فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 522

رأي الزركشي في التدليس [1] :

" [ تَدْلِيسُ الرُّوَاةِ ] وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ بِتَدْلِيسِ الرُّوَاةِ مَعَ صِدْقِهِ فِي الْمُتُونِ كَشَرِيكٍ , وَهُشَيْمٍ , وَقَتَادَةَ , وَالْأَعْمَشِ , وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ - وَقِيلَ: إنَّ التَّدْلِيسَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ أَشْهَرُ مِنْهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ - فَلَهُ أَحْوَالٌ:"

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي إبْدَالِ الْأَسْمَاءِ بِغَيْرِهَا كَمَا يَقُولُ عَنْ اسْمِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَمْرِو بْنِ بَكْرٍ , فَهُوَ كَذِبٌ يُرَدُّ بِهِ حَدِيثُهُ . قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَ الرُّويَانِيُّ .

ثَانِيهَا: أَنْ يُسَمِّيَهُ بِتَسْمِيَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ , وَسَهَّلَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَمْرَهُ . وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَيْسَ يَجْرَحُ إلَّا أَنَّهُ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ , وَأَمَّا أَبُو الْفَتْحِ بْنُ بَرْهَانٍ فَقَالَ: هُوَ جَرْحٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَرْوِي بِاسْمِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ , وَلَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ اسْمِهِ الْمَشْهُورِ صَوْنًا لَهُ عَنْ الْقَدْحِ . فَلَا تُرَدُّ بِذَلِكَ رِوَايَتُهُ , لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَبِلَ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ ا هـ .

وَلَيْسَ مِنْ هَذَا إعْطَاءُ شَخْصٍ اسْمٌ آخَرَ تَشْبِيهًا لَهُ , كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , وَيَعْنِي بِهِ بَعْضَ مَشَايِخِهِ تَشْبِيهًا بِالْبَيْهَقِيِّ , يَعْنِي الْحَاكِمَ .

ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ التَّدْلِيسُ فِي اطِّرَاحِ اسْمِ الرَّاوِي الْأَقْرَبِ وَإِضَافَةِ الْحَدِيثِ إلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ , فَهَذَا قَدْ فَعَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , فَلَا يَكُونُ بِهِ مَجْرُوحًا , لَكِنْ لَا يُقْبَلُ مِنْ حَدِيثِهِ إذَا رُوِيَ عَنْ فُلَانٍ , حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي , قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ . وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: مَنْ قَبِلَ الْمَرَاسِيلَ لَمْ يُرَ لَهُ أَثَرًا , إلَّا أَنْ يُدَلِّسَ لِضَعْفٍ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ , وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ بِمُطْلَقِ رِوَايَتِهِ , فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ سَمِعْته . وَفَصَّلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي"الْقَوَاطِعِ"بَيْنَ أَنْ يُعْرَفَ بِالتَّدْلِيسِ وَيَغْلِبَ عَلَيْهِ , وَإِذَا اُسْتُكْشِفَ لَمْ يُخْبِرْ بِاسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ , فَهَذَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ , لِأَنَّهُ تَزْوِيرٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ , وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي صِدْقِهِ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: « الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَىْ زُورٍ » [2] . وَبَيْنَ أَنْ يَرَى اسْمَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ , إلَّا أَنَّهُ إذَا كُشِفَ عَنْهُ أَخْبَرَ بِاسْمِهِ وَأَضَافَ الْحَدِيثَ إلَى نَاقِلِهِ , فَهَذَا لَا يُسْقِطَ الْحَدِيثَ , وَلَا يَقْتَضِي الْقَدَحَ فِي الرَّاوِي , وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُدَلِّسُ , فَإِذَا سُئِلَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ بِالْخَبَرِ نَصَّ عَلَى اسْمِهِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ اُشْتُهِرَ بِالتَّدْلِيسِ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إلَّا إذَا صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ وَالتَّحْدِيثِ , فَأَمَّا إذَا قَالَ عَنْ فُلَانٍ لَمْ يُقْبَلْ . وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِالتَّدْلِيسِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ إذَا حَدَّثَ بِالضَّعْفِ ; لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَالِاخْتِصَارِ .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ"الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ": كُلُّ مَنْ ظَهَرَ تَدْلِيسُهُ مِنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ , حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْت , وَمَنْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ , قُبِلَ خَبَرُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا حَكَى عَنْهُ , وَإِنَّمَا تَوَقَّفْنَا فِي الْمُدَلِّسِ لِعَيْبٍ ظَهَرَ لَنَا فِيهِ , وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ عَلَى سَلَامَتِهِ , وَلَوْ تَوَقَّيْنَاهَا لَتَوَقَّيْنَا فِي حَدَّثَنَا لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ قَبِيلَتَهُ وَأَصْحَابَهُ , كَقَوْلِ الْحَسَنِ: خَطَبَنَا فُلَانٌ بِالْبَصْرَةِ , وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا ; لِأَنَّهُ احْتِمَالٌ لَاغٍ , فَكَذَلِكَ مَنْ عُلِمَ سَمَاعُهُ إذَا كَانَ عَنْ مُدَلِّسٍ , وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ صَحَابِيٌّ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا , فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ وَالْقَائِلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ يَغْفُلُ .

وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: الْمُدَلِّسُ هُوَ مَنْ يُوهِمُ شَيْئًا ظَاهِرُهُ بِخِلَافِ بَاطِنِهِ , وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ مِنَ الْكَذِبِ , مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ وَاسِطَةٌ . فَإِذَا كَفَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَبَ أَنْ يَكُفَّ عَنْ إخْبَارِهِ . وَقَدْ شَدَّدَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِيهِ , فَقَالَ شُعْبَةُ: لَأَنْ أَزني أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ . قَالَ: وَوَجَدْت ابْنَ أَخِي هِشَامٍ حَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجِيزُ التَّدْلِيسَ , وَلَا يَقُولُ بِهِ . وَيَقُولُ: هَذَا سُلَيْمَانُ الشَّاذَكُونِيُّ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَدَيَّنَ بِالْحَدِيثِ , فَلَا يَكْتُبُ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ شَيْئًا إلَّا مَا قَالَا: حَدَّثَنَا , أَوْ أَخْبَرَنَا , وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ خَلٌّ وَبَقْلٌ . قَالَ: وَمَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ وُقِفَ فِي خَبَرِهِ . قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحَدِّثَ إنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ عَنْ فُلَانٍ إيهَامَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ فَهُوَ غِشٌّ , وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْفَتْوَى كَقِصَّةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْجُنُبِ يَصُومُ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ . قَالَ: وَالْكَلَامُ فِي الصُّحُفِ وَغَيْرِهَا مِثْلُ هَذَا , وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ الْكِتَابُ إلَّا أَنْ يَرْوِيَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , كَكِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ [3] . فَأَمَّا إذَا كَانَ كِتَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا , فَيُقَالُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ إلَّا وَقَدْ صَحَّ شَرَائِطُهُ , وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَقِفُ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ . ا هـ .

قَالَ: وَمَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَرْفٌ , حَتَّى يُبَيِّنَ سَمَاعَهُ , وَيُقْبَلَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقَاتِ , وَقَدْ يُعْرَفُ التَّدْلِيسُ بِأَنْ يُكْثِرَ عَنْ الْمَجْهُولِينَ , وَيَصِلَ الْوُقُوفَ , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ تُوَقِّفَ فِي خَبَرِهِ , وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ: مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ , لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ , حَتَّى يُخْبِرَ بِالسَّمَاعِ , فَيَقُولُ: سَمِعْت أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي وَنَحْوُهُ . فَأَمَّا إذَا قَالَ: قَالَ فُلَانٌ فَلَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ تَدْلِيسَهُ ظَهَرَ . فَالْوَاجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُ فِي خَبَرِهِ , وَإِنَّمَا يُسَامَحُ الثِّقَاتُ غَيْرُ الْمَعْرُوفِينَ بِالتَّدْلِيسِ فِي قَوْلِهِمْ عَنْ فُلَانٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالسَّمَاعِ فِي خَبَرِهِ , وَيُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى السَّمَاعِ عَلَى حَمْلِهِ مَا عُرِفَ مِنْهُمْ , فَصَيَّرَ ذَلِكَ كَاللُّغَةِ الْجَارِيَةِ , فَأَمَّا مَنْ ظَهَرَ فِيهِ التَّدْلِيسُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَشْفِ , لِيُوقَفَ عَلَى مَنْ سَمِعَ مِنْهُ الْخَبَرَ لِيُنْظَرَ فِي أَحْوَالِهِ اهـ

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ , وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: إنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ لَمْ يُقْبَلْ , حَتَّى يُصَرِّحَ بِالتَّحْدِيثِ , وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِهِ قُبِلَ مِنْهُ قَوْلُهُ: قَالَ فُلَانٌ إذَا حَكَاهُ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ وَحُمِلَ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ . قَالَ سُلَيْمٌ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْمُدَلِّسِ بِحَالٍ , وَجَعَلَهُ جَرْحًا , وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ خَبَرِ الْمُدَلِّسِ , وَهُوَ الَّذِي يَعْزِي الرِّوَايَةِ إلَى رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَجُلٌ آخَرُ , فَعَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ , وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد عَلَى مَا حَكَاهُ الْجَزَرِيُّ , وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَتَهُ لَا تُقْبَلُ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَدَّ الْمَرَاسِيلَ , وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِيمَنْ قَبِلَهَا , وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ شَدَّدَ فِي الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ رِوَايَتِهِ , حَتَّى قَالَ: لَا تُقْبَلُ مِنْهُ إذَا قَالَ: أَخْبَرَنِي , حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْت ; لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا لَبْسَ فِيهِ , وَالْأَوَّلُ فِيهِ لَبْسٌ .

قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَبُولَ رِوَايَتِهِ , وَالظَّاهِرُ عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ عِنْدِي أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ , وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الْخِلَافَ فِي قَبُولِ حَدِيثِ الْمُدَلِّسِ , ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي وَرَعِهِ وَتَحَفُّظِهِ .

وَأَمَّا قَبُولُ حَدِيثِهِ أَوْ رَدِّهِ , فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى تَأْوِيلِهِ , وَغَرَضِهِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى التَّدْلِيسِ , وَعَلَى الْفَطِنِ فِي مِقْدَارِ تَغْرِيرِهِ بِالسَّامِعِينَ مِنْهُ , وَهَلْ أَمِنَ أَنْ يَقَعُوا بِمَا حَدَّثَهُمْ فِي نَقْلِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ , لَوْ أَبْدَى لَهُمْ مَا كَتَمَ أَمْ لَا ؟ .

وَقَالَ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ": التَّدْلِيسُ يَتَضَمَّنُ الْإِرْسَالَ لَا مَحَالَةَ ; لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي حَذْفِ الْوَاسِطَةِ . وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ التَّدْلِيسَ يُوهِمُ سَمَاعَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ , وَهُوَ الْمُوهِنُ لِأَمْرِهِ , وَالْإِرْسَالُ لَا يَتَضَمَّنُ التَّدْلِيسَ ; لِأَنَّهُ لَا يُوهِمُ ذَلِكَ , وَالْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِهِ , وَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ مَنْ قَبِلَ الْمُرْسَلَ , وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَهُّمِ . وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ لَمْ يُقْبَلُ إذَا أَوْرَدَهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ السَّمَاعَ وَغَيْرَهُ , وَإِنْ لَمْ يُوهِمْ ذَلِكَ قُبِلَ . وَقَالَ: وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي , فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْإِجَازَةِ قُبِلَ , وَمَنْ لَا يُجَوِّزُهُ لَمْ يَقْبَلْهُ لِإِيهَامِ إرَادَةِ مَا يُجَوَّزُ الْعَمَلُ بِهِ , وَهُوَ لَا يُجَوِّزُهُ .""

6-حكمُ التدليس:

أ) أما تدليس الإسناد: فمكروه جدًا. ذمة أكثر العلماء وكان شعبة من أشدهم ذمًا له فقال فيه أقوالا منها:"التدليس أخو الكذب". [4]

ب) وأما تدليس التسوية: فهو أشد كراهة منه ، حتى قال العراقي:"وهو قادحٌ فيمنْ تعمدَ فِعْله." [5]

ج) وأما تدليس الشيوخ: فكراهته أخف من تدليس الإسناد ،لأن المدلس لم يُسقط أحدًا ، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه ، وتوعير طريق معرفته على السامع وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه . [6]

7-الأغراضُ الحاملة على التدليس [7] :

أ) الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ أربعة هي:

1-ضعف الشيخ أو كونه غير ثقة .

2-تأخر وفاته بحيث شاركه في السماع منه جماعة دونه.

3-صغر سنه بحيث يكون أصغر من الراوي عنه .

4-كثرة الرواية عنه، فلا يحبُّ الإكثار من ذكر اسمه على صورة واحدة.

ب) الأغراض الحاملة على تدليس الإسناد خمسة وهي:

1-توهيم عُلُوِّ الإسناد .

2-فَوَات شيء من الحديث عن شيخ سمع منه الكثير .

3-4- 5 ـ الأغراض الثلاثة الأولى المذكورة في تدليس الشيوخ.

8-أسباب ذم المدلَّس: ثلاثة هي

أ) إيهامه السماع ممن لم يسمع عنه .

ب) عدوله عن الكشف إلى الاحتمال .

ج) علمه بأنه لو ذكر الذي دلس عنه لم يكن مَرْضِيّا [8]

9-حكمُ رواية المدلِّس:

اختلف العلماء في قبول رواية المدلَّس على أقوال، أشهرها قولان.

رد رواية المدلس مطلقا وإن بين السماع، لأن التدليس نفسه جرح. ( وهذا غير معتمد ) .

التفصيل: ( وهو الصحيح ) إن صرح بالسماع قبلت روايته ، أي إن قال"سمعت"أو نحوها قبل حديثه ،وان لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي إن قال"عن"ونحوها لم يقبل حديثه [9] .

10-بم يعرف التدليس ؟

يعرف التدليس بأحد أمرين:

إخبار المدلس نفسه إذا سئل مثلا ، كما جرى لابن عيينة .

نَصُّ إمام من أئمة هذا الشأن بناء على معرفته ذلك من البحث والتتبع .

11 -أشهر المصنفات في التدليس والمدلسين:

هناك مصنفات في التدليس والمدلسين كثيرة أشهرها:

ثلاثة مصنفات للخطيب البغدادي ، واحدا في أسماء المدلسين ، واسمه التبيين لأسماء المدلسين [10] والآخران أفرد كلا ً منهما لبيان نوع من أنواع التدليس. [11]

التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين بن الحلبي (وقد طبعت هذه الرسالة ) .

تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس للحافظ ابن حجر ( وقد طبعت أيضا) .

ـــــــــــــــ

(1) - جامع الفقه الإسلامي

(2) - صحيح البخارى (5219 )

(3) - المستدرك للحاكم (1445) والسنن الكبرى للبيهقي - (ج 4 / ص 90) (7508)

وقال الحاكم عقبه بعد روايته من طرق:هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَبِيرٌ مُفَسَّرٌ فِي هَذَا الْبَابِ يَشْهَدُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَقَامَ الْعُلَمَاءُ فِي عَصْرِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ بِالصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرِي لَهُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الدِّمَشْقِيُّ الْخَوْلانِيُّ مَعْرُوفٌ بِالزُّهْرِيِّ ، وَإِنْ كَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ غَمَزَهُ فَقَدْ عَدَّلَهُ غَيْرُهُ ، كَمَا أَخْبَرَنِيهِ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ فِي الصَّدَقَاتِ ، فَقَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْخَوْلانِيُّ عِنْدَنَا مِمَّنْ لاَ بَأْسَ بِهِ ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَسَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ ذَلِكَ ، قَالَ الْحَاكِمُ: قَدْ بَذَلْتُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ الاجْتِهَادُ فِي إِخْرَاجِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الْمُفَسَّرَةِ الْمُلَخَّصَةِ فِي الزَّكَاةِ ، وَلا يَسْتَغْنِي هَذَا الْكِتَابُ عَنْ شَرْحِهَا ، وَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى صِحَّتِهَا بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْخُلَفَاءِ وَالتَّابِعِينَ بَقَبُولِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا بِمَا فِيهِ غُنْيَةٌ لِمَنْ أَنَاطَهَا ، وَقَدْ كَانَ إِمَامُنَا شُعْبَةُ يَقُولُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ فِي الْوُضُوءِ لأَنْ يَصِحَّ لِي مِثْلُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي ، وَذَاكَ حَدِيثٌ فِي صَلاةِ التَّطَوُّعِ فَكَيْفَ بِهَذِهِ السُّنَنِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ الإِسْلامِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفَّقِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

(4) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 13) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 8) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 345) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 178) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 167) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 423)

(5) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 165)

(6) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 450) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 167) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 421)

(7) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 15)

(8) - راجع الكفاية ص 358والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 347)

(9) - علوم الحديث ص 67 - 681

(10) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 350)

(11) - الكفاية ص 357

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت