمة الأصمعي حديثا منكرا وقال أحمد بن عبيد ليس بعمدة [3]

قلت: فمن كانت هذه حاله، فهل يكون حديثه دائما حسنًا لذاته، عند الحافظ ابن حجر؟

(252 ) إبراهيم بن مسلم العبدي أبو إسحاق الهجري بفتح الهاء والجيم يذكر بكنيته لين الحديث رفع موقوفات من الخامسة ق

وفي الكاشف ( 206) إبراهيم بن مسلم الهجري الكوفي عن ابن أبي أوفى وغيره وعنه شعبة وجعفر بن عون وعدة ضعف ق

قلت: فمن كانت هذه حاله فهل يكون حديثه دائما حسنًا لذاته عند الحافظ ابن حجر ؟!

والخلاصة أننا لا نستطيع الجزم بما جزم به العاني رحمه الله من تحسين مرتبة لين الحديث دائما ، وإلا كانت لا قيمة لها أصلا ، فلماذا أفردها الحافظ ابن حجر بكلام مفصول عن مرتبة المقبول ؟!!!

لا يمكن أن تكون مرادفة لها لا لغة ولا اصطلاحا ولا واقعًا . فالصواب من القول أنه استخدمها كما استخدمها غيره من علماء الجرح والتعديل.

ــــــــــــــ

المرتبة السابعة

من قال فيه مجهول الحال أو مستور

من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال.

قال الحافظ العراقي رحمه الله [4] :

"اختلفَ العلماءُ في قَبولِ روايةِ المجهولِ ، وهو على ثلاثةِ أقسامٍ: مجهولِ العينِ ، ومجهولِ الحالِ ظاهرًا وباطنًا ، ومجهولِ الحال باطنًا ."

القسمُ الأولُ: مجهولُ العَيْنِ ، وهو مَنْ لم يروِ عنه إلا راوٍ واحدٌ . وفيه أقوالٌ:

الصحيحُ الذي عليه أكثرُ العلماءِ من أهلِ الحديثِ ، وغيرِهم ، أنّهُ لا يقبلُ .

والثاني: يقبلُ مطلقًا.وهذا قولُ مَنْ لم يشترطْ في الراوي مزيدًا على الإسلامِ.

والثالثُ: إن كان المنفردُ بالروايةِ عنه لا يروي إلا عَنْ عَدْلٍ ، كابنِ مهديٍّ ، ويحيى بنِ سعيدٍ ، ومَنْ ذُكرَ معهُما ، واكتفينا في التعديلِ بواحدٍ قُبلَ ، وإلاّ فلا .

والرابعُ: إنْ كان مشهورًا في غيرِ العلمِ بالزُّهْدِ ، أو النَّجْدةِ قُبلَ ، وإلاّ فلا . وهو قولُ ابنِ عبدِ البرِّ ، وسيأتي نقلهُ عنه .

والخامسُ: إنْ زَكَّاه أحدٌ من أئمةِ الجرحِ والتعديلِ مع روايةِ واحدٍ عنهُ قُبل ، وإلاّ فلا . وهو اختيارُ أبي الحسنِ بنِ القطّانِ في كتابِ"بيان الوهمِ والإيهامِ".

والقسمُ الثاني: مجهولُ الحالِ في العدالةِ في الظاهرِ والباطنِ ، مع كونِهِ معروفَ العَيْنِ بروايةِ عدلينِ عنه . وفيه أقوالٌ:

أحدُها: وهو قولُ الجماهيرِ ، كما حكاهُ ابنُ الصلاحِ أنَّ روايتَهُ غيرُ مقبولةٍ.

والثاني: تقبلُ مطلقًا ، وإنْ لم تقبلْ روايةُ القسمِ الأولِ . قال ابنُ الصلاحِ: وقد يَقبلُ روايةَ المجهولِ العدالةِ مَنْ لا يَقبلُ روايةَ المجهولِ العينِ .

والثالثُ: إنْ كانَ الراويانِ ، أو الرواةُ عنه فيهم مَنْ لا يَروِي عن غيرِ عَدْلٍ قُبِلَ ، وإلاَّ فلاَ .

والقسمُ الثالثُ: مجهولُ العدالةِ الباطنةِ ، وهو عدلٌ في الظاهرِ ، فهذا يحتَجُّ به بعضُ مَنْ رَدَّ القسمَينِ الأولَينِ ، وبهِ قطعَ الإمامُ سُلَيمُ بنُ أيوبَ الرازيُّ ، قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٌّ على حُسْنِ الظَّنِّ بالراوي ؛ لأنَّ روايةَ الأخبارِ تكونُ عندَ مَنْ تَتَعذَّرُ عليه معرفةُ العدالةِ في الباطنِ ، فاقتُصِرَ فيها على معرفةِ ذلك في الظاهرِ . وتُفَارِقُ الشهادَةَ ، فإنَّها تكونُ عند الحُكَّامِ،ولا يتعذّرُ عليهم ذلكَ ، فاعتُبِرَ فيها العدالةُ في الظاهرِ والباطنِ.

