المقدمة السابعة
ملاحظة مذهب الناقد فيما يراه جرحًا ، ومذهبه فيه مرجوح
وهذا لا يضبطه إلا ما سيأتي ذكره في المبحث التالي من اشترط تفسير سبب الجرح ، وإنما المراد هنا أن تتفطن إلى أن الناقد المعتدُّ به في الجملة قد يقدح بما ليس بقادح في التحقيق .
ومثال ذلك أن علي بن المديني سأل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني ؟ فقال:"ضعيف"، قال: قلت ليحيى: إنه يقول: ( أخبرني) ، قال:"لا شيء ، كله ضعيف ، إنما هو كتاب دفعه إليه" [1] .
قلت: فضعَّفه لأنه يرى ضعف التحمل بهذا الطريق ، وهو مذهب مرجوح [2] .
وفي المحدث الفاصل:"حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا الْمَجْنُونِ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَتَيَانِي يَسْأَلَانِي أَنْ أَسْكُتَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَلَا وَاللَّهِ لَا سَكَتُّ عَنْهُ ، ثُمَّ لَا وَاللَّهِ لَا سَكَتُّ عَنْهُ وَهَذَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ يُحَدِّثُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَا: إِذَا وَضَعْتَ زَكَاتَكَ فِي صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ جَازَ ، وَأَنَا وَاللَّهِ سَأَلْتُ: الْحَكَمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ: إِذَا وَضَعْتَ فِي صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ أَجْزَأَكَ ، فَقَتَلَ: عَنْ مَنْ ؟ فَقَالَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَهَذَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ يُحَدِّثُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَ عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّازِ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَغَسَّلَهُمْ ، وَأَنَا سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُغَسَّلُونَ ، قُلْتُ: عَنْ مَنْ ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ الْقَاضِي: أَصْلُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَقَدْ خَلَطَ فِيهَا ، أَوْ خُلِّطَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَالْمُخَرِّمِيُّ أَضْبَطُ مِنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ وَقَالَ: مَحْمُودٌ فِيمَا يَحْكِيهِ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَارَةَ ، رَوَى عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَدَفَنَهُمْ وَقَالَ الْمُخَرِّمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: صَلَّى عَلَيْهِمْ وَغَسَّلَهُمْ وَقَالَ مَحْمُودٌ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ؟ قَالَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَقَالَ الْمُخَرِّمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَكَمِ أَيُصَلَّى عَلَى الْقَتْلَى ؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُغَسَّلُونَ وَبَيْنَ الْحِكَايَتَيْنِ تَفَاوُتٌ شَدِيدٌ وَفُرْقَانٌ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ يُسْتَدَلُّ عَلَى تَكْذِيبِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو بِسْطَامٍ ، لِأَنَّهُ اسْتَفْتَى الْحَكَمَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَأَفْتَاهُ الْحَكَمُ بِمَا عِنْدَهُ ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ زَمَنَ حَمَّادٍ ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو بِسْطَامٍ: عَنْ مَنْ ؟ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَقُولُ: مَنِ الَّذِي يَقُولُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ؟ فَقَالَ فِي إِحْدَاهُمَا: هُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَفِي الْأُخْرَى هُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ هَذَا فَقِيهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَذَاكَ فَقِيهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَلَمْ تَقُمِ الرِّوَايَةُ فِيهِمَا مَقَامَ الْحُجَّةِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِجَمِيعِ مَا رَوَى وَلَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ رِوَايَةً مَا لَا يُفْتِي بِهِ ، وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، هَذَا مَالِكٌ يَرَى الْعَمَلَ بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِمَّا يَرْوِي ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَثْبَتُ وَأَقْوَى عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ خَالَفَ مَالِكٌ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَرْوِي حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَيَقُولُ بِخِلَافِهِ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُحَدِّثَ الْحَكَمُ ابْنَ عُمَارَةَ مِنْ كِتَابِهِ بِمَا لَا يَحْفَظُهُ ، وَالْعَمَلُ عِنْدَهُ بِخِلَافِهِ ، وَيَسْأَلُهُ شُعْبَةُ فَيُجِيبُ عَلَى مَا يَحْفَظُ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ ، وَالْإِنْصَافُ أَوْلَى بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَكَانَ أَبُو بِسْطَامٍ سَيِّئُ الرَّأْيِ فِي الْحَسَنِ ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُمَا [3] ."
وقال البيهقي في السنن الكبرى:" ( 6429 ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، ثنا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْأَحْمَسِيُّ ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، ثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ:"ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ ، فَقُلْ لَهُ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَإِنَّهُ كَذَّابٌ"، قَالَ مَحْمُودٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي دَاوُدَ وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ: فَقَالَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: مَا عَلَامَةُ كَذِبِهِ ؟ قَالَ:"رَوَى عَنِ الْحَكَمِ أَشْيَاءَ فَلَمْ أَجِدْ لَهَا أَصْلًا ، قُلْتُ لِلْحَكَمِ: صَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ؟ قَالَ: لَا . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -: صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ . وَقَالَ: قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا ؟ قَالَ: يُعْتَقُونَ ، قَالَ: قُلْتُ: عَمَّنْ ؟ قَالَ: فَقَالَ: يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ الْبَصْرِيِّينَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ" [4] ."
ـــــــــــــــ
(1) -- أخبار المكيين من"تاريخ ابن أبي خيثمة" ( ص: 366 ) .
(2) - انظر منهج النقد في علوم الحديث (ج 1 / ص 217) والإلماع - (ج 1 / ص 79) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 30) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 10) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 38) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 313)
(3) - أخرجه الرامهرمزي في"المحدث الفاصل" ( رقم: 224 ) وإسناده صحيح ، ورجَّح الرامهرمزي هذا السياق من أجْل سِياق الرواية التالية في تفسير شُعبة لروايات الحسن .
(4) - أخرجه مسلمٌ في"مقدمة الصحيح" ( 1 / 23 - 24 ) والرامهرمزي ( رقم: 223 ) والبيهقي في"الكبرى" ( 4 / 13 ) والخطيب في"تاريخه" ( 7 / 347 ) بإسنادٍ صحيح .