فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 522

فأمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ظنت أن الحساب في قوله - صلى الله عليه وسلم -:"من حوسب يوم القيامة عذب"هو بعينه: الحساب المذكور في الآية، ومن هنا نشأ الإشكال عندها، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - مستوضحة الأمر، فبين لها النبي - صلى الله عليه وسلم - المراد: بأن الحساب في الحديث يراد منه المناقشة، وفي الآية يراد منه العرض على الله تعالى.

وبالتالي فلا تعارض ولا إشكال لانفكاك الجهة، إذ التعارض أو الإشكال إنما يكون إذا اتحدت الجهة، ولا اتحاد هنا.

الصورة السادسة: أن في القرآن الكريم آيات منسوخة - أي: رفع حكمها - نسختها السنة المطهرة:

وهذا ما ذهب إليه الجمهور من العلماء، ومن أمثلة ذلك:

قول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [سورة البقرة: 180] .

فهذه الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين، لكن هذا الحكم منسوخ بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ » . [1] .

فإن قيل: ثبت النسخ بآية المواريث، لا بالحديث، فإنها نزلت بعد آية الوصية باتفاق؟

أجيب: بأن الناسخ للوصية الحديث وليست آية المواريث، ذلك أن آية المواريث بينت أن لهم حقًا هو الإرث، ولم تنف وجوب الوصية لهم، فقد تدلُّ الأولى على الوصية للوالدين والأقارب، والثانية على إعطاء الإرث المقدَّر لهم شرعًا، فيكون الوالدان والأقارب يجمعون حقين: الوصية والإرث، فجاءت السنة ونسخت الوصية لهم واكتفت بالإرث المقدَّر لهم شرعًا، وقالت: « إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ » فليس له بعد ذلك في الوصية حق ما دام أخذ الميراث [2] .

وهكذا يتبين بهذه الصور وغيرها عدم استغناء القرآن الكريم عن السنة النبوية، وإلا تعطلت أكثر آياته، وبطلت أحكامها، وبالتالي يتعطلُ الإسلام ويبطل العمل به.

وقد يسأل البعض: لما لم يتحدث كتاب الله عز وجل على تفصيلات هذه الأمور التي تركها لبيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟

والجواب من وجوه:

الأول: أن ذلك يعدُّ آية من آيات إعجاز القرآن الكريم حيث تضمن الأصول العامة والقواعد الكلية للأحكام الشرعية، تاركًا التعرض إلى تفاصيلها والتفريع عليها للسنة ليحقق بذلك النهضة الإنسانية الشاملة، والرقي الاجتماعي والفكري في كل أمة مهما كانت بيئتها وأعرافها، وفي كل زمان.

الثاني: أن القرآن الكريم لو اهتم بهذه التفصيلات لطال إطالة تجعل من الحرج على المؤمنين أن يستقصوه، ويحفظوه، ويرتلوه، وكل هذا واجب عليهم، هذا بالإضافة إلى أنه كتاب هداية يضمُّ كل ما يهدي المؤمنين في كل وقت، ومثل هذه التفصيلات لا أعتقد أن التالي لها - لو كانت في كتاب الله - تشع في نفسه تلك الهداية التي يستشعرها المؤمن في كل آية يتلوها من كتاب الله الكريم.

الثالث: أن القدوة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تتحقق، فلا بد من الاقتناع العقلي، وهذا يتمثل في أن يرى المسلمون أن هذا الرسول ليس شخصًا فقط، وإنما هو جزء من دينهم الذي جاء به من عند الله، ولن يتحقق هذا الجزء إلا باتباع نبيهم في الصلوات وغيرها، وإلا فكيف يصلي المؤمن دون تنفيذ ما أتى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا المجال؟ إن هذا مستحيل عقلًا. والله عز وجل أعلم [3] .

الأمر الثاني الذي يبرز دور السنة في التشريع وأهميتها:

أن هناك أحكامًا كثيرةً استقلتِ السنة النبوية بتشريعها، وقد تلقت الأمة هذه الأحكام بالقبول، وإن كانت زائدةً على ما جاء في القرآن الكريم.

من هذه الأحكام: مشروعية الشفعة، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وأنه لا يقتل مسلم بكافر، وحد الرجم، وحد الردة، والنهي عن زواج المتعة، وغير ذلك كثير وكثير حتى إن ابن القيم يقول: (أَحْكَامُ السُّنَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ إنْ لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ تَنْقُصْ عَنْهَا ؛ فَلَوْ سَاغَ لَنَا رَدُّ كُلِّ سُنَّةٍ زَائِدَةٍ كَانَتْ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ لَبَطَلَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كُلُّهَا إلَّا سُنَّةً دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّهُ سَيَقَعُ وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ خَبَرِهِ .) [4] .

وهذا النوع - السنة المستقلة- مختلف فيه بين العلماء، إلا أن الخلاف ليس في الاعتداد بالأحكام الثابتة في السنة زيادة عن الأحكام الثابتة في القرآن الكريم، وإنما الخلاف في مخرجه وملحظه.

1.فالجمهور يسمون الأحكام الزائدة على ما في القرآن الكريم استقلالًا, ويقولون: قد ثبت لها الاستقلال من الأدلة التي وردت في القرآن الكريم الدالة على وجوب طاعته - صلى الله عليه وسلم - طاعة مطلقة، تدلُّ على عموم الطاعة بما أتى به مما في الكتاب ومما ليس فيه مما هو من سنته.

قال الشوكاني معبرًا عن هذا الاتجاه:"قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وإنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) [5] ."

أي: أوتيت القرآن، وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن" [6] ."

وقال ابن القيم معبرًا ومنتصرًا لرأي الجمهور: وَالسُّنَّةُ مَعَ الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ؛ فَيَكُونُ تَوَارُدُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْحُكْمِ الْوَاحِدِ مِنْ بَابِ تَوَارُدِ الْأَدِلَّةِ وَتَظَافُرِهَا .

الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِمَا أُرِيدَ بِالْقُرْآنِ وَتَفْسِيرًا لَهُ .

الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِحُكْمٍ سَكَتَ الْقُرْآنُ عَنْ إيجَابِهِ أَوْ مُحَرِّمَةً لِمَا سَكَتَ عَنْ تَحْرِيمِهِ ، وَلَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ ، فَلَا تُعَارِضُ الْقُرْآنَ بِوَجْهٍ مَا ، فَمَا كَانَ مِنْهَا زَائِدًا عَلَى الْقُرْآنِ فَهُوَ تَشْرِيعٌ مُبْتَدَأٌ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ ، وَلَا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ ، وَلَيْسَ هَذَا تَقْدِيمًا لَهَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، بَلْ امْتِثَالٌ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ ، وَلَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُطَاعُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَمْ يَكُنْ لِطَاعَتِهِ مَعْنًى ، وَسَقَطَتْ طَاعَتُهُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ" [7] . وقد قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [سورة النساء: 80] ."

كما يفيده أيضًا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ....) [سورة النساء: 59] .

فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه...

"وَاَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْنَا طَاعَةَ رَسُولِهِ وَقَبُولِ قَوْلِهِ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ هُوَ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ وَقَبُولَ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ ، وَاَلَّذِي قَالَ لَنَا: { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } هُوَ الَّذِي شَرَعَ لَنَا هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَلَى لِسَانِهِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلَّاهُ مَنْصِبَ التَّشْرِيعِ عَنْهُ ابْتِدَاءً ، كَمَا وَلَّاهُ مَنْصِبَ الْبَيَانِ لِمَا أَرَادَهُ بِكَلَامِهِ ، بَلْ كَلَامُهُ كُلُّهُ بَيَانٌ عَنْ اللَّهِ ، وَالزِّيَادَةُ بِجَمِيعِ وُجُوهِهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ الْبَيَانِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، بَلْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ الطَّيِّبُ إذَا سَمِعُوا الْحَدِيثَ عَنْهُ وَجَدُوا تَصْدِيقَهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَبَدًا: إنَّ هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ فَلَا نَقْبَلُهُ وَلَا نَسْمَعُهُ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَجَلُّ فِي صُدُورِهِمْ وَسُنَّتُهُ أَعْظَمُ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ . وَلَا فَرْقَ أَصْلًا بَيْنَ مَجِيءِ السُّنَّةِ بِعَدَدِ الطَّوَافِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَمَجِيئِهَا بِفَرْضِ الطُّمَأْنِينَةِ وَتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَالنِّيَّةِ ؛ فَإِنَّ الْجَمِيعَ بَيَانٌ لِمُرَادِ اللَّهِ أَنَّهُ أَوْجَبَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ عَلَى عِبَادِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُرَادُ ، فَجَاءَتْ السُّنَّةُ بَيَانًا لِلْمُرَادِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهَا ، حَتَّى فِي التَّشْرِيعِ الْمُبْتَدَأِ ، فَإِنَّهَا بَيَانٌ لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ عُمُومِ الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَيَانِ هَذَا الْمُرَادِ وَبَيْنَ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالطَّوَافِ وَغَيْرِهَا ، بَلْ هَذَا بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ شَيْءٍ وَذَاكَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ أَعَمَّ مِنْهُ ؛" [8] .

2.وذهب الشاطبي ومن نحا نحوه إلى أن الزيادة التي وردت في السنة لم يثبت بها استقلالًا، وإنما تفرعت على أصل القرآن الكريم، فما من حكم ثبت في السنة إلا هو قائم على أصل وجد في الكتاب الكريم، وأن ما في السنة يرجع إلى نصوصه وإشاراته، أو عمومه، أو قواعده الكلية التي هي أساس ما فيه من الأحكام الجزئية.

فمثلًا: الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لأن مثله قد حرمه الله - وهو الجمع بين الأختين - في كتاب الله عز وجل، فالمصلحة فيها جميعًا واحدة، وهي قطع صلة الرحم، وبث عوامل التفكك في الأسر التي يريد الإسلام لها أن تتماسك وتتراحم، ولهذا نص عليه الصلاة والسلام على هذه المصلحة عندما نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فقال: (إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ.) [9] .

ولكل واحد من الفريقين أدلته وحججه فيما ذهب إليه [10] .

ولكن الذي يهمنا هنا أمران:

الأمر الأول:

أن ما جاءت به السنة من هذا القبيل واجب الاتباع، وهو ما يعترف به الفريقان مع اختلاف وجهة نظرهما في كونه مندرجًا تحت ما جاء في كتاب الله عز وجل أو جديدًا لم ينص عليه فيه.

الأمر الثاني:

أن السُّنَّة على كلتا الوجهتين أضافت شيئًا نحن في حاجة إليه سواءٌ أسميناه بيانًا أم جديدًا، ولن نستطيع أن نهتدي إليه من عند أنفسنا، ومن غير هدي من نبينا - صلى الله عليه وسلم - [11] .

ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لماذا يحب علينا اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - اتباعًا مطلقًا، فيقول:(الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ هُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا حُدِّثَ بِهِ عَنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ: مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ ؛ فَإِنَّ سُنَّتَهُ ثَبَتَتْ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ . فَمَا قَالَهُ إنْ كَانَ خَبَرًا وَجَبَ تَصْدِيقُهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ تَشْرِيعًا إيجَابًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ إبَاحَةً وَجَبَ اتِّبَاعُهُ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُمْ إلَّا حَقًّا، وَهَذَا مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَهُوَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ يُنَبِّئُهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّهُ يُنَبِّئُ النَّاسَ بِالْغَيْبِ ،وَالرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ وَتَبْلِيغِهِمْ رِسَالَاتِ رَبِّهِ . ..وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ فَهُوَ حَقٌّ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَكْتُبُ مَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ فَلَا تَكْتُبُ كُلَّمَا تَسْمَعُ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: اُكْتُبْ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمَا إلَّا حَقٌّ - يَعْنِي شَفَتَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ - } . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحْفَظُ مِنِّي إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ وَيَعِي بِقَلْبِهِ وَكُنْت أَعِي بِقَلْبِي وَلَا أَكْتُبُ بِيَدِي .

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ حَدِيثَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا أَطُلِقَ دَخَلَ فِيهِ ذِكْرُ مَا قَالَهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَذِكْرُ مَا فَعَلَهُ ؛ فَإِنَّ أَفْعَالَهُ الَّتِي أَقَرَّ عَلَيْهَا حُجَّةٌ لَا سِيَّمَا إذَا أَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَهَا كَقَوْلِهِ: { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَقَوْلِهِ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } وَكَذَلِكَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْأُمَّةِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } وَلَمَّا أَحَلَّ لَهُ الْمَوْهُوبَةَ قَالَ: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } . وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا سُئِلَ عَنْ الْفِعْلِ يَذْكُرُ لِلسَّائِلِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَكَانَ إذَا قِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: { إنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ } وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى حَدِيثِهِ: مَا كَانَ يُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ مِثْلَ: إقْرَارِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْتَادُونَهَا وَإِقْرَارِهِ لِعَائِشَةَ عَلَى اللَّعِبِ بِالْبَنَاتِ وَإِقْرَارِهِ فِي الْأَعْيَادِ عَلَى مِثْلِ غِنَاءِ الْجَارِيَتَيْنِ وَمِثْلَ لَعِبِ الْحَبَشَةِ بِالْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِقْرَارِهِ لَهُمْ عَلَى أَكْلِ الضَّبِّ عَلَى مَائِدَتِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامِ . إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الدِّينِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ إقْرَارِهِ .

وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهَا بَعْضُ أَخْبَارِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْضُ سِيرَتِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِثْلَ: تَحَنُّثِهِ بِغَارِ حِرَاءٍ وَمِثْلَ: حُسْنِ سِيرَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَالَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ: مِنْ كَرَائِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ كَقَوْلِ خَدِيجَةَ لَهُ: كَلَّا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا: إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتُعِينَ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ،وَمِثْلُ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ ،وَأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ مُتَعَلِّمٌ مِثْلَهُ ،وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَحْوَالِهِ الَّتِي تَنْفَعُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِنُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ ،فَهَذِهِ الْأُمُورُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ كَثِيرًا ؛ وَلِهَذَا يُذْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ سِيرَتِهِ كَمَا يُذْكَرُ فِيهَا نَسَبُهُ وَأَقَارِبُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ بِمَا يُعْلَمُ أَحْوَالُهُ ،وَهَذَا أَيْضًا قَدْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْحَدِيثِ . وَالْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا أَخْبَارُهُ مِنْهَا كُتُب التَّفْسِيرِ وَمِنْهَا كُتُبُ السِّيرَةِ وَالْمَغَازِي وَمِنْهَا كُتُبُ الْحَدِيثِ .

وَكُتُبُ الْحَدِيثِ هِيَ مَا كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَخَصُّ وَإِنْ كَانَ فِيهَا أُمُورٌ جَرَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ؛ فَإِنَّ تِلْكَ لَا تُذْكَرُ لِتُؤْخَذَ وَتَشْرَعَ فِعْلَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ،بَلْ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ الْإِيمَانَ بِهِ وَالْعَمَلَ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ .

وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَهُمْ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَخَلَّى فِي الْغِيرَانِ وَالْجِبَالِ حَيْثُ لَا جُمُعَةَ وَلَا جَمَاعَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ يَقْتَدِي بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِكَوْنِهِ كَانَ مُتَحَنِّثًا فِي غَارِ حِرَاءٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فِي تَرْكِ مَا شُرِعَ لَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ وَاقْتَدَى بِمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَانَ مُخْطِئًا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَهُ اللَّه بِالنُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ التَّحَنُّثِ فِي غَارِ حِرَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ،وَقَدْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَتَاهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَفِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ وَلَمْ يَقْصِدْ غَارَ حِرَاءٍ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَأْتِي غَارَ حِرَاءٍ وَلَا يَتَخَلَّوْنَ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْقَطِعَةِ وَلَا عَمَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَلْوَةً أَرْبَعِينِيَّةً كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْإِيمَانَ بِهِ وَاتِّبَاعَهُ ؛ مِثْلَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الصَّلَوَاتِ وَمِثْلَ الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ وَمِثْلَ أَنْوَاعِ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَمِثْلَ الْجِهَادِ".) [12] ."

وهكذا يتبين لنا من خلال ما عرضناه في الصفحات السابقة: أهمية السنة، ووجه الحاجة الشديدة إليها، وضرورة العناية بها، والمحافظة عليها.

وقد فهم سلفُ الأمة هذا المعنى جيدًا، فعملوا على تثبيته وإقراره في النفوس.

فقد روى أبو داود من حديث حَبِيبٍ الْمَالِكِىِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنَا بِأَحَادِيثَ مَا نَجِدُ لَهَا أَصْلًا فِى الْقُرْآنِ. فَغَضِبَ عِمْرَانُ وَقَالَ لِلرَّجُلِ أَوَجَدْتُمْ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا شَاةً شَاةٌ وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا بَعِيرًا كَذَا وَكَذَا أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِى الْقُرْآنِ قَالَ لاَ. قَالَ فَعَنْ مَنْ أَخَذْتُمْ هَذَا أَخَذْتُمُوهُ عَنَّا وَأَخَذْنَاهُ عَنْ نَبِىِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا. [13] .

(1) - سنن أبى داود (2872 ) صحيح

(2) - أصول الفقه وابن تيمية، ص: 546. و الفصول في الأصول - (ج 2 / ص 53) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 1 / ص 455) وفواتح الرحموت - (ج 2 / ص 77) وشرح الورقات في أصول الفقه - (ج 4 / ص 10) وشرح التلويح على التوضيح - (ج 2 / ص 74) وتيسير علم أصول الفقه .. للجديع - (ج 3 / ص 80) والبحر المحيط في أصول الفقه - (ج 3 / ص 199) وشرح الكوكب المنير - (ج 3 / ص 206)

(3) - انظر: المدخل إلى توثيق السنة ،رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 16- 17.

(4) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 470) وإعلام الموقعين - (ج 2 / ص 309) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 366) و إعلام الموقعين، (2/ 290) .

(5) - سنن أبى داود (4606 ) صحيح

(6) - إرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 69) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 97)

(7) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 468) و إعلام الموقعين (2/ 307، 308) .

(8) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 475) و إعلام الموقعين، (2/ 313) .

(9) - أصول التشريع الإسلامي، ص: 40، والحديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، (6/ 263) .

(10) - انظر: استقلال السنة بالتشريع بين المثبتين والمنكرين، ص: 93 - 122.

(11) - انظر: المدخل إلى توثيق السنة، ص: 15- 16.

(12) - مجموع الفتاوى - (ج 18 / ص 6-10) بتصرف

(13) - سنن أبى داود (1563 ) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت