المبحث الرابع عشر
ما يقوله من بلغه حديث كان يعتقد خلافه
قال الإمام النووي في"رياض الصالحين"17- باب في وجوب الانقياد لحكم الله ،وما يقوله من دُعِيَ إِلَى ذلِكَ وأُمِرَ بمعروف أَوْ نُهِيَ عن منكر
قَالَ الله تَعَالَى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء: 65 ] ، وَقالَ تَعَالَى: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ النور: 51 ] .
عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: { للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ } الآية [ البقرة: 283 ] اشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أصْحَابِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَأتَوا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ ، فَقَالُوا: أيْ رسولَ الله ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ والجِهَادَ والصِّيامَ والصَّدَقَةَ ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطيقُها .قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكتَابَينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ؟ بَلْ قُولُوا سَمِعنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ) )فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا القومُ ، وَذَلَّتْ بِهَا ألْسنَتُهُمْ أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى في إثرِهَا: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [ البقرة: 285 ] فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى ، فَأنزَلَ الله - عز وجل -: { لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [ البقرة: 286 ] قَالَ: نَعَمْ { رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } قَالَ: نَعَمْ { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه } قَالَ: نَعَمْ { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } قَالَ: نَعَمْ . رواه مسلم (344 ) .
وقال أيضًا في الأذكار [1] : باب ما يقول من دعي إلى حكم الله تعالى
"ينبغي لمن قال له غيره: بيني وبينك كتاب الله أو سنة رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، أو أقوال علماء المسلمين ، أو نحو ذلك ، أو قال: اذهب معي إلى حاكم المسلمين ، أو المفتي لفصل الخصومة التي بيننا ، وما أشبه ذلك ، أن يقول: سمعنا وأطعنا ، أو سمعا وطاعة ، أو نعم وكرامة ، أو شبه ذلك ، قال الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (51) سورة النور."
وينبغي لمن خاصمه غيره أو نازعه في أمر فقال له: اتق الله تعالى ، أو خف الله تعالى أو راقب الله ، أو اعلم أن الله تعالى مطلع عليك ، أو اعلم أن ما تقوله يكتب عليك وتحاسب عليه ، أو قال له: قال الله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ} (30) سورة آل عمران ، أو { وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (281) سورة البقرة ،أو نحو ذلك من الآيات ، وما أشبه ذلك من الألفاظ ، أن يتأدب ويقول: سمعًا وطاعةً ، أو أسأل الله التوفيق لذلك أو أسأل الله الكريم لطفه ، ثم يتلطف في مخاطبة من قال له ذلك ، وليحذر كل الحذر من تساهله عند ذلك في عبارته ، فإن كثيرًا من الناس يتكلمون عند ذلك بما لا يليق ، وربما تكلم بعضهم بما يكون كفرًا ، وكذلك ينبغي إذا قال له صاحبه: هذا الذي فعلته خلاف حديث رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) أو نحو ذلك ، أن لا يقول: لا ألتزم الحديثَ ، أو لا أعملُ بالحديث ، أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة ، وإن كان الحديثُ متروكَ الظاهر لتخصيصٍ أو تأويلٍ أو نحو ذلك ، بل يقول عند ذلك: هذا الحديثُ مخصوصٌ أو متأولٌ أو متروكُ الظاهرِ بالإجماع ، وشبْهُ ذلك. اهـ
ـــــــــــــــ
(1) - الأذكار للنووي - (ج 1 / ص 314)