وهو أن خبر الآحاد بحد ذاته لا يفيد إلا غلبة الظن إلا إذا احتفت به القرائن فيفيد عندئذ اليقين ، وبه يقول كثير من المحققين من أهل العلم
قال الإمام السيوطي [1] :
"وقال في «شرح النخبة» [2] : الخبر المُحْتفِ بالقَرَائن يُفيد العِلْم, خلافًا لمن أبَى ذلك."
قال: وهو أنواع:
منها: ما أخرجه الشَّيخان في «صحيحيهما» مِمَّا لم يبلغ التَّواتر, فإنَّه احتف به قرائن.
منها: جلالتهما في هذا الشَّأن, وتقدمهما في تَميِّيز الصَّحيح على غيرهما, وتلقى العُلماء لكتابيهما بالقَبُول, وهذا التَّلقي وحدهُ أقوى في إفَادة العِلْم من مُجرد كَثْرة الطُّرق القاصرة عن التَّواتر, إلاَّ أنَّ هذا مُختص بما لم ينتقده أحد من الحُفَّاظ مِمَّا في الكتابين, وبما لم يقع التَّجاذب بين مدلوليه, مِمَّا وقع في الكِتَابين, حيث لا ترجيح, لاسْتحَالة أن يُفيد المتناقضان العلم بصدقهما, من غير ترجيح لأحدهما على الآخر, وما عدَا ذلك, فالإجماع حاصل على تسليم صحته"."
"قلتُ: وقد استثنى ابن الصَّلاح من المقطُوع بصحَّته فيهما ما تكلَّم فيه من أحاديثهما, فقال: سوى أحرف يسيرة تكلَّم عليها بعض أهل النَّقد من الحُفَّاظ كالدَّارقُطْني وغيره. [3] "
قال شيخ الإسْلام: وعدة ذلك مئتان وعشُرون حديثًا اشتركا في اثنين وثلاثين, واختصَّ البُخَاري بثمانين إلاَّ اثنين, ومسلم بمئة وعشرة. [4]
فقال المُصنِّف في «شرح البُخَاري» [5] : ما ضعف من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة.
وقال شيخ الإسْلام [6] : فكأنَّه مال بهذا إلى أنَّه ليس فيهما ضعيف, وكلامه في «شرح مسلم» يقتضي تقرير قول من ضعف, فكان هذا بالنسبة إلى مقامهما, وأنَّه يدفع عن البُخَاري ويُقرِّر على مُسْلم.
قال العِرَاقي [7] : وقد أفردتُ كتابًا لما تكلَّم فيه في «الصَّحيحين» أو أحدهما مع الجَوَاب عنه.
قال شيخُ الإسْلام [8] : لم يُبيض هذا الكتاب, وعُدمت مُسَودته, وقد سردَ شيخ الإسْلام ما في البُخَاري من الأحاديث المُتكلَّم فيها في «مقدمة» شرحه, وأجاب عنها حديثا حديثا.
ورأيتُ فيما يتعلَّق بمُسلم تأليفا مخصُوصًا فيما ضُعِّف من أحاديثه, بسبب ضعف رُواته, وقد ألَّف الشَّيخ ولي الدين العِرَاقي كتابًا في الرَّد عليه.
وذكر بعض الحُفَّاظ أنَّ في كتاب مسلم أحاديث مُخالفة لشرط الصَّحيح, بعضها أُبْهم راويه, وبعضها فيه إرْسَال وانْقطاع, وبعضها فيه وجَادة, وهي في حكم الانقطاع, وبعضها بالمكاتبة.
وقد ألَّف الرَّشيد العَطَّار كتابًا في الرَّد عليه, والجواب عنها حديثًا حديثًا وقد وقفتُ عليه, وسيأتي نقل ما فيه مُلخصًا مُفرَّقا في المواضع اللائقة به إن شَاء الله تعالى, ونُعجِّل هُنا بجواب شامل, لا يختص بحديث دون حديث.
قال شيخُ الإسْلام في «مُقدمة شرح البُخَاري» [9] : الجواب من حيث الإجمال عمَّا انْتُقد عليهما, أنَّه لا ريب في تقدم البُخَاري, ثمَّ مسلم على أهل عَصْرهما, ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصَّحيح والعلل, فإنَّهم لا يختلفون أنَّ ابن المَدِيني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث, وعنهُ أخذ البُخَاري ذلك, ومع ذلكَ, فكان ابن المَدِيني إذا بلغهُ عن البُخَاري شيء يَقُول: ما رأى مثل نفسهِ, وكان محمَّد بن يحيى الذُّهلي أعلم أهل عَصْرهِ بعلل حديث الزُّهْري, وقد استفاد ذلك منه الشَّيخان جميعا.
وقال مسلم [10] : عرضتُ كتابي على أبي زرعة الرَّازي, فمَا أشار أنَّ له عِلَّة تركته.
فإذا عُرف ذلك, وتقرَّر أنَّهما لا يُخرجان من الحديث إلاَّ ما لا عِلَّة له, أو له عِلَّة غير مُؤثرة عندهما, فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يَكُون قوله مُعَارضا لتصحيحهما, ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما, فيندفع الاعتراض من حيث الجُمْلة.
وأمَّا من حيث التفصيل فالأحاديث الَّتي انتقدت عليهما سِتَّة أقسام:
الأوَّل: ما يختلف الرُّواة فيه بالزِّيادة والنَّقص من رجال الإسْنَاد, فإن أخرج صاحب الصَّحيح الطَّريق المزيدة, وعلَّله الناقد بالطريق الناقصة, فهو تعليل مردود, لأنَّ الرَّاوي إن كان سمعهُ فالزِّيادة لا تضر, لأنَّه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه, ثمَّ لقيهُ فسمعه منه, وإن كان لم يسمعه في الطَّريق النَّاقصة, فهو منقطع, والمنقطع ضعيف, والضعيف لا يعل الصحيح.
ومن أمثلة ذلك ما أخرجاهُ كلاهما من طريق الأَعْمَشِ قالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - مَرَّ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: « إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ - ثُمَّ قَالَ - بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ » . قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ، ثُمَّ قَالَ « لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا » .
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ « أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ » . قَالَ فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ « لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا » . [11] .
قال الدَّارقُطْني في انتقاده [12] : قد خالف منصور, فقال: عن مُجَاهد عن ابن عبَّاس, وأخرج البُخَاري حديث منصور على إسقاط طاووس, قال: وحديث الأعمش أصح.
قال شيخ الإسْلام: وهذا في التَّحقيق ليس بعلَّة, فإنَّ مُجَاهدا لم يُوصف بالتَّدليس, وقد صحَّ سَماعه من ابن عبَّاس, ومنصور عندهم أتقن من الأعمش, والأعمش أيضًا من الحُفَّاظ, فالحديث كيفما دار, دار على ثقة, والإسناد كيفما دار, كان مُتَّصلًا, وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا, وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق النَّاقصة, وعلَّله الناقد بالمزيدة, تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صحَّحه المُصنِّف, فينظر إن كان الرَّاوي صحابيا, أو ثقة غير مُدلِّس, قد أدرك من روى عنه إدراكا بينًا, أو صرَّح بالسَّماع إن كان مدلِّسًا من طريق أخرى, فإن وجد ذلكَ اندفعَ الاعتراض بذلك, وإن لم يوجد وكان الانقطاع ظاهرًا, فمحصل الجَوَاب أنَّه إنَّما أخرج مثل ذلك, حيث له سائغ وعاضد, وحفته قرينة في الجملة تقويه, ويكُون التَّصحيح وقع من حيث المَجْمُوع.
مثاله: ما رواه البُخَاري من حديث أبي مروان عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - زَوْجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهْوَ بِمَكَّةَ ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا أُقِيمَتْ صَلاَةُ الصُّبْحِ فَطُوفِى عَلَى بَعِيرِكِ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ » . فَفَعَلَتْ ذَلِكَ ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ .. [13]
قال الدَّارقُطْني: هذا مُنقطع, وقد وَصَلهُ حفص بن غِيَاث, عن هشام, عن أبيه, عن زينب, عن أمِّ سلمة, ووصله مالك في «الموطأ» عن أبي الأسْود عن عُروة كذلك.
قال شيخ الإسْلام: حديث مالك عندَ البُخَاري مقرون بحديث أبي مروان, وقد وقع في رِوَاية الأصيلي, عن هِشَام, عن أبيه, عن زينب, عن أمِّ سَلَمة موصُولًا, وعليها اعتمد المِزِّي في «الأطراف» ولكن مُعظم الرِّوايات على إسْقَاط زينب.
قال أبو علي الجِيَاني: وهو صحيح, وكذا أخرجهُ الإسْمَاعيلي بإسْقَاطه, من حديث عَبْدة بن سُليمان ومُحاضر وحسَّان بن إبراهيم, كُلهم عن هِشَام, وهو المحفُوظ من حديثه, وإنَّما اعتمدَ البُخَاري فيه رِوَاية مالك, الَّتي أثبت فيها ذكر زينب, ثمَّ ساق معها رواية هشام الَّتي أسقطت منها, حاكيًا للخلاف فيه على عروة كَعَادته, مع أنَّ سَمَاع عُروة من أمِّ سلمة ليسَ بالمُستبعد.
قال: وربَّما علَّل بعض النُّقاد أحاديث ادَّعى فيها الانقطاع, لكونها مَرْوية بالمُكَاتبة والإجَازة, وهذا لا يلزم منهُ الانقطاع عند من يُسوِّغ ذلك, بل في تخريج صاحب الصَّحيح لمثل ذلك دليل على صحَّته عنده.
القسم الثاني: ما تختلفُ الرُّواة فيه بتغيير رِجَال بعض الإسْنَاد, والجَوَاب عنه أنَّه إن أمْكَن الجمع بأن يَكُون الحديث عند ذلكَ الرَّاوي على الوجهين, فأخرجهما المُصنِّف, ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المُختلفون في ذلك مُتعادلين في الحفظ والعدد, أو مُتفاوتين, فيخرج الطَّريقة الرَّاجحة ويعرض عن المَرْجُوحة, أو يُشير إليها, فالتعليل بجميع ذلك لمُجَرَّد الاختلاف غيرُ قادح, إذ لا يَلْزم من مُجَرَّد الاختلاف اضطراب يُوجب الضَّعف.
الثَّالث: ما تفرَّد فيه بعض الرُّواة, بزيادة لم يذكرها أكثر منه أو أضبط, وهذا لا يُؤثر التَّعليل به, إلاَّ إن كانت الزِّيادة مُنَافية, بحيث يتعذَّرُ الجمعُ, وإلاَّ فهي كالحديث المُستقلِّ, إلاَّ إن وضح بالدليل القويِّ أنَّها مُدْرجة من كلام بعض رُواته فهو مؤثر, وسيأتي مثاله في المُدْرج.
الرَّابع: ما تفرَّد به بعض الرُّواة مِمَّن ضُعِّف, وليس في الصَّحيح من هذا القبيل غير حديثين, تبين أنَّ كُلاًّ منهما قد تُوبعَ.
أحدهما: حديث إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَىُّ ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ ، وَإِيَّاىَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ ، وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِى بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لاَ أَبَا لَكَ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَىَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَايْمُ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّى قَدْ ظَلَمْتُهُمْ ، إِنَّهَا لَبِلاَدُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِى الإِسْلاَمِ ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْلاَ الْمَالُ الَّذِى أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْرًا . [14]
قال الدَّارقُطْني: إسْمَاعيل ضعيف.
قال شيخ الإسلام [15] : ولم يَنْفرد به, بل تابعهُ معن بن عيسى, عن مَالك, ثمَّ إن إسماعيل ضعفهُ النَّسائي وغيره, وقال أحمد وابن معين في رواية: لا بأس به, وقال أبو حاتم: محله الصِّدق, كان مُغفَّلًا, وقد صحَّ أنَّه أخرج للبُخَاري أُصوله وأذن له أن ينتقي منها, وهو مُشْعر بأنَّ ما أخرجهُ البُخَاري عنه من صحيح حديثه, لأنَّه كتب من أصوله, وأخرج له مسلم أقل مِمَّا أخرج له البُخَاري.
ثانيهما: حديث أُبَىِّ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْفُ . [16] .
قال الدَّارقُطْني أُبي ضعيف.
قال شيخ الإسْلام: تابعهُ عليه أخوه عبد المُهيمن.
القسم الخامس: ما حكم فيه على بعض الرُّواة بالوهم, فمنه مالا يؤثر قدحًا, ومنه ما يؤثر.
السَّادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن, فهذا أكثره, لا يترتب عليه قدح, لإمكان الجمع أو الترجيح. انتهى [17]
"فإِنْ قِيلَ: إِنَّما اتَّفَقوا على وُجوبِ العَمَلِ بِهِ لا عَلى صِحَّتِهِ ؛ مَنَعْنَاهُ ."
وسَنَدُ المَنْعِ أَنَّهُمْ مُتَّفِقونَ عَلى وُجوبِ العَمَلِ بِكُلِّ مَا صَحَّ ولوْ لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخانِ ، فلمْ يَبْقَ للصَّحيحينِ في هذا مَزيَّةٌ ، والإِجماعُ حاصِلٌ على أَنَّ لهُما مَزِيَّةً فيما يَرْجِعُ إِلى نَفْسِ الصِّحَّةِ .
ومِمَّن صَرَّحَ بإِفادَةِ مَا خَرَّجَهُ الشَّيْخانِ العِلْمَ النَّظَرِيَّ: الأسْتاذُ أَبو إِسْحاقَ الإِسْفَرايِينِيُّ [18] ، ومِن أَئِمَّةِ الحَديثِ أَبو عبدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ [19] ، وأَبو الفَضْلِ بنُ طاهِرٍ [20] وغيرُهُما .
ويُحْتَمَلُ أَنْ يُقالَ: المَزِيَّةُ المَذْكُورَةُ كَوْنُ أَحادِيثِهِما أَصَحَّ الصَّحيحِ". [21] "
و قال الدكتور محمد محمد أبو شهبة [22] :"والحق هو ما ذهب إليه ابن الصلاح وموافقوه من أن أحاديث الصحيحين - عدا ما انتقد- تفيد العلم النظري ، وهذا العلم إنما يحصل للعالم المتبحِّر فيه العارف بأحوال الرواة ، وهذا العلم اليقينيُّ النظريُّ يبدو واضحًا لكل من تبحَّر في علم من العلوم ، وتشبعت نفسه بأصوله وقواعده مسائله ، واطمأن قلبه إليها ، وإنما يستبعد هذا من لم يتحَّرْ في الحديث ، ولم يقف على شروط الأئمة في التصحيح ، وما أخذوا به أنفسهم من التحوط البالغ ، والتحري في نقيد الرجال ، ولا يضيرنا مخالفة مثل هذا ، فمن ذاق عرف ، ومن عرف اعترف"اهـ
ومِنها [23] : (( المَشْهورُ ) )إِذا كانَتْ لهُ طُرُقٌ مُتبايِنَةٌ سالِمَةٌ مِنْ ضَعْفِ الرُّواةِ ، والعِلَلِ .
وممَّن صَرَّحَ بإِفادَتِهِ العِلْمَ النَّظَرِيَّ الأسْتاذُ أَبو مَنْصورٍ البَغْدادِيُّ [24] ، والأسْتاذُ أَبو بَكْرِ بنُ فُورَكٍ [25] (( - بضم الفاء - ) )وغيرُهُما.
مثال الحديث المشهور:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَتَانِى اللَّيْلَةَ رَبِّى تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِى أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ أَحْسَبُهُ قَالَ فِى الْمَنَامِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِى فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قَالَ قُلْتُ لاَ. قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَىَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَىَّ أَوْ قَالَ فِى نَحْرِى فَعَلِمْتُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِى فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ فِى الْكَفَّارَاتِ. وَالْكَفَّارَاتُ الْمُكْثُ فِى الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَالْمَشْىُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِى الْمَكَارِهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِى إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ قَالَ وَالدَّرَجَاتُ إِفْشَاءُ السَّلاَمِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ » .
حم 1/368 و4/66 بعض الصحابة ومجمع1/237 و7/176 و ت (3233و3234) و (3235) معاذ وع (2608) وطب (8115) أبو أمامة و (8207) طارق بن شهاب و20/109 (216) معاذ وعاصم (469) وطبري 7/162 والدعاطب (1414 - 1421) من طرق فهو حديث صحيح مشهور
مثال آخر:
عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ الرَّكْبِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّخْلَةِ الْمَيِّتَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا حِينَ أَلْقَوْهَا » . قَالُوا مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « فَالدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا » .
أخرجه ت (2321) وهـ (4110و4111) وحم1/329و 2/338 و3/365و4/229 و230 وع (2593) أبو هريرة ومجمع 1/335 و10/287 وش 13/245 (34378و34379) عبد الله بن ربيعة ومب 177 (508) وم (2957) 2جابر وهق1/139 و8/22 وبز (3461) المستورد وطس (2913) وطب (5840) سهل و (13310) ابن عمرو20/304 (723) ون (1629) عبد الله بن ربيعة ، فهو حديث صحيح مشهور
مثال آخر:
عنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِجَدِّهِ يَزِيدَ بْنِ أَسَدٍ « أَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ » .
أخرجه حم2/310 أبو هريرة و4/70 و5/247معاذ وع (911) والشاميين (385) أبو هريرة و (1066) أبو أمامة ومجمع 1/ 45وو61و89و و4/216و 8/186 و10/296 من طرق وهق9/161 أبو أمامة وعبد بن حميد (434) وك 4/68 وعن أبي هريرة ت (2305) وهـ (4217) وطس (7054) وطص (1057) وع (5865و6240) والإتحاف 6/223 و264 وتخ 2/49 والترغيب 2/561 والصحيحة (72) والشعب (578و579) معاذ و (5750و9543و 11127 و11128 ) أبو هريرة و (11129) وطب (1651) أبو ذر و (2327) جرير و20/191 (425) معاذ بن أنس وصحيح الجامع (180) وهو صحيح مشهور
قال: ومِنها: (( المُسَلْسَلُ ) )بالأئمَّةِ الحُفَّاظِ المُتْقِنينَ ، حيثُ لا يكونُ غَريبًا ؛ كالحَديثِ [ الَّذي ] يَرْويهِ أَحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَثلًا ويُشارِكُهُ فيهِ غَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ [26] ، ويُشارِكُهُ [ فيهِ ] غيرُهُ عنْ مالِكِ بنِ أَنسٍ [27] ؛ فإِنَّهُ يُفيدُ العِلْمَ عندَ سَامِعِهِ بالاستِدْلالِ مِن [ جِهَةِ ] جَلالَةِ رُواتِهِ ، وأَنَّ فيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ اللاَّئِقَةِ المُوجِبَةِ للقَبولِ مَا يقومُ مَقامَ العَدَدِ الكَثيرِ مِنْ غَيْرِهِم .
ولا يَتَشَكَّكُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمارَسَةٍ بالعِلْمِ وأَخْبارِ النَّاسِ أَنَّ مالِكًا مَثلًا لو شافَهَهُ بخَبَرٍ أَنَّهُ صادِقٌ فيهِ ، فإِذا انْضافَ إِليهِ (( أيضًا ) )مَنْ هُو في تِلْكَ الدَّرَجَةِ ؛ ازْدَادَ قُوَّةً [28] ، وبَعُدَ عَمَّا يُخْشَى عليهِ مِنَ السَّهْوِ .". [29] "
(1) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 84) و قواعد التحديث ج:1 ص:85 و نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 6)
(2) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 44) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 10) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 218) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 139) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 60) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 7)
(3) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 4) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 206)
(4) - مقدمة الفتح ص 643
(5) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 44) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 222)
(6) - شرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 222)
(7) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 44)
(8) - شرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 221) وبحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 213) والنكت على ابن الصلاح 1/380
(9) - مقدمة الفتح - (ج 1 / ص 345) وعلم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 38) وقسم الحديث والمصطلح - (ج 45 / ص 37)
(10) - مقدمة شرح مسلم للنووي 1/15
(11) - صحيح البخارى (1378 ) صحيح مسلم (703 )
العسيب: العصا من جريد النخل
(12) - التتبع ص 500
(13) - صحيح البخارى (1626 ، 464 ، 1619 ، 1633 ، 4853 ) ومقدمة الفتح - (ج 1 / ص 356)
(14) - صحيح البخارى (3059 ) الصريمة: تصغير الصرمة وهى القطعة الواحدة من الإبل
(15) - مقدمة الفتح - (ج 1 / ص 388)
(16) - صحيح البخارى (2855 )
(17) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 86) فما بعدها
(18) - هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق، الإسفرائينيّ، ت418هـ.
(19) - هو محمد بن الفتوح الأزديّ، 420-488هـ، مِن كتبه: الجمع بين الصحيحين.
(20) - هو محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسيّ الشيبانيّ، أبو الفضل، 448-507هـ، عُرف بابن القيسراني، له شروط الأئمة الستة، وغيره.
(21) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 44) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 85) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 7) وقفو الأثر - (ج 1 / ص 49)
(22) - في كتابه الوسيط في علوم الحديث ص 260-261
(23) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 44) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 85) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 62) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 7)
(24) - هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي الإسفرائينيّ، البغداديّ الشافعيّ، تلميذ أبي إسحاق الإسفرائينيّ، ت429هـ.
(25) - هو محمد بن الحسن بن فُوْرَك الأصبهانيّ، أبو بكر، المشهور بابن فُوْرَك، يقال: قاربتْ مؤلفاته المئة.
(26) - هو الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ المطّلِبيّ، أبو عبد الله، 150-204هـ، صاحب المذهب شيخ الإمام أحمد، أوّل مَن صنَّف في أصول الفقه بكتابه الرسالة، مِن أذكياء الدنيا.
(27) - هو إمام دار الهجرة، مِمن سارتْ بفضائله الركبان، 93-179 هـ.
(28) - أَيْ: زاد العدد في الرواية. مع ملاحظة أنّ المقصود زيادة العدد مِن الأئمة الثقات هؤلاء، أمّا عن غيرهم فقد تتعدد الطرق ولا يصح شيء منها.
(29) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 44) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 85) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 7) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 228)