قالَ ابنُ الصّلاحِ: ويشبهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ في غيرِ واحدٍ من الرُّواةِ الذين تقادَمَ العهدُ بهم ، وتعذَّرَتِ الخِبْرةُ الباطنةُ بهم ، واللهُ أعلمُ .""

ما ترتفع به جهالة العين:

والمقصود بجهالة العين أن الراوي لم يروِ عنه إلا واحد .

ذهب الخطيب البغدادي إلى أن (أَقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ الرَّجُلِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ كَذَلِكَ) [5]

بينما ذهب فريق من العلماء كيحيى بن معين والذهبي وابن حجر في ،حد رأييه وغيرهم إلى أن جهالة العين ترتفع بأن يروي عنه اثنان فصاعدًا دون أن يشترط فيهما أن يكونا مشهورين في أهل العلم .

وذهب ابن خزيمة وابن حبان من بعده إلى أن مجهول العين ترتفع جهالته برواية واحدٍ مشهور .

ثانيا: ما ترتفع به جهالة الحال:

والمقصود من جهالة الحال أن لا يعرف الراوي بجرح ولا تعديل .

ذهب جمهور المحدثين إلى أن من وردت روايته في كتب الصحيح ارتفعت جهالة حاله

وذهب الدارقطني فيما نقله عنه السخاوي أن: ( من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته ) [6] .

وذهب ابن حبان إلى أن كلَّ من روى عنه راو مشهور قد ارتفعت جهالة عينه وكل من ارتفعت جهالة عينه ولم يعرف فيه جرح فهو عدل ، أي أن جهالة الحال ترتفع مع جهالة العين إذا لم يعرف فيه جرحٌ للعلماء

4-اعتباراتٌ هامةٌ في حكم رواية المجهول:

الاعتبار الأول - حكم رواية المجهول باعتبار نوع الجهالة المتعلقة به:

ويمكن معرفة هذه الأحكام من خلال معرفتنا لأنواع الجهالة التي تلحق الراوي . وهي:

1-جهالة العين:

وللعلماء في حكم الراوي الذي جهلت عينه مذاهب وهي:

أولا: ذهب جمهور العلماء إلى عدم قبول رواية مجهول العين مطلقًا وحجتهم أن العدالة شرط في صحة الرواية فمن جهلت عينه جهلت عدالته من باب أولى.

يقول ابن كثير: (فأما المبهم الذي لم يسمّ اسمه أو من سمي ولا تعرف عينه فهذا من لا يقبل روايته أحد علمناه) [7]

وصرح ابن حجر بهذا فقال في اللسان: (إذ المجهول غير محتج به) [8]

ثانيا: ذهب الحنيفة ومن معهم إلى قبول روايته مطلقا لأنهم لم يشترطوا في الرواة مزيدًا على الإسلام .

ثالثا: إذا تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن ثقة كعبد الرحمن بن مهدي قبلت روايته وإلا فلا: قال الخطيب: ( إِذَا قَالَ الْعَالِمُ: كُلُّ مَنْ أَرْوِي لَكُمْ عَنْهُ وَأُسَمِّيهِ فَهُوَ عَدْلٌ رِضًا مَقْبُولُ الْحَدِيثِ , كَانَ هَذَا الْقَوْلُ تَعْدِيلًا مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمَّاهُ , وَقَدْ كَانَ مِمَّنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) [9] .

رابعا: ذهب علي بن عبد الله بن القطان إلى أن مجهول العين إذا زكاه مع راويه الواحد أحد أئمة الجرح والتعديل قبلت روايته . وإلا فلا [10] .

خامسا: ذهب ابن عبد البر إلى قبول رواية مجهول العين إذا كان مشهورًا بشيء من مكارم الأخلاق من نجدة أو كرم أو ما إلى ذلك من غير العلم . وإلا فلا . [11] قال ابن الصلاح: بلغني عن أبي عمر ابن عبد البر وجادة قال: (كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو عندهم مجهول إلا أمور يكون رجلًا مشهورًا في غير حمل العلم واشتهار مالك بن دينار بالزهد وعمرو بن معد مكرب بالنجدة) [12] .

2-جهالة الباطن:

وهي أن يكون الراوي عدلًا في ظاهره ، مجهول العدالة من حيث الباطن . وهو ما يسمى بالمستور عند المحدثين .

وللعلماء في قبول رواية المستور مذاهب يمكن إجمالها فيما يلي:-

أولا: ذهب الجمهور إلى عدم قبول روايته ما لم تثبت عدالته . وهو قول الشافعي . ومبناه أن أمور رواية الراوين عنه تعريف به لا توثيق له وأن قبول الرواية مبني على التوثيق لا على التعريف . [13] .

ثانيا: ذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية إلى قبول روايته ما لم يعلم الجرح فيه .

قال السيوطي [14] :(وروايةُ المَسْتُور, وهو عدل الظَّاهر, خفيُّ البَاطن أي: مجهول العَدَالة باطنًا يحتجُّ بها بعض من ردَّ الأوَّل, وهو قول بعض الشَّافعيين كسليم الرَّازي.

قال: لأنَّ الإخبار مَبْنيٌّ على حُسْن الظَّن بالرَّاوي, ولأنَّ رِوَاية الأخبار تَكُون عند من يتعذَّر عليه معرفة العَدَالة في الباطن, فاقتصر فيها على مَعْرفة ذلك في الظاهر, بخلاف الشَّهادة, فإنَّها تَكُون عند الحُكَّام, فلا يتعذَّر عليهم ذلك.

قال الشَّيخ ابن الصَّلاح [15] : ويشبهُ أن يَكُون العمل على هذا الرأي في كثير من كُتب الحديث المشهورة في جَمَاعة من الرُّواة تقادم العهد بهم, وتعذَّرت خبرتهم باطنًا وكذا صحَّحه المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» .).

الاعتبار الثاني: موقف العلماء من رواية المجهول بالنظر إلى طبقته:

ومن العلماء من تعامل مع المجاهيل ومروياتهم من جهة قربهم أو بعدهم عن عصر الرسالة .

وبهذا الاعتبار فأنهم صنفوا المجاهيل إلى أربع طبقات ، كل طبقة لها حكمها الخاص بها . وهذه الطبقات هي:-

1-المجاهيل من الصحابة:

والمقصود بالمجهول من الصحابة هو من جهل اسمه أو جهل اشتهاره بالعلم . والعلماء مجمعون على أن الجهالة مرفوعة عن الصحابة لأن عدالتهم ثابتة بتعديل الله تبارك وتعالى لهم.

2-المجاهيل من كبار التابعين وأوساطهم:

وهم الذين تتلمذوا على أيدي الصحابة الكرام فأمثال هؤلاء يقبل حديثهم إذا سلم من المخالفة . قال الذهبي: (وأما المجهولون من الرواة فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه وتلقِّي بحسن الظنِّ إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ) [16] .

3.إذا كان من صغار التابعين:

وأما إذا كان الراوي من صغار التابعين فإن العلماء قالوا في روايته ما يلي:- (وأما إن كان الرجل منهم - أي من المجاهيل - من صغار التابعين فسائغ رواية خبره ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي وتحريه) [17] .

الاعتبار الثالث: حكم رواية المجهول بالنظر إلى وثاقة من يروي عنهم:-

ومن العلماء من كان ينظر إلى المجاهيل وحكم مروياتهم من خلال النظر إلى مرتبة من يروي عن أولئك المجاهيل . من حيث الوثاقة والاعتبار . ومن هذا المنظار فان رواية المجاهيل يمكن تصنيفها كالأتي:-

1-حكم رواية المجهول إذا روى عنه الضعفاء:-

فهؤلاء لم أجد من العلماء من ذهب إلى اعتبار روايته سواء المتشددون منهم أو المتساهلون ، فهذا ابن حبان على الرغم من تساهله في التوثيق فإنه يقول: (وأما المجاهيل الذين لم يروِ عنهم إلا الضعفاء فإنهم متروكون على الأحوال كلها) [18] ،لأن الضعف قد انتاب روايتهم من طرفين الأول جهالة الراوي والثاني ضعف الناقلين لتلك الرواية .

2-حكم رواية المجهول إذا روى عنه المشهورون:-

أما إذا روى عن المجهول أناس عدول أو مشهورون فإن للعلماء في قبول روايته مذاهب قدمناها آنفًا عند حديثنا على رواية مجهول الحال .

3.حكم رواية المجهول إذا روى الأثبات عنه:-

أما إذا انفرد الثقات الأثبات بالرواية عن ذلك المجهول فإن حكم روايته عند العلماء كما يلي:-

1.ذهب جمهور العلماء إلى عدم قبول روايته حتى تثبت عدالته لجواز أن يروي الثقة عمن ليس بثقة ظنًا منه أنه ثقة . وهو مبني على أن رواية الثقة عن غيره ليست توثيقًا له [19] .

2.مذهب من يرى أن رواية الثقة عن غيره تعديل له إن من روى عن المجهول وهو ثقة قبلت روايته عنه .

يقول الدكتور فاروق حمادة (وهذا في الحقيقة لازم لكل من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها تعديل له ، بل عزاه النووي في مقدمة شرحه على مسلم لكثير من المحققين وكذلك محمد بن إسحق بن خزيمة ذهب إلى أن جهالة العين ترتفع براو واحد مشهور وإليه يومئ قول ابن حبان: العدل من لم يعرف فيه جرح فمن لم يجرح فهو عدل حتى يثبت جرحه) [20] .

وصرح ابن حبان بهذا وهو يتكلم عن منهجه في ثبوت العدالة فقال: (إذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو ثقة) [21] .

ــــــــــــــ

المطلب الثاني

من قال فيه مجهول الحال

من قال عنه مجهول الحال (62) راويًا، فهو كما قال ،كقوله في ترجمة أبان ابن طارق بصري مجهول الحال من السادسة د (139)

وفي التهذيب أبان بن طارق البصري،روى عن نافع وكثير بن شنظير وعنه خالد بن الحارث ودرست بن زياد قال أبو زرعة مجهول، وقال أبو أحمد ابن عدي لا يعرف إلا بهذا الحديث: « مَنْ دُعِىَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا » [22] . وليس له أنكر منه ،وله غيره حديثان أو ثلاثة. (أبو داود) [23]

قلتُ: ومما يؤخذ عليه على سبيل المثال ،كقوله في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل اليشكري مجهول الحال (152)

أقول: روى عنه: أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني (ق) ، ومعمر بن سهل الأهوازي.وروى أبو بكر عبد الرحمن بن عبدالملك بن شيبة الحزامي، عن إبراهيم بن إسماعيل بن نصر التبان، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة فيحتمل أن يكونا واحدا، والله أعلم .. [24]

وكقوله في ترجمة إسحاق بن كعب بن عجرة مجهول الحال (380) .

قلت: روى عنه ابنه سعد بن إسحاق ، ووثقه ابن حبان وقال ابن القطان: مجهول الحال ما روى عنه غير ابنه سعد التهذيب [25] .

أقول: وروى عنه أبو معشر كما في مسند أحمد4/29 (16795) وبهذا تزول جهالته . وصحح البوصيري إسنادا من طريقه [26]

وفي ميزان الاعتدال (781 ) إسحاق بن كعب [ د، ت، س ] بن عجرة.تابعي مستور،وسكت عليه أبو حاتم وأبو زرعة والبخاري [27]

وقد قال الحافظ الذهبي في ديوان الضعفاء: (وأما المجهولون من الرواة ، فإن كان من كبار التابعين أو أوساطهم ؛ احتمل حديثُه وتلقِّيَ بحسن الظنِّ ؛ إذا سلِم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ) "."

قلت: وهؤلاء ينطبق عليهم كلام الحافظ الذهبي ، وأوردهم الحافظ ابن حجر في التقريب ، وقال عنهم ( مجهول الحال)

ــــــــــــــ

المطلب الثالث

من قال فيه مستور

والسادس: من قال عنه مستور

"لقد قسّم العلماء المجهول إلى أقسام ، أشهرها تقسيم ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام:"

1-المستور: وهو من روى عنه عدلان ، أو روى عنه إمام حافظ -نصّ على هذه الإضافة ابن رجب ، في شرح العلل- . فالمستور عُلمت عدالته الظاهرة ، وجُهلت عدالته الباطنة .

2-مجهول الحال: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة ، لكن عُرفت عينه . وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ليس من النقاد .

3-مجهول العين: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة ، ولم تعرف عينه ، وهو كالمبهم .

أما حكم مستور الحال: فمن ناحية العدالة يُكتفى بالعدالة الظاهرة ، مع الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم ؛ لتقادم العهد بهم . وأيضًا نكتفي بالعدالة الظاهرة للرواة المتأخرين ، وهم رواة النسخ ، أما سوى ذلك فلا يكتفي العلماء بالعدالة الظاهرة .

أما مجهول الحال والعين: فنتوقف عن قبول حديثهم ، ومآل هذا التوقف عدم العمل بالحديث ، لذلك تجد العلماء يقولون: حديث ضعيف ، فيه فلان وهو مجهول ، مع أن الأدق أن يقال: حديثه تُوُقِّفَ فيه ؛ لأن فيه فلانًا وهو مجهول ، لكن لما كان التوقف مآله عدم العمل ، أصبح هو والتضعيف متقاربان ، فأطلق العلماء الضعف عليه تجوّزًا ، وهو في محلِّه ، وليس خطأ تضعيفه .

لكن الأمر الدقيق: ما هي مرتبة ضعف حديث المجهول ؟ هل هو في مرتبة الاعتبار به ، ويتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد ، أم لا يتقوَّى بنفسه ، ولا يُقوّي غيره ؟ فهل هو شديد الضعف أو خفيف الضعف ؟

فالجواب: أننا لا نستطيع أن نحكم بحكم عام على جميع المجهولين حالًا أو عينًا ، بل نقول هؤلاء حكمهم يختص بالحديث الذي يروونه ، فإذا رووا حديثًا شديد النكارة ، فهذا لا يتقوَّى أبدًا ، كأن تظهر فيه علامات الوضع وغيرها ، ومجهول الحال أخفُّ حالًا من مجهول العين .

قلتُ: ورواية مستور الحال يحتجُّ بها لدى طائفةٍ معتبرةٍ من العلماء ، قال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي [28] :

"وروايةُ المَسْتُور, وهو عدل الظَّاهر, خفيُّ البَاطن أي: مجهول العَدَالة باطنًا يحتجُّ بها بعض من ردَّ الأوَّل, وهو قول بعض الشَّافعيين كسليم الرَّازي،قال: لأنَّ الإخبار مَبْنيٌّ على حُسْن الظَّن بالرَّاوي, ولأنَّ رِوَاية الأخبار تَكُون عند من يتعذَّر عليه معرفة العَدَالة في الباطن, فاقتصر فيها على مَعْرفة ذلك في الظاهر, بخلاف الشَّهادة, فإنَّها تَكُون عند الحُكَّام, فلا يتعذَّر عليهم ذلك،قال الشَّيخ ابن الصَّلاح [29] : ويشبهُ أن يَكُون العمل على هذا الرأي في كثير من كُتب الحديث المشهورة في جَمَاعة من الرُّواة تقادم العهد بهم, وتعذَّرت خبرتهم باطنًا وكذا صحَّحه المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» ."

(1) - انظر منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها للعاني ص (83-84)

(2) - انظر منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها للعاني ص (85)

(3) - تهذيب التهذيب [ ج1 - ص52 ] (103)

(4) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 114)

(5) -الكفاية/ 111 .

(6) -فتح المغيث/ السخاوي 1/320 .

(7) -اختصار علوم الحديث/ابن كثير 81 وانظر الموجز 157 والجرح والتعديل (بحث في الرسالة الإسلامية/ د. حارث سليمان الضاري 83-84 .

(8) - لسان الميزان لابن حجر 1/4 .

(9) -الغاية/ 115 .

(10) -نزهة النظر/ 50 .

(11) - فتح المغيث 1/316 .

(12) -مقدمة ابن الصلاح/ 496 .

(13) -مقدمة ابن الصلاح/ 225 ، وتدريب الراوي 1/316-317 .

(14) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 247)

(15) -مقدمة ابن الصلاح/ 225 .

(16) -ديوان الضعفاء والمتروكين/ الذهبي 374 .

(17) -المصدر السابق 374 .

(18) -لسان الميزان 1/14 .

(19) -الكفاية/ 112 .

(20) -المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل/ د. فاروق حمادة/ 306 .

(21) -الصحيح/ لابن حبان 1/115 .

(22) - وقال ابو داود عقبه (3743) :أَبَانُ بْنُ طَارِقٍ مَجْهُولٌ.، قلت: قد وردت شواهد للحديث تحسنه

(23) - تهذيب التهذيب (ج 1 / ص 83) (170 )

(24) - تهذيب الكمال للمزي (ج 2 / ص 50) (151 ) وراجع التهذيب 1/107 (186)

(25) - تهذيب التهذيب (ج 1 / ص 217) (465)

(26) - اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (ج 3 / ص 29) [2292] و وقد حسن له الألباني بعض أحاديثه في تعليقه على سنن أبي داود برقم (1302 ) ولكن لغيره ،وصحح له الحاكم بعض أحاديثه (2406 و7256 ) ووافقه الذهبي في الثاني وأعلَّ الأول بغيره ، وصحح له حديثا ابن خزيمة (1137) وقال الهيثمي في"مجمع الزوائد"10/116: رجاله ثقات.

(27) - ميزان الاعتدال (ج 1 / ص 196) 781 و الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ج 2 / ص 232) والتاريخ الكبير [ ج1 - ص400] (1275)

(28) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 247)

(29) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 21)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت