فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 522

إن أهمية السنة النبوية ووجه الحاجة إليها تبرز من خلال دورها في خدمة التشريع الإسلامي، ويتجلَّى هذا الدور في أمرين:

الأمر الأول:أن القرآن الكريم - وهو المصدر الأول في التشريع - لا يمكن أن يستغني عنها، ولا يستطيع أن يؤدي دوره كاملًا بدونها.

فهما أصلان في التشريع، ودعامتان يرتكز عليهما صرح الشريعة الغراء، إنهما بمنزلة"الروح"و"الجسد"إن ضاع أحدهما ضاع الآخر، والاستمساك بهما جميعًا فيه النجاة والسلامة للإنسان، كما وضح ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" [1] .

وهاكم بعض الصور التي تثبت أن القرآن لا يستغنى في فهمه عنها.

الصورة الأولى:أن في القرآن الكريم آياتٍ لا يمكن فهم المراد منها إلا بعد معرفة سبب نزولها، ولا طريق لمعرفة سبب النزول إلا السنَّة.

• من هذه الآيات قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (158) سورة البقرة.

فهذه الآية بحسب الظاهر تنفي الجناح عمن لا يطوف بالصفا والمروة، وهذا ما فهمه عروة بن الزبير، لكن سبب النزول أوضح المعنى المراد.

روى البخاري ومسلم عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُرْوَةُ سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . قَالَتْ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِى إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَتَطَوَّفَ بِهِمَا ، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِى الأَنْصَارِ ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِى كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) الآيَةَ . قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا . ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلاَّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ ، كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِى الْقُرْآنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) الآيَةَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فِى الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِى الإِسْلاَمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ . [2]

• ومنها أيضًا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (93) سورة المائدة.

فقد حكي عن قدامة بن مظعون أنه كان يقول: الخمر مباح لمن آمن وعمل صالحًا، ويحتج بالآية المذكورة، وخفي عليه سبب نزولها [3] مع أن سبب النزول يمنع ذلك.

فعَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ مَاتَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا فَنَزَلَتْ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [4] .

فأنت ترى أن سبب نزول الآيتين - وهو من السنَّة - قد أزال الإشكال عن الآيتين، وأعان على فهم المراد منهما، وأمثال هاتين الآيتين في القرآن الكريم كثير.

الصورة الثانية: أن في القرآن الكريم آيات مجملة، ولا سبيل إلى تفصيلها وبيان المراد منها إلا السنة .

من ذلك قوله تعالى في شأن الصلاة: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} (43) سورة البقرة، وقوله تعالى: {.. إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} (103) سورة النساء.

فلو أخذ هذا الكلام على ظاهره لاكتفى من كل إنسان بأدنى ما يقع عليه اسم الصلاة وهي ركعة واحدة مثلًا، وتؤدى بأية كيفية كانت، مع أن هذا خلاف مراد الله تعالى.

لذلك جاءت السنة مبينة: أوقات الصلاة، وعدد ركعاتها، وكيفية أدائها، وأركانها، وشروطها، وسننها، وهيئاتها، وآدابها، ومبطلاتها، ونحو ذلك من كل ما يتعلق بها.

وكذلك الشأن في سائر الأحكام التي وردت في القرآن مجملةً غير مفصلة ولا مبينة، كالزكاة، والصيام، والحج، والنكاح، والجهاد، والطلاق وغيرها.

قال محمد بن نصر المروزي ( 294هـ ) في هذا الصدد:"وجدت أصول الفرائض كلها لا يعرف تفسيرها ولا تنكر تأديتها ولا العمل بها إلا بترجمة من النبي - صلى الله عليه وسلم - وتفسير منه، من ذلك: الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد."

قال الله عز وجل: {.. إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} (103) سورة النساء. فأجمل فرضها في كتابه ولم يفسرها، ولم يخبر بعددها وأوقاتها، فجعل رسوله هو المفسِّر لها، والمبين عن خصوصها وعمومها وعددها وأوقاتها وحدودها، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الصلاة التي افترضها الله هي خمس صلوات في اليوم والليلة، في الأوقات التي بينها وحددها، فجعل صلاة الغداة ركعتين، والظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، والمغرب ثلاثًا، وأخبر أنها على العقلاء البالغين من الأحرار والعبيد، ذكورهم وإناثهم، إلا الحيَّض فإنه لا صلاة عليهن، وفرَّق بين صلاة الحضر والسفر، وفسَّر عدد الركوع والسجود والقراءة وما يعمل فيها من التحريم بها، وهو: التكبير، إلى التحليل منها، وهو التسليم.

وهكذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزكاة بسنَّته، فأخبر أن الزكاة إنما تجب في بعض الأموال دون بعض على الأوقات والحدود التي حدّها وبيّنها، فأوجب الزكاة في العين من الذهب والفضة والمواشي من الإبل والغنم والبقر السائمة، وفي بعض ما أخرجت الأرض دون بعض، وعفا عن سائر الأموال، فلم يوجب فيها الزكاة.

ولم يوجب الزكاة فيما أوجبها فيه من الأموال ما لم تبلغ الحدود التي حدَّها، فقال: « لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ » [5] . ولا في أقل من أربعين من الغنم صدقة" [6] "ولا في أقل من ثلاثين من البقر" [7] ."

وبين أن الزكاة إنما تجب على من وجبت عليه إذا حال عليه الحول من يوم يملك ما تجب فيه الزكاة، ثم تجب عليه في المستقبل من حول إلى حول، إلا ما أخرجت الأرض، فإن الزكاة تؤخذ مما وجب فيه الزكاة منه عند الحصاد والجداد- صرام النخل -، وإن لم يكن الحول حال عليه، ثم إن بقي بعد ذلك سنين لم يجب عليه غير الزكاة الأولى. كل ذلك مأخوذ عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، غير موجود في كتاب الله بهذا التفسير.

وكذلك الصيام، قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183) سورة البقرة، فجعل - صلى الله عليه وسلم - فرض الصيام على البالغين من الأحرار والعبيد، ذكورهم وإناثهم إلا الحيَّض، فإنهن رفع عنهن الصيام، فسوَّى بين الصيام والصلاة في رفعها عن الحائض، وفرَّق بينهما في القضاء، فأوجب عليهن قضاء الصيام، ورفع عنهن قضاء الصلاة، وبين أن الصيام هو الإمساك بالعزم على الإمساك عما أمر بالإمساك عنه من طلوع الفجر إلى دخول الليل، فقال - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ » . [8] ....

وكذلك الحج، افترض الله الحج في كتابه، فقال: { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } (97) سورة آل عمران.

فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله مراده أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة..., كما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنته أن فرض الحج هو: الإهلال، وفسر الإهلال ومواقيت الحج والعمرة جميعًا، وبين ما يلبس المحرم مما لا يلبسه، وغير ذلك من أمور الحج مما ليس بيانه في كتاب الله.

وذكر الجهاد وما يتعلق به، ثم قال:"فهذه الفرائض كلها متفقة في أنها مفروضة ومختلفة في الخصوص والعموم، والعدة والأوقات والحدود، بين ذلك رسول الله صلى اله عليه وسلم بسنته" [9] .

الصورةُ الثالثة: أن في القرآن الكريم آيات عامة، مع أن المراد منها خاص، ولا سبيل إلى تخصيصها وبيان مراد الله منها سوى السنة النبوية.

والعام هو لفظ وضع للدلالة على أفراد غير محصورين على سبيل الاستغراق والشمول، سواءٌ أكانت دلالته على ذلك بلفظه ومعناه، بأن كان بصيغة الجمع، كالمسلمين والمسلمات والرجال والنساء، أم كانت بمعناه فقط: كالرهط والقوم والجن والإنس.

والخاصُّ لفظٌ وضع للدلالة على فرد واحد أو أفراد محصورين.

بعد هذا البيان لدلالة العام والخاص، نأتي على ذكر أمثلة لتخصيص السنة لعموم القرآن الكريم، فمن ذلك:

1.قول الله عز وجل: (حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخنْزيْرُ ...) [سورة المائدة: 3] .

فهذه الآية تفيد أن كل ميتة وكل دم حرام، لكن جاءت السنة فخصصت من هذا التحريم نوعين من الميتة، ونوعين من الدماء يباح أكلهما.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الْجَرَادُ وَالْحِيتَانُ وَالْكَبْدُ وَالطِّحَالُ. [10] .

2.قول الله عز وجل: (الَّذيْنَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبسُوْا إيْمَاْنَهُمْ بظُلْم أُوْلَئكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُوْنْ) [ الأنعام: 82] .

فقد فهم بعض الصحابة من هذه الآية: أن المراد بالظلم: الجور أو مجاوزة الحد، لذلك جاءوا شاكين للنبي - صلى الله عليه وسلم - قائلين: وأينا لم يظلم نفسه؟ فطمأنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: بأن المراد في الآية: هو الشرك، وبذلك صارت السنة مخصصة للعموم الواقع في لفظ الظلم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ « لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ( لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) بِشِرْكٍ ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (13) سورة لقمان . [11] .

3.قول الله عز وجل: (يُوْصِيْكُمُ اللهُ فِيْ أَوْلاَدِكُمْ لِلْذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَاْ مَا تَرَكَ وَإِنْ كَاْنَتْ وَاْحِدَةً فَلَهَا الْنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَاْنَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاْهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثْ فَإِنْ كَاْنَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ الْسُّدُسْ) [النساء: 11] .

فهذه الآية أفادت: أن كل والد يرث ولده، وكل مولود يرث والده من غير تخصيص، حتى جاءت السنة فخصصت المورث بغير الأنبياء، وذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ » . [12] .

وخصصت السنة الوارث أيضًا بغير القاتل، وذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: « لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَىْءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَوَارِثُهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَلاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا » . [13] .

كما خصصت السنة الاثنين معًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ » . [14] .

فكأن معنى الآية بعد التخصيص هو أن كل مورث من أب وأم يرثه أبناؤه إلا أن يكون المورث نبيًا، فإن الأنبياء لا يورثون، وإلا أن يكون الوارث قاتلًا لأصله المورث فإنه لا يرثه، وإلا أن يختلف الدِّين بين المورث والوارث، فإنه لا توارث عند اختلاف الدين.

الصورة الرابعة: إن في القرآن الكريم آياتٍ مطلقة مع أن المراد منها مقيَّد، ولا سبيل لتقييدها، وبيان وجه الحقِّ فيها غير السنَّة النبوية.

والمطلَق: هو ما دلَّ على فرد شائع غير مقيد لفظًا بأي قيد، كحيوان وطائر وتلميذ، فهذه ألفاظ وضع كل منها للدلالة على فرد واحد شائع في جنسه.

والمقيَّد: هو ما دلَّ على فرد مقيد لفظًا بقيد ما، ومن أمثلة تقييد السنة لمطلق القرآن:

1.قول الله عز وجل: (وَالسَّاْرِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاْقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمْ) [ المائدة: 38] .

فقطع اليد في الآية لم يقيد بموضع خاص، وعليه فيجوز القطع إلى المفصل، أو إلى المرفق، أو إلى المنكب لإطلاق اليد على كل ذلك, ولكن السنة جاءت فقيدت القطع بأن يكون إلى الرسغ أو إلى المفصل - أي: مفصل الكوع.

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، كَانُوا يَقْطَعُونَ السَّارِقَ مِنْ الْمَفْصِلِ [15] ""

وفي البيهقي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْطَعُ السَّارِقَ مِنَ الْمَفْصِلِ وَكَانَ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْطَعُهَا مِنْ شَطْرِ الْقَدَمِ. [16] .

2.قول الله عز وجل: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتَ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ بِاْلْمَعْرُوْفِ حَقًا عَلَىْ الْمُتَّقِيْنْ) [البقرة: 180] . وقوله في آية النساء: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوْصِيْنَ بِهَا أَوْ دَيْنْ) [النساء: 11] .

فالوصية هنا مطلقة لا يقيدها قيد، فجاءت السنة فقيدتها بما لا يزيد عن الثلث، حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص عند ما أراد أن يوصي بالكثير من ماله: « الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ » . [17] .

3.قول الله عز وجل: (وَلْيَطَّوْفُوْا بِاْلبَيْتِ العَتِيْقِ) [سورة الحج: 29] .

فهذا الأمر من الله تعالى يوجب الطواف مطلقًا، سواءٌ أكان الطائف على طهارة، أم على غير طهارة، وقيدته سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطهارة، فلا يطوف بالبيت الحرام إلا من كان طاهرًا.

روى جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في آخر حجته: « خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى أَنْ لاَ أَحُجَّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ » . [18] .

وقد جاء في حديث عائشة:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَوَّلُ شَىْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ [19] ."

فقوله:"خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ"يقتضي وجوب كل ما فعله - ومنها الطهارة للطواف - إلا ما قام دليل على عدم وجوبه.

ويؤكد حكم الطهارة حديث عائشة لما حاضت وهي محرمة، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاقْضِى مَا يَقْضِى الْحَاجُّ ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِى بِالْبَيْتِ » . [20] .

الصورة الخامسة: أن في القرآن الكريم آيات مشكلة مع غيرها أو مع سنن أخرى صحيحة أو مع العقل:

ولو أخذت هذه الآيات على ظاهرها لأوقعت الإنسان في شيء من القلق أو الحيرة أو الاضطراب، ولا سبيل لرفع مثل هذه الإشكالات وإزالتها إلا السنة، ومن أمثلة ذلك:

1.قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاْكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُوْنُوْا شُهَدَاءَ عَلَىْ النَّاسِ وَيَكُوْنَ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهِيْدًا....) [ سورة البقرة: 143] .

فإنها مشكلة مع واقع أمته - صلى الله عليه وسلم - ، إذ هي متأخرة زمانًا، فكيف تكون شهيدة على الأمم السابقة؟ وكيف يكون الرسول شهيدًا على سائر الرسل السابقين أيضًا مع أنه آخرهم زمانًا؟.

فجاءت السنة فأزالت هذه الإشكالات، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:« يَجِىءُ النَّبِىُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِىُّ وَمَعَهُ الرَّجُلاَنِ وأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا فَيَقُولُونَ لاَ. فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَيُقَالُ لَهُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَيُدْعَى وَأُمَّتُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمَهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ.

فَيُقَالُ وَمَا عِلْمُكُمْ فَيَقُولُونَ جَاءَنَا نَبِيُّنَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قَالَ يَقُولُ عَدْلًا (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ». [21] .

2.قوله تعالى: (وَكُلُوْا وَاْشْرَبُوْا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوْا الْصِّيَامَ إِلَى الَّلْيْلْ....) [سورة البقرة: 187] .

فقد فهم بعض الصحابة من الخيط الأبيض والخيط الأسود حقيقتهما وأنه يباح الأكل للصائم حتى تتبين له رؤيتهما.

فجاءت السنة فرفعت هذا الإشكال، وبينت أن الخيط الأبيض والخيط الأسود: مجازان عن بياض النهار وسواد الليل.

فعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ) عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِى ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِى اللَّيْلِ ، فَلاَ يَسْتَبِينُ لِى ، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ « إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ » . [22]

3.ما جاء عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ » . فَقُلْتُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) فَقَالَ: « لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ » . [23] .

(1) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 114) (20833) صحيح لغيره

(2) - صحيح البخارى (1643 ) ومسلم (3140 )

(3) - انظر: إعلام الموقعين لابن القيم، 2/ 44.

(4) - سنن الترمذى (3328 ) وهو صحيح

(5) - صحيح البخارى (1459 ) الورق: الفضة

(6) - أخرجه البخاري بمعناه، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، رقم: (1454) .

(7) - أخرجه أبو داود بمعناه، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، رقم: (1576) .

(8) - سنن أبى داود (2456 ) وهو صحيح

(9) - السنة للمروزي، ص: 36- 45، بتصرف.

(10) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 1 / ص 254) (1241) وقال:وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَهُوَ فِى مَعْنَى الْمُسْنَدِ. وَقَدْ رَفَعَهُ أَوْلاَدُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِمْ.

(11) - صحيح البخارى (3360 )

(12) - مسلم (4676 ) وفيه قصة

(13) - سنن أبى داود (4566 ) حديث حسن

(14) - صحيح البخارى (6764 ) ومسلم (4225)

(15) - تلخيص الحبير، 4/ 71.

(16) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 8 / ص 271) (17712) وفيه انقطاع

(17) - صحيح البخارى (2743 )

(18) - مسند أحمد (14793) صحيح

(19) - صحيح البخارى (1641

(20) - صحيح البخارى (294 ) ومسلم (2976 )

(21) - مسند أحمد (11872) صحيح

(22) - صحيح البخارى (1916 ) العقال: الحبل الذى يعقل به البعير

(23) - صحيح مسلم (7406 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت