هذا الوصف صريح في حق الراوي باعتبار حديثه ، لا أمْر آخر .
وهي من ألفاظ الجرح الموجبة ضعفه عند الناقد .
وقدر الجرح بهذه العبارة في التحقيق متفاوت ، بين الضعف الذي يبقي للراوي شيئًا من الاعتبار ، والشديد الذي يبلغ به إلى حد التهمة ، فهي لفظةٌ مفسَّرةُ باعتبار ، مجملة باعتبار .
ويفسَّرُ ذلك في حقِّ الراوي المعين بالقرائن المصاحبة للوصف ، أو بدلالة أقاويل سائر النقاد فيه .
ومما يبين تلك الدرجات الأمثلة التالية:
1 -قول أبي حاتم الرَّازيِّ في ( سعيد بن الفضل بن ثابت البصريِّ ) :"ليس بالقوي ، منكر الحديث" [1] ، وقوله في ( سليمان بن عطاء الحرَّانيِّ ) :"منكر الحديث ، يكتب حديثه" [2] ، وقوله في ( عبد الله بن جعفر بن نجيح المدينيِّ ) :"منكر الحديث جدًا ، ضعيف الحديث ، يحدث عن الثقات بالمناكير ، يكتب حديث ولا يحتج به" [3] .
وقول أبي زرعة الرازي في ( سلامة بن روح الأيْليِّ ) :"ضعيف منكر الحديث"، فقال له ابن أبي حاتم: يُكتب حديثه ؟ قال:"نعم ، يكتب على الاعتبار" [4] .
فاقترانُ وصف ( منكر الحديث ) بتليين الراوي ، أو بكتابة حديثه ، دليلٌ على أنه ليس بمطروح الحديث ، بل يعتبر به .
وشبيهٌ به في المعنى ما يقع في عبارات ابن حِبان ، كقوله في"عبد الله بن نافع المدني مولى ابن عمر":"منكر الحديث ، كان ممن يخطئ ولا يعلم ، لا يجوز الاحتجاج بأخباره التي لم يوافق فيه الثقات ، ولا الاعتبار منها بما خالف الأثبات" [5] .
فهذا يجعله في مرتبة من يعتبر به في المتابعات والشواهد .
وجدير أن تلاحظ هنا أنَّ من يعتبر به ممن هذا نعته ، فإنما هو الاعتبار بغير المنكر من روايته ؛ لأن المنكر لا يعتبر به .
2 -وسئل أحمد بن حنبل عن ( عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيِّ ) ، قيل له: يروى عن الإفريقيِّ ؟ قال:"لا ، هو منكر الحديث" [6] ، وقال أبو زرعة في ( محمد بن عبد الله بن نمران ) :"منكر الحديث ، لا يكتب حديثه" [7] ، وقال أبو حاتم الرازي في ( مسلمة بن علي الخُشَنيِّ ) :"ضعيف الحديث ، لا يشتغل به"، فقال له ابنه: هو متروك الحديث ؟ قال:"هو في حد الترك ، منكر الحديث" [8] .
فهذه الأمثلة دلت على أن ( منكر الحديث ) يكون في منزلة المتروك الذي لا يعتبر به ، على خلاف في بعضها .
3 -وقال يحيى بن معين في ( محمد بن سعيد الشامي المصلوب ) :"منكر الحديث" [9] .
فهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث ،ووصفه يحيى بكونه ( منكر الحديث ) .
وعلمنا كون هذا الاستعمال هنا أريد به المتروك الكذاب بدلالة المعروف عن النقاد في شأنه .
إذًا استعمالهم لهذه اللفظة يجب أن يراعى فيه درجة الجرح بها ، ولا يصح أن تحمل على الجرح الشديد المسقط لذاتها ، إلا أن يُعدم في الراوي من الأوصاف سِواها .
وهذا الذي ذكرت في بيان معنى هذه العبارة هو الذي يجري عليه الاصطلاح لعامة النقاد ، ومنهم البخاري في التحقيق .
تفسير قول البخاري في الراوي:"منكر الحديث":
حكى أبو الحسن القطان عن البخاري أنه قال في كتابه"الأوسط":"كل من قلت فيه: منكر الحديث ؛ فلا تحل الرواية عنه" [10] .
هذا النص عن البخاري وجدت من يذكره يعزوه لابن القطان ، ولم أجد له ذكرًا فيما في أيدينا من مصنَّفَات البخاري ، ولما فيه من الشِّدَّة ألحق في رأي بعض متأخري المحدثين بأسوأ مراتب التجريح .
والذي وجدته بالتتبُّع أن استعمال البخاري لهذه اللفظة لا يختلف عن استعمال من سبقه أو لحقه من علماء الحديث ، فهو إنما يقول ذلك في حقِّ من غلبت النكارة على حديثه ،أو استحكمت من جميعه ، وربما حكم عليه غيره بمثل حُكمه ، وربَّما وصف بكونه ( متروك الحديث ) ، وربما اتُّهم بالكذب ، وربما وصف بمجرد الضعف ، وربما قال ذلك البخاري في الراوي المجهول الذي لم يرو إلا الحديث الواحد المنكر .
وهذه أمثلة متفاوتة من الرواة لذلك:
قال البخاري في ( إسحاق بن نجيح الملطي ) :"منكر الحديث"، وهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث عندهم ، ومثله ممن لا تحل الراوية عنه إلاَّ للبيان.
وقالها في ( ثابت بن زهير أبي زهير) ، وهكذا جاءت عبارات غيره على الموافقة لما قال لفظًا أو معنى , وقال ابن عدي:"كل أحاديثه تُخالفُ الثقات في أسانيدها ومتونها" [11] ، ومنهم من قال:"متروك الحديث".
وقالها في ( جُميع بن ثُوب الرَّحبيِّ ) ، وقال ابن عدي:"عامَّةُ أحاديثه مناكير ، كما ذكره البخاري" [12] .
قلت: وهذا من ابن عدي تفسير ظاهر لمراد البخاري بهذه اللفظة ، والتي تؤكد ما ذكرته آنفًا أنَّه مراد أئمة الشأن .
وقالها البخاري في ( إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ) ، ولم يقله غيره ممن سبقه ، بل قال أحمد بن حنبل:"ثقة"، وقال ابن معين:"صالح"، لكن وافقه عليه من أقرانه أبو حاتم الرازي ، وفسَّره فقال:"شيخ ليس بقوي ، يكتب حديثه ، ولا يُحتج به ، منكر الحديث" [13] ، فكأنه يقول: له أحاديث مناكير ، ولم يغلب ذلك على حديثه إلى درجة أنه صار لا تحلُّ الراوية عنه .
وهذا ابن عدي يقول بعدما حرَّر مروياته:"له غير ما ذكرته من الأحاديث ، ولم أجد له أوحش من هذه الأحاديث ، وهو صالح في باب الرواية ، كما حكي عن يحيى بن معين ، ويكتب حديثه مع ضعفه" [14] .
قلت: وكان البخاري قال مرة:"عنده مناكير" [15] ، وهذه أظهر في أمره من الإطلاق المتقدِّم ، لكن دلَّ هذا على أن تلك العبارة من البخاري لا تعني دائمًا أن يكون الراوي الموصوف بذلك ينزَّل منزلة المتروك الساقط ، والذي هو مقتضى عبارة:"لا تحلُّ الرواية عنه".
وقالها البخاري في ( عبد الله بن خالد بن سلمة المخزومي ) ، وكذلك قال أبو حاتم الرازي [16] ، وفسر أمره ابن عدي ، فقال:"ليس له من الحديث إلا اليسير ، ولعله لا يروي عنه غير محمد بن عقبة" [17] .
ومن بابه ( عبد الله بن المؤمل المخزومي ) ، قال أبو داود:"منكر الحديث" [18] ، وكان قليل الحديث ، كما بين ذلك ابن حبان فقال:"قليل الحديث ، منكر الرواية ، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد ؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به ، وذاك أنه قليل الحديث ، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته ، فيحكم له بالعدالة أو الجرح ، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقينًا فيقبل ما انفرد به ، فعسى نحلُّ الحرام ونحرِّم الحرام برواية من ليس بعدل ، أو نقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل اعتمادًا منها على رواية من ليس بعدل عندنًا ، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه" [19] .
قلت: وفي هذا بقاء على أصل استعمال هذه اللفظة فيمن لم يرو إلا المنكر أو غلب ذلك على حديثه ، فهذا وإن لم يرو إلا اليسير ، لكن جميعُ ذلك منكر ، فصح أن يكون ( منكر الحديث ) ، وهذا جرح له بالنظر إلى مروياته دون حاله .
ويستثنى من دلالة الاصطلاح في استعمال ( منكر الحديث ) صورة تحتاج إلى تيقظ ، وهي:
ما وقع من استعمال بعض المتقدمين هذا الوصف يريد به أن الراوي يتفرد ويُغْرب .
وعلى هذا حمل بعض الأئمة قول يحيى بن سعيد القطان في ( قيس بن أبي حازم) :"منكر الحديث"وذكر له أحاديث مناكير [20] .
كما قال يعقوب بن شيبة:"الذين أطْرَوْه يحملون هذه الأحاديث عنه على أنها عندهم غير مناكير ، وقالوا: هي غرائب" [21] .
ولذا قال ابن حجر:"ومراد القطان بالمنكر: الفرد المطلق" [22] .
وهو استعمال أحمد بن حنبل أيضًا في طائفةٍ من الثقات ، لم يكن مرادُهُ يعدو التفرد ،مثل: محمد بن إبراهيم التيمي ، وزيد بن أبي أنيسة ، وعمرو بن الحارث ، والحسين بن واقد ، وخالد بن مخلد .
ومما يُؤيِّد هذا قول أحمد بن حنبل في ( الحسين بن الحسن الأشقر ) :"منكر الحديث ، وكان صدوقًا" [23] .
فوصفه بالصدق مع كونه عنده منكر الحديث .
الحسن بن السكن , روى عن الأعمش. (*) قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: الحسن بن السكن , روى عن الأعمش , منكر الحديث. (( العلل ) ) (3115) . [24]
والحديث الذي أنكره هو في مسند أبي يعلى الموصلي (6009 ) حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا الحسن بن السكن البصري ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ ، وَصَفْوَةُ الصَّلَاةِ: التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى".
قال ابن عدي:والذي قال أحمد بن حنبل إنه روى عن الأعمش وهو منكر الحديث عنه أراد به هذا الحديث الذي أمليته ،وللحسن بن السكن من الحديث شيء قليل ،وأنكر ما رأيت له هذا الحديث [25]
ـــــــــــــــ
(1) - الجرح والتعديل ( 2 / 1 / 55 ) .
(2) - الجرح والتعديل ( 2 / 1 / 133 ) .
(3) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 23 ) .
(4) - الجرح والتعديل ( 2 / 1 / 302 ) .
(5) - المجروحين ( 2 / 20 ) .
(6) - العلل ومعرفة الرجال ، رواية المرُّوذي ( النص: 204 ) .
قلت: لعل الإمام أحمد رحمه الله يقصد حديثًا معينًا ، وإلا فقد روى عنه في المسند (18000 و21090 و21120)
وفي سير أعلام النبلاء (6/412) 169 - الإِفْرِيْقِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ زِيَادِ بنِ أَنْعُمَ (د، ت، ق) الإِمَامُ، القُدْوَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو أَيُّوْبَ الشَّعْبَانِيُّ، الإِفْرِيْقِيُّ، قَاضِي إِفْرِيْقِيَةَ، وَعَالِمُهَا، وَمُحَدِّثُهَا، عَلَى سُوءٍ فِي حِفْظِه.
(7) - سؤالات البرذعي ( 2 / 336 ) .
(8) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 268 ) .
(9) - تاريخه ( النص: 5110 ) ، واعلم أن يحيى بنَ معينٍ على كثرةِ كلامه في النقلة فإنه من أقلِّهم استعمالًا لعبارة ( مُنكر الحديث ) .
(10) - بيان الوهم والإيهام ، لابن القطان ( 2 / 264 ، و 3 / 377 ) .
(11) - الكامل ( 2 / 298 ) .
(12) - الكامل ( 2 / 417 ) .
(13) - الجرح والتعديل ( 1 / 1 / 83 - 84 ) .
(14) - الكامل ( 1 / 383 ) .
(15) - التاريخ الأوسط ( 2 / 135 ) .
(16) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 45 ) .
(17) - الكامل ( 5 / 367 ) .
(18) - تهذيب الكمال ، للمزي ( 16 / 190 ) .
(19) - المجروحين ( 2 / 28 ) .
(20) - تاريخ دمشق ، لابن عساكر ( 49 / 464 ) .
(21) - تاريخ دمشق ( 49 / 462 ) .
(22) - تهذيب التهذيب ( 3 / 445 ) .
(23) - مسائل ابن هانئ النيْسابوري ( 2 / 243 ) .
(24) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 2 / ص 101)
(25) - الكامل لابن عدي - (ج 2 / ص 327)