فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 522

المبحث الثامن

تشنيعُ المتقدمين على من يقول العمل على الفقه لا على الحديث [1]

قال العلامة الفلاني في إيقاظ الهمم [2] :"وقال عبدالحق الدهلوي في شرح الصراط المستقيم: إن التحقيق في قولهم إن الصوفي لا مذهب له أنه يختار من روايات مذهبه الذي التزمه للعمل عليه ما يكون أحوط ويوافق حديثا صحيحا وإن لم يكن ظاهر روايات ذلك المذهب ومشهورها نقل عنه أنه قال في الشرح المذكور إذا وجد تابع المجتهد حديثا صحيحا مخالفا لمذهبه هل له أن يعمل به ويترك مذهبه؟ فيه اختلافٌ ، فعند المتقدمين له ذلك ، قالوا لأن المتبوع والمقتدى به هو النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن سواه فهو تابع له ، فبعد أن علم وصح أنه قوله - صلى الله عليه وسلم - فالمتابعة لغيره غير معقولة ، وهذه طريقة المتقدمين انتهى"

وفي الظهيرية: ومن فعل فعلا مجتهدا فيه أو قلد مجتهدا في فعل مجتهد فيه فلا عار ولا شناعة ولا إنكار عليه . انتهى [3]

وأما الذي لم يكن من أهل الاجتهاد فانتقل من قول إلى قول من غير دليل، لكن لما يرغب من عرض الدنيا وشهواتها فهو المذموم الآثم كذا في الحمادي، وأما ما يورد على الألسنة من أن العملَ على الفقه لا على الحديث فتفوهٌ لا معنًى له ، إذ من البين أن مبنى الفقه ليس إلا الكتاب والسنة ، وأما الإجماع والقياسُ فكل واحد منهما يرجع إلى كلٍّ من الكتاب والسنة ، فما معنى إثبات العمل على الفقه ونفي العمل بالحديث، فإن العمل بالفقه عينُ العمل بالحديث كما عرفت ، وغاية ما يمكن في توجيهه أن يقال أن ذلك حكمٌ مخصوصٌ بشخصٍ مخصوصٍ، وهو من ليس من أهل الخصوص، بل من العوام الذين هم كالهوام لا يفهمون معنى الحديث ومراده ، ولا يميزون بين صحيحه وضعيفه ومقدمه ومؤخره ومجمله ومفسره وموضوعه وغير ذلك من أقسامه ، بل كل ما يورد عليهم بعنوان قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم يعتمدون عليه ويستندون إليه من غير تميز ومعرفة ، بأنَّ قائل ذلك من نحو المحدثين أم من غيرهم ، وعلى تقدير كونه من المحدثين أعدلٌ وثقةٌ أم لا ، وإن كان جيد الحفظ أو سيئه أو غير ذلك من فنونه، فإن ورد على العامي حديثٌ ويقال له أنه يعمل على الحديث، فربما يكون ذلك الحديث موضوعًا ،ويعمل عليه لعدم التميز وربما يكون ذلك الحديث ضعيفًا والحديث الصحيحُ على خلافه، فيعمل على ذلك الحديث الضعيف ويترك الحديث الصحيحَ ، وعلى هذا القياس في كل أحواله يغلطُ أو يخلطُ، فيقال لأمثاله: إنه يعمل بما جاء عن الفقيه لا يعملُ بمجرد سماع الحديث لعدم ضبطه، وأما من كان من أهل الخصوص وأهل الخبرة للحديث وفنونه فحاشا أن يقال له أنه يعملُ بما جاء عن فقيهٍ ، وإن كانت الأحاديثُ الواردة فيه على خلاف ذلك ،لأن العمل على الفقه لا على الحديث هذا ، ثم مع هذا لا يخفى ما في هذا اللفظ من سوء الأدب والشناعة والبشاعة،فإن التفوه بنفي العمل على الحديث على الإطلاق مما لا يصدر من عاقل فضلًا عن فاضل ،ولو قيل بالتوجيه الذي ذكرناه أن العمل بالفقه لا على الحديث لقال قائلٌ بعين ذلك التوجيه أن العمل على الفقه لا على الكتاب، فإن العاميَّ لا يفهم شيئا من الكتاب ولا يميز بين محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه ومفسره ومجمله وعامه وخاصه وغير ذلك من أقسامه، فصح أن يقال: إن العملَ على الفقه لا على الكتاب والحديث، وفسادهُ أظهر من أن يظهر، وشناعتُه أجلى من أن تستر، بل لا يليق بحال المسلم المميز أن يصدر عنه أمثال هذه الكلمات على مالا يخفى على ذوي الفطانةِ والدرايةِ، وإذا تحققتَ ما تلونا عليك عرفتَ أنه لو لم يكن نصٌّ من الإمام على المرامِ لكان من المتبعين على أتباعه من العلماء الكرام فضلا عن العوام أن يعملوا بما صحَّ عن سيد الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ، ومن أنصف ولم يتعسف عرف أن هذا سبيلُ أهل التدين من السلف والخلف ،ومن عدل عن ذلك فهو هالك لوصف الجاهل المعاند المكابر، ولو كان عند الناس من الأكابرِ وأنشدوا في هذا المعنى شعرا

أهلُ الحديث همو أهلُ النبي وإنلم يصحبوا نفسَه أنفاسَه صحبوا

أماتنا الله سبحانه وتعالى على محبة المحدثين واتباعهم من الأئمة المجتهدين ، وحشرنا مع العلماء العاملين تحت لواء سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين انتهى

وقال الشعراني في مقدمة ميزانه:"أقول: الواجب على كل مقلِّدٍ من طريق الإنصاف أن لا يعملَ برخصهٍ قال بها إمامُ مذهبه إلا إن كان من أهلها، وأنه يجبُ عليه العمل بالعزيمة التي قال بها غيرُ إمامه حيث قدر عليها، لأن الحكم راجعٌ إلى كلام الشارع بالأصالة لا إلى كلام غيره، لا سيما إن كان دليلُ الغير أقوى خلافَ ما عليه بعضُ المقلدين، حتى إنه قال لي: لو وجدت حديثًا في البخاري ومسلم لم يأخذْ به إمامي لا أعملُ به ،وذلك جهلٌ منه بالشريعة ،وأول من يتبرأُ منه إمامه، وكان الواجب عليه حملَ إمامه على أنه لم يظفرْ بذلك الحديث أو لم يصحَّ عنده"انتهى

ـــــــــــــــ

(1) -- انظر قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 241)

(2) - إيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 55)

(3) - عقد الجيد - (ج 1 / ص 26)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت