إذا كان سببُ الطعن في الراوي فحشَ الغلط أو كثرةَ الغفلة أو الفسق ـ وهو السبب الثالث والرابع والخامس ـ فحديثه يسمَّى المنكر .
1-تعريفه:
أ) لغة: هو اسم مفعول من"الإنكار"ضد الإقرار .
ب) اصطلاحًا: عرف علماء الحديث المنكر بتعريفات متعددة أشهرها تعريفان وهما:
1-هو الحديث الذي في إسناده راو فَحُشَ غَلَطُهُ ، أَو كَثُرَتْ غَفلَتُه ، أَو ظهَرَ فِسْقُه. [2]
ومشى على هذا التعريف البيقوني في منظومته فقال:
ومنكرُ الفرد به راو غدا ... تعديله لا يحمل التفردا
2-هو ما رواه الضعيفُ مخالفًا لما رواه الثقة. [3]
وهذا التعريف هو الذي ذكره الحافظ ابن حجر واعتمده ، وفيه زيادة على التعريف الأول وهي قيد مخالفة الضعيف لما رواه الثقة .
2-الفرقُ بينه وبين الشاذِّ:
أ) أن الشاذ ما رواه المقبول [4] مخالفًا لمن هو أولى منه.
ب) أن المنكر ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة.
فيُعْلَم من هذا أنهما يشتركان في اشتراط المخالفة ،ويفترقان في أن الشاذ رَاوِيْه مقبول ، والمنكر راويه ضعيف . قال ابن حجر:"وقد غفل من سَوَّى بينهما" [5] .
3-مثالُه:
أ) مثال للتعريف الأول: وهو الفرد الَّذي ليسَ في رواته من الثِّقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده .
ما رواه ابن ماجه من طريق يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَدَنِىُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ كُلُوا الْخَلَقَ بِالْجَدِيدِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَغْضَبُ وَيَقُولُ بَقِىَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أَكَلَ الْخَلَقَ بِالْجَدِيدِ » . [6]
قال النسائي:"هذا حديث منكر ."
تفرَّد به أبو زُكَير, وهو شيخٌ صالح [7] , أخرج له مسلم في المَُابعات, غير أنَّه لم يبلغ مَبْلغ من يحتمل تفرده, بل قد أطلقَ عليه الأئمة القول بالتَّضعيف, فقال ابن معين [8] : ضعيف, وقال ابن حبان [9] : لا يُحتج به, وقال العُقَيلي: لا يُتَابع على حديثه [10] , وأورد لهُ ابن عدي أربعةُ أحاديث مناكير [11] .
مثال للتعريف الثاني: وهو المُنفرد المُخَالف لِمَا رواهُ الثِّقَات, رواية مالك, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ » . [12] .
فخالفَ مالك غيره من الثِّقات في قوله: عُمر بن عثمان, بضم العين, وذكر مسلم في «التمييز» : أنَّ كل من رواه من أصحاب الزُّهْري قاله بفتحها, وأنَّ مالكًا وهِمَ في ذلك .
قال العِرَاقي [13] :"وذكرَ أنَّ مالكًا كانَ يشيرُ بيدهِ إلى دارِ عُمَرَ بنِ عثمانَ ، كأنَّهُ علمَ أنَّهم يخالفونَهُ ، وعَمرٌو وعُمَرُ جميعًا ولدا عثمانَ غيرَ أنَّ هذا الحديثَ إنّما هوَ عن عَمرٍو - بفتحِ العينِ - وحكمَ مسلمٌ وغيرُهُ على مالكٍ بالوهمِ فيهِ ، هكذا مثَّلَ ابنُ الصلاحِ بهذا المثالِ ، وفيهِ نظرٌ ، منْ حيثُ إنَّ هذا الحديثَ ليسَ بمنكرٍ ، ولمْ يطلقْ عليهِ أحدٌ اسمَ النكارةِ فيما رأيت والمتن ليسَ بمنكرٍ ، وغايتُهُ أنْ يكونَ السندُ منكرًا ، أو شاذًا لمخالفةِ الثقاتِ لمالكٍ في ذلكَ ، ولا يلزمُ من شذوذِ السندِ ونكارتِهِ وجودُ ذلكَ الوصفِ في المتنِ، فقدْ ذكرَ ابنُ الصلاحِ في نوعِ المعللِ: أنَّ العلةَ الواقعةَ في السندِ قدْ تقدحُ في المتنِ،وقدْ لا تقدحُ ومثَّلَ ما لا تقدحُ بما رواهُ يعلى بنُ عُبيدٍ ، عنِ الثَّوريِّ ، عنْ عَمرِو بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ: (( البَيِّعَانِ بالخِيَار ) )قالَ: فهذا إسنادٌ معلَّلٌ غيرُ صحيحٍ ، والمتنُ على كلِّ حالٍ صحيحٌ ، قالَ: والعلّةُ في قولهِ عن عَمرِو بنِ دينارٍ ، وإنّما هوَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ. انتهى . [14] "
فحكمَ على المتنِ بالصحةِ معَ الحكمِ بوهمِ يعلى بنِ عُبيدٍ فيهِ، بل هذا الحديثُ مثالٌ لهذا القسمِ من المنكر ، وهوَ ما رواهُ أصحابُ السننِ الأربعةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ. وَالْوَهَمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ وَلَمْ يَرْوِهِ إِلاَّ هَمَّامٌ.، [15]
وقالَ النسائيُّ بعدَ تخريجهِ: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ انتهى . فهمّامُ بنُ يحيى ثقةٌ ، احتجَّ بهِ أهلُ الصحيحِ ، ولكنَّهُ خالفَ الناسَ ، فروى عنِ ابنِ جريجٍ هذَا المتنَ بهذا السندِ وإنّما رَوَى الناسُ عنِ ابنِ جريجٍ الحديثَ الذي أشارَ إليهِ أبو داودَ ، ولهذا حكمَ عليهِ أبو داودَ بالنكارةِ ، وأما الترمذيُّ فقالَ فيه [16] : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ .""
4-تنبيهات هامة:
الأول- قد عُلم مِمَّا تقدم, بل من صريح كلام ابن الصَّلاح: أنَّ الشَّاذ والمنكر بمعنى.
وقال الحافظ ابن حجر [17] : إنَّ الشَّاذ والمُنْكر يجتمعان في اشْتراط المُخَالفة ويَفْترقان في أنَّ الشَّاذ راويه ثقة, أو صدوق, والمُنْكر راويه ضعيف.
قال: وقد غفل من سَوَّى بينهما.
ثمَّ مثَّل المُنكر بما رواه المعجم الكبير للطبراني [18] - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن غَنَّامٍ , وَمُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ , قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عُثْمَانَ بن أَبِي شَيْبَةَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي , قَالا: حَدَّثَنَا حُبَيِّبِ بن حَبِيبٍ أَخُو حَمْزَةَ الزَّيَّاتُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْعَيْزَارِ بن حُرَيْثٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:مَنْ أَقَامَ الصَّلاةَ , وَآتَى الزَّكَاةَ , وَحَجَّ الْبَيْتَ , وَصَامَ رَمَضَانَ , وَقَرَى الضَّيْفَ دَخَلَ الْجَنَّةَ..
وفي علل الحديث ( 2043) وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ ؛ رَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ حَبِيبٍ أَخُو حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ أَقَامَ الصَّلاةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ ، وَحَجَّ الْبَيْتَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ ، وَقَرَى الضَّيْفَ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ.
قلت: كما في مصنف عبد الرزاق برقم (20530) عَنْ مَعْمَرٍ عن أبي إسحاق عن العيزار أَنَّ ابْنَ عباس أتاه الأعراب فقالوا إنا نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونحج البيت ونصوم رمضان وإن ناسا من المهاجرين يقولون لسنا على شيء فقال ابن عباس من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة .
وحينئذ فالحديث لا مُخَالفة فيه, وراويه مُتَّهم بالكذب, بأن لا يروى إلاَّ من جهتهِ, وهو مُخالف للقواعد المعلومة, أو عرف به في غير الحديث النَّبوي, أو كثير الغلط, أو الفِسْق, أو الغَفْلة يُسمَّى: المتروك وهو نوع مستقل ذكره شيخ الإسلام. [19]
كحديث صَدَقة الدَّقيقي, عن فرقد, عن مُرَّة, عن أبي بكر, وحديث عَمرو بن شمر, عن جابر الجُعْفي, عن الحارث, عن علي.
الثاني: عِبَارة شيخ الإسْلام في «النخبة» : فإن خُولف الرَّاوي بأرجح يُقَال له: المحفوظ, ومقابله يقال له: الشَّاذ. [20]
وإن وقعت المُخَالفة مع الضَّعف, فالرَّاجح يُقال له: المعرُوف, ومُقَابله يُقال له: المُنْكر, وقد علمت من ذلك تفسير المحفُوظ والمعروف, وهُمَا من الأنواع الَّتي أهملها ابن الصَّلاح والمُصنِّف, وحقهما أن يُذكرا, كما ذكر المُتَّصل مع ما يقابله من المُرسل والمنقطع والمُعضل.
الثَّالث: وقعَ في عِبَارتهم: أنكر ما رواه فُلان كذا, وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفًا.
وقال ابن عَدي [21] : أنكرَ ما روى بُريد بن عبد الله بن أبي بُرْدة: «إذَا أرادَ الله بأمِّة خيرًا قبضَ نبيها قَبْلها» . قال: وهذا طريقٌ حسن رُواته ثِقَات, وقد أدخله قومٌ في صِحَاحهم. انتهى.
قلت: إنما قال هذا الكلام في سياق الدفاع عن بريد ،قال في الكامل لابن عدي - (ج 2 / ص 63) :
"وقد اعتبرت حديثه فلم أر فيه حديثا أنكره ،وأنكر ما روى هذا الحديث الذي ذكرته إذا أراد الله عزوجل بأمة خيرا قبض نبيها قبلها ،وهذا طريق حسن ورواه ثقات ،وقد أدخله قوم في صحاحهم ،وأرجو أن لا يكون ببريد هذا بأسا"
يعني أن هذا الحديث أقرب الأحاديث إلى أن ينكره منكرٌ ، ومع ذلك فهو كما قال:"طريق حسن ...."فكأنه يقول: غذا كان هذا حال أقرب حديث من أحاديثه إلى الإنكار ، فكيف يكون حال بقية أحاديثه .
والحاصل أن كلام ابن عدي هذا يدلُّ سياقه على التوثيق لا التجريح ، والتصحيح لا التضعيف . [22]
والحديث في صحيح مسلم (6105 ) قَالَ مُسْلِمٌ وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِى أُسَامَةَ وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِى بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَىٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ » .. [23]
قلت: وفي سنده انقطاع ، وقد وصله عدة كما في مسند البزار (3177) والإحسان (6647 ) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ أُمَّةٍ ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا ، وَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ هَلَكَةَ أُمَّةٍ ، عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيُّ ، فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الإِسْنَادِ .
قلت: وهو صحيح على شرط مسلم
وفي المعجم الكبير للطبراني - (ج 20 / ص 184) (1612) والأوسط (4457) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بن عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: نا يَحْيَى بن بُرَيْدِ بن أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ سَلَفًا وَفرَطًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلاكَهَا عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلاكِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ، وَعَصَوْا أَمْرَهُ". لا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي مُوسَى إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: الْقَوَارِيرِيُّ
قلت: لم يتفرد القواريري ولا شيخه كما في رواية البزار
وقال الَّذهبي في ترجمة الوليد بن مسلم [24] :
"أَنْكَرُ مَا لَهُ حَدِيْثٌ رَوَاهُ عُثْمَانُ بنُ سَعِيْدٍ الدَّارِمِيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالاَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا الوَلِيْدُ بنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءهُ عَلِيٌّ، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، تَفَلَّتَ هَذَا القُرْآنُ مِنْ صَدْرِي، فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ.فَقَالَ: (يَا أَبَا الحَسَنِ، أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ، وَيُثَّبِتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ؟) .قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُوْلَ اللهِ. قَالَ: (إِذَا بِتَّ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُوْمَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُوْدَةٌ، وَالدُّعَاءُ فِيْهَا مُسْتَجَابٌ، وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوْبُ لِبَنِيْهِ: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يُوْسُفُ: 98] حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَقُمْ فِي وَسَطِهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَفِي أَوَّلِهَا، فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي الأُوْلَى: بِالفَاتِحَةِ وَيس، وَفِي الثَّانِيَةِ: بِالفَاتِحَةِ وَالدُّخَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: بِآلم السَّجْدَةِ، وَفِي الرَّابِعَةِ: تَبَارَكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ، فَاحْمَدِ اللهَ، وَأَحْسِنِ الثَّنَاءَ، وَصَلِّ عَلَيَّ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّيْنَ، وَاسْتَغْفرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ، وَقُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ المَعَاصِي، وَارْحَمْنِي أَنْ أَتَكَلَّفَ مَا لاَ يَعْنِيْنِي، وَارْزُقْنِي حُسْنَ النَّظَرِ فِيْمَا يُرْضِيْكَ عَنِّي، اللَّهُمَّ بَدِيْعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، وَالعِزَّةِ الَّتِي لاَ تُرَامُ، أَسْأَلُكَ يَا اللهُ، يَا رَحْمَنُ، بِجَلاَلِكَ وَنُوْرِ وَجْهِكَ، أَنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِكَ...) فِي دُعَاءٍ فِيْهِ طَوِيْلٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: (يَا أَبَا الحَسَنِ، تَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ جُمَعٍ، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، تُجَابُ بِإِذْنِ اللهِ) . قَالَ: فَمَا لَبِثَ عَلِيٌّ إِلاَّ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، حَتَّى جَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مَا لِي كُنْتُ فِيْمَا خَلاَ لاَ آخُذُ إِلاَّ أَرْبَعَ آيَاتٍ وَنَحْوَهُنَّ، وَأَنَا أَتَعَلَّمُ اليَوْمَ أَرْبَعِيْنَ آيَةً، وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ الأَحَادِيْثَ، فَإِذَا رَدَّدْتُهُ، تَفَلَّتَ، وَأَنَا اليَوْمَ أَسْمَعُ الأَحَادِيْثَ، فَإِذَا حَدَّثْتُ، لَمْ أُحَرِّفْ مِنْهَا حَرفًا؟"
فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: (مُؤْمِنٌ - وَرَبِّ الكَعْبَةِ - أَبَا الحَسَنِ) .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، غَرِيْبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيْثِ الوَلِيْدِ.
قُلْتُ: هَذَا عِنْدِي مَوْضُوْعٌ وَالسَّلاَمُ، وَلَعَلَّ الآفَةَ دَخَلَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ ابْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيْلَ فِيْهِ، فَإِنَّهُ مُنْكَرُ الحَدِيْثِ، وَإِنْ كَانَ حَافِظًا، فَلَو كَانَ، قَالَ فِيْهِ: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، لَرَاجَ، وَلَكِنْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيْثِ، فَقَوِيَتِ الرِّيْبَةُ، وَإِنَّمَا هَذَا الحَدِيْثُ يَرْوِيْهِ هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ القُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدٌ هَذَا لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَشَيْخُهُ لاَ يُدْرَى مَنْ هُوَ""
قلتُ:
أخرجه من طريقه الترمذى (3918 ) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ.
والمستدرك للحاكم (1190) وقال عقبه:هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، وتعقبه الذهبي بقوله:"هذا حديث شاذ ، أخاف أن يكون موضوعًا ، وقد حيرني والله جودة سنده"!
وفي الترغيب والترهيب للمنذري 2226 ) قال عقبه: قال المملي رضي الله عنه طريق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جدا والله أعلم.
وفي الأسماء والصفات للبيهقي (659) وقال عقبه:وهذا حديث تفرد به أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي بهذا اللفظ .
وقال الشيخ ناصر رحمه الله في السلسلة الضعيفة ( 3374) منكر
وقال في آخره وجملة القول ؛ أن هذا الحديث موضوع كما قال الذهبي في"الميزان"، وقال أيضًا: وهو من أنكر ما أتى به الوليد بن مسلم . وابن الجوزي ما أبعد عن الصواب أيضًا: وهو من أنكر ما أتى به الوليد بن مسلم . وابن الجوزي ما أبعد عن الصواب حين أورده في"الموضوعات"، ومن تعقبه ، فلم يأت بشيء يستحق النظر فيه .
قلت: لم ينتبه لقول الذهبي في السير
(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 14) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 8) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 5) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 104) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 189) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 15) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 12) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 17) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 338) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 108) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 185) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 80) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 11) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 184)
(2) - انظر النخبة وشرحها ص 47 .
(3) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 190) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 338)
(4) - المراد بالمقبول هنا ما يشمل راوي الصحيح وراوي الحسن ( أي العدل التام الضبط ـ أو العدل الذي خف ضبطه ) .
(5) - انظر النخبة وشرحها ص 37 ويعني بقوله هذا ابن الصلاح، فقد سوى بين الشاذ والمنكر في"علوم الحديث"ص 72 إذ قال"المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه"
(6) - برقم (3455 ) والسنن الكبرى للإمام النسائي الرسالة - (ج 4 / ص 361) برقم (6690)
(7) - أصل هذا الكلام لأبي يعلى الخليلي في الإرشاد 1/173 قال:"هذا فرد شاذ لم يروه عن هشام غير أبي زكير ، وهو شيخ صالح ، ولا يحكم بصحته ولا بضعفه"
قال الذهبي في السير 9/299 قلت:"بل نحكم بضعفه ، ونكارة مثل هذا"
(8) - الجرح والتعديل 9/184
(9) - المجروحون 3/119
(10) - الضعفاء الكبير 4/427
(11) - الكامل 7/2698
(12) - مثال الأوَّل: موطأ مالك (1086 )
(13) - التقييد والإيضاح ص 106
(14) - قلت: وهذا هو الذي أراده ابن الصلاح من هذا التمثيل ، أراد نكارة الإسناد لا المتن ، ولا تلازم بينهما .
وهذا الخطأ - وإن لم يعرف من وصفه بالنكارة قبل ابن الصلاح - إلا أنه وصف صحيح على أساس أن المنكر هو الخطأ المتحقق في الإسناد أو في المتن .
وقد رأيت الإمام أبا حاتم الرازي وصف مثل هذا الخطإ بالنكارة ، ابنه في قال ابن أبي حاتم في العلل (1564) وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ ؛ رَوَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ الْخَمْرَ ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ الْمِزْرَ ؟ قَالَ: مَا الْمِزْرُ ؟ قَالَ: حَبَّةٌ بِالْيَمَنِ قَالَ: هَلْ يُسْكِرُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ
قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، لا يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَبِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَشْبَهُ""
(15) - سنن أبى داود (19 )
(16) - سنن الترمذى (1850)
(17) - زيادة الثقة في كتب مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 8) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 105) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 179) ونزهة النظر ص 99
(18) - (ج 10 / ص 283) برقم (12524 )
(19) - الزهة ص 122
(20) - نزهة النظر ص 97
مراد أهل العلم من قولهم ( المحفوظ مقابل الشاذ ) و (المعروف مقابل المنكر ) أي: حيث تقع رواية شاذةً ، ويستدل على شذوذها بالمخالفة ، فإن الرواية الراجحة هي المحفوظة ، وحيث تقع رواية منكرة ، ويستدلُ على نكارتها بالمخالفة ، فإن الرواية الراجحة هي المعروفة .
ومعلوم بداهة أن الرواية الصحيحة المحفوظة أو المعروفة هي صحيحة ثابتة ، وإن لم تعارضها رواية شاذً أو منكرة ً .
وبهذا نعلمُ خطأ من صنف في علم المصطلح من المعاصرين ، حيث أفرد لكل من المحفوظ والمعروف فصلًا ، معرِّفًا الأول بأنه: مارواه الأوثق مخالفا لرواية الثقة ، والثاني بأنه: ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الضعيف !!
فأوهم بذلك أنه لا يكون الحديث محفوظًا إلا إذا عارضه شاذٌّ ، ولا معروفًا إلا إذا عارضه منكر !!
وإنما استدل الأئمة على شذوذ الرواية الشاذة بمخالفتها لما هو محفوظ سلفًا ، وعلى نكارة المنكرة بمخالفتها لما هو معروف سلفًا ،فالمحفوظُ محفوظٌ وإن لم يخالف / والمعروف معروف وإن لم يخالف ، فافهم . / هامش التدريب 1/114-115
(21) - الكامل 2/496
(22) - انظر هامش التدريب 1/115
(23) - الفرط: المتقدم والمراد الشفيع
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 7 / ص 493) :"قَالَ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي: هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْمُنْقَطِعَة فِي مُسْلِم ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الَّذِي حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي أُسَامَة . قُلْت: وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَة اِنْقِطَاع ، وَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَة مَجْهُول ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَاشِيَة بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة: قَالَ الْجُلُودِيّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب الْأَرْغِيَانِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي أُسَامَة بِإِسْنَادِهِ ."
(24) - سير أعلام النبلاء (9/217-220)