فالأول: منها أن لا يستحيل وجوده في العقل فإنْ أحاله العقل ردَّ .
والشرط الثاني: أن لا يكون مخالفًا لنصٍّ مقطوعٍ به على وجه لا يمكن الجمعُ بينهما بحالٍ .
والشرطُ الثالث: أن لا يكون مخالفًا لإجماع الأمة عند من يقول بأنه حجة قطعيةٌ ، وأمَّا إذا خالف القياسَ القطعيَّ فقال الجمهورُ إنه مقدمٌ على القياس ، وقيلَ إن كانت مقدماتُ القياس قطعيةً قدِّمَ القياسُ ،وإنْ كانت ظنيةً قدِّمَ الخبرُ ،وإليه ذهب أبو بكر الأبهري ،وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنهما متساويان ،وقال عيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطًا عالمًا قدِّمَ خبرهُ وإلا محلَّ اجتهادٍ، وقال أبو الحسين البصري: إن كانت العلةُ ثابتةً بدليلٍ قطعيٍّ فالقياسُ مقدَّمٌ ، وإن كان حكمُ الأصول مقطوعًا به خاصةً دون العلَّة فالاجتهادُ فيهُ واجبٌ حتى يظهرَ ترجيحُ أحدهِما فيعملُ به وإلا فالخبرُ مقدَّمٌ ، وقال أبو الحسين الصيمري: لا خلافَ في العلَّةِ المنصوصِ عليها وإنما الخلافُ في المستنبطة ، قال الكيا: قدَّمَ الجمهورُ خبرَ الضابطِ على القياس ، لأنَّ القياسَ عرضةً للزلل انتهى . والحقُّ تقديمُ الخبرِ الخارجِ منْ مخرجٍ صحيحٍ أو حسنٍ على القياسِ مطلقًا إذا لم يمكنِ الجمعُ بينهما بوجهٍ من الوجوهِ كحديث المصراة [1] وحديث العرايا [2] فإنهما مقدمان على القياس، وقد كان الصحابةُ التابعون إذا جاءهم الخبرُ لم يلتفتوا إلى القياسِ ولا ينظروا فيه ، وما رويَ عن بعضهم من تقديم القياس في بعض المواطن فبعضُه غيرُ صحيحٍ وبعضُه محمولٌ على أنه لم يثبتِ الخبر عند منْ قدَّم القياسَ بوجهٍ من الوجوهِ .
ومما يدل على تقديم الخبر على القياس حديث معاذ فإنه قدم العمل بالكتاب والسنَّة على اجتهاده [3] . ومما يرجحُ تقديم الخبر على القياس أن الخبر يحتاج إلى النظر في أمرين: عدالة الراوي . ودلالة الخبر ، والقياسُ يحتاجُ إلى النظر في ستة أمور حكم الأصل وتعليله في الجملة وتعين الوصف الذي به التعليل ووجود ذلك الوصف في الفرع ونفي المعارض في الأصل ونفيه في الفرع ، هذا إذا لم يكن دليلُ الأصل خبرًا ، فإن كان خبرًا كان النظرُ في ثمانية أمور الستة المذكورة مع الاثنين المذكورين في الخبر ، ولا شكَّ أنَّ ما كان يحتاج إلى النظر في أمور كثيرة كان احتمالُ الخطأ فيه أكثرَ مما يحتاج إلى النظر في أقل منها .
واعلم أنه لا يضرُّ الخبرُ عملُ أكثر الأمة بخلافِه، لأنَّ قول الأكثر ليس بحجةٍ . ولا يضرُّه عملُ أهل المدينة بخلافِه خلافًا لمالك وأتباعه ، لأنهم بعضُ الأمة ،ولجواز أنه لم يبلغْهُم الخبرُ . ولا يضرُّه عملُ الراوي لهُ بخلافِه خلافًا لجمهورِ الحنفيةِ وبعضِ المالكية ، لأننا متعبدونَ بما بلغَ إلينا من الخبرِ ، ولم نتعبدْ بما فهمَهُ الراوي ، ولم يأتِ مَنْ قدَّم عملَ الراوي على روايتِه بحجةٍ تصلُحُ للاستدلالِ بها ، ولا يضرُّه كونُه مما تعمُّ به البلوَى خلافًا للحنفيةِ وأبي عبد اللهِ البصري لعملِ الصحابةِ والتابعينَ بأخبارِ الآحادِ في ذلك.""
وقال الإمام الغزاليُّ [4] :
""مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَقْبُولٌ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ وَصِدْقُهُ فِيهِ مُمْكِنٌ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ ، فَمَسُّ الذَّكَرِ مَثَلًا نَقَلَهُ الْعَدْلُ وَصِدْقُهُ فِيهِ مُمْكِنٌ فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ بِكَذِبِ نَاقِلِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِنَقْلِ مَا تُحِيلُ الْعَادَةُ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَفِيضَ كَقَتْلِ أَمِيرٍ فِي السُّوقِ وَعَزْلِ وَزِيرٍ وَهُجُومٍ فِي الْجَامِعِ مَنَعَ النَّاسَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَوْ كَخَسْفٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ أَوْ انْقِضَاضِ كَوْكَبٍ عَظِيمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعَجَائِبِ ، فَإِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى إشَاعَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ وَيَسْتَحِيلُ انْكِتَامُهُ ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - تَعَبَّدَ بِإِشَاعَتِهِ وَاعْتَنَى بِإِلْقَائِهِ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ ، فَإِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى إشَاعَتِهِ وَنَقْلِهِ لِأَنَّهُ أَصْلُ الدِّينِ ، وَالْمُنْفَرِدُ بِرِوَايَةِ سُورَةٍ أَوْ آيَةٍ كَاذِبٌ قَطْعًا ، فَأَمَّا مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا نَقْطَعُ بِكَذِبِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ: بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِرَارًا وَكَانَتْ الطَّهَارَةُ تَنْتَقِضُ بِهِ لَا يَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ لَا يَشِيعَ حُكْمَهُ وَيُنَاجِيَ بِهِ الْآحَادَ ؛ إذْ يُؤَدِّي إلَى إخْفَاءِ الشَّرْعِ وَإِلَى أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ الْعِبَادِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، فَتَجِبُ الْإِشَاعَةُ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ، وَكَذَلِكَ مَسُّ الذَّكَرِ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فَكَيْفَ يَخْفَى حُكْمُهُ ؟ قُلْنَا: هَذَا يَبْطُلُ أَوَّلًا بِالْوَتْرِ وَحُكْمِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَهْقَهَةِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَقَدْ أَثْبَتُوهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ
فَإِنْ زَعَمُوا أَنْ لَيْسَ عُمُومُ الْبَلْوَى فِيهَا كَعُمُومِهَا فِي الْأَحْدَاثِ ، فَنَقُولُ: فَلَيْسَ عُمُومُ الْبَلْوَى فِي اللَّمْسِ وَالْمَسِّ كَعُمُومِهَا فِي خُرُوجِ الْأَحْدَاثِ ، فَقَدْ يَمْضِي عَلَى الْإِنْسَانِ مُدَّةٌ لَا يَلْمِسُ وَلَا يَمَسُّ الذَّكَرَ إلَّا فِي حَالَةِ الْحَدَثِ كَمَا لَا يَفْتَصِدُ وَلَا يَحْتَجِمُ إلَّا أَحْيَانًا فَلَا فَرْقَ .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي وَهُوَ التَّحْقِيقُ: أَنَّ الْفَصْدَ وَالْحِجَامَةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَكِنَّهُ يَكْثُرُ ، فَكَيْفَ أُخْفِيَ حُكْمُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْأَكْثَرَ فَكَيْفَ وَكُلُّ ذَلِكَ إلَى الْآحَادِ ؟ وَلَا سَبَبَ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - إشَاعَةَ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، بَلْ كَلَّفَهُ إشَاعَةَ الْبَعْضِ وَجَوَّزَ لَهُ رَدَّ الْخَلْقِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْبَعْضِ ، كَمَا جَوَّزَ لَهُ رَدَّهُمْ إلَى الْقِيَاسِ فِي قَاعِدَةِ الرِّبَا ، وَكَانَ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ أَوْ الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ ، حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَنْ جُمْلَةِ مَا تَقْتَضِي مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ أَنْ يَرُدُّوا فِيهِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ صِدْقُ الرَّاوِي مُمْكِنًا فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ ، وَلَيْسَ عِلَّةُ الْإِشَاعَةِ عُمُومَ الْحَاجَةِ أَوْ نُدُورَهَا ، بَلْ عِلَّتُهُ التَّعَبُّدُ وَالتَّكْلِيفُ مِنْ اللَّهِ ، وَإِلَّا فَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَثِيرٌ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَكْثَرُ فِي كَوْنِهِ شَرْعًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْفَى .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الضَّابِطُ لِمَا تَعَبَّدَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ ؟ قُلْنَا: إنْ طَلَبْتُمْ ضَابِطًا لِجَوَازِهِ عَقْلًا فَلَا ضَابِطَ بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ فِي تَكْلِيفِ رَسُولِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ وُقُوعَهُ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .
وَإِذَا اسْتَقْرَيْنَا السَّمْعِيَّاتِ وَجَدْنَاهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ ، الْأَوَّلُ: الْقُرْآنُ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ عُنِيَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي إشَاعَتِهِ .
الثَّانِي: مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسُ ، كَكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَقَدْ أَشَاعَهُ إشَاعَةً اشْتَرَكَ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ .
الثَّالِثُ: أُصُولُ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً مِثْلُ أَصْلِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا قَدْ تَوَاتَرَ ، بَلْ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ ، فَإِنَّ هَذَا تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ إمَّا بِالتَّوَاتُرِ وَإِمَّا بِنَقْلِ الْآحَادِ فِي مَشْهَدِ الْجَمَاعَاتِ مَعَ سُكُوتِهِمْ ، وَالْحُجَّةُ تَقُومُ بِهِ ، وَلَكِنَّ الْعَوَامَّ لَمْ يُشَارِكُوا الْعُلَمَاءَ فِي الْعِلْمِ ، بَلْ فَرْضُ الْعَوَامّ فِيهِ الْقَبُولُ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
الرَّابِعُ: تَفَاصِيلُ هَذِهِ الْأُصُولِ ، فَمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَالْعِبَادَاتِ وَيَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مِنْ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ وَالْقَيْءِ وَتَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ ، فَهَذَا الْجِنْسُ مِنْهُ مَا شَاعَ وَمِنْهُ مَا نَقَلَهُ الْآحَادُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، فَمَا نَقَلَهُ الْآحَادُ فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ وَلَا مَانِعَ ، فَإِنَّ مَا أَشَاعَهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ لَا يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ ، وَمَا وَكَّلَهُ إلَى الْآحَادِ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ ، لَكِنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَبُّدَ وَقَعَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ يُخَالِفُ أَمَرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْأَخْبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .اهـ
وقال الشوكاني:
"ولا يضرُّه كونُه في الحدودِ والكفاراتِ خلافًا للكرخي منَ الحنفية وأبي عبد الله البصري في أحدِ قوليه [5] ، ولا وجهَ لهذا الخلافِ ، فهو خبرُ عدلٍ في حكمٍ شرعيٍّ ، ولم يثبتْ في الحدودِ والكفاراتِ دليلٌ يخصُّها منْ عموم الأحكامِ الشرعيةِ ، واستدلالهم بحديث إدرأوا الحدود بالشبهات [6] باطلٌ فالخبرُ الموجبُ للحدِّ يدفعُ الشبهةَ على فرضِ وجودها ، ولا يضرُّه أيضًا كونُه زيادةٌ على النصِّ القرآنيِّ أو السنَّةِ القطعيةِ خلافًا للحنفيةِ فقالوا:إنَّ خبرَ الواحد إذا وردَ بالزيادةِ في حكمِ القرآنِ أو السنَّة القطعيةِ كانَ نسخًا لا يقبلُ ، والحقُّ القبولُ لأنها زيادةٌ غيرُ منافيةٍ للمزيدِ [7] ، فكانتْ مقبولةً ودعوى أنها ناسخةٌ ممنوعةٌ ،وهكذا إذا وردَ الخبرُ مخصصًا للعامِّ منْ كتابٍ أو سنَّةٍ ، فإنّهُ مقبولٌ ويبنىَ العامُّ على الخاصِّ خلافًا لبعض الحنفيةِ، وهكذا إذا وردَ مقيِّدًا لمطلقِ الكتابِ أو السنَّةِ القطعيةِ ."
ولا يضرُّه كونُ راويِه انفردَ بزيادةٍ فيه على ما رواهُ غيرُه إذا كان عدلًا ، فقد يحفظُ الفردُ ما لا يحفظُه الجماعةُ ،وبه قال الجمهورُ إذا كانتْ تلكَ الزيادةُ غيرَ منافيةٍ للمزيدِ . أمَّا إذا كانتْ منافيةً فالترجيحُ ، وروايةُ الجماعةِ أرجحُ من روايةِ الواحدِ ، وقيلَ: لا تقبلُ روايةُ الواحدِ إذا خالفتْ روايةَ الجماعةِ وإنْ كانتْ تلك الزيادةُ غيرَ منافيةٍ للمزيدِ إذا كان مجلسُ السَّماعِ واحدًا وكانتِ الجماعةُ بحيثُ لا يجوزُ عليهمُ الغفلةُ عن مثلِ تلك الزيادةِ ، وأمَّا إذا تعددَ مجلسُ السَّماع فتقبلُ تلكَ الزيادةُ بالاتفاقِ ، ومثلُ انفرادِ العدلِ بالزيادةِ انفرادُه برفعِ الحديثِ إلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الذي وقفَهُ الجماعةُ ، وكذا انفرادُه بإسنادِ الحديثِ الذي أرسلوهُ وكذا انفرادُه بوصلِ الحديثِ الذي قطعوه ، فإنَّ ذلك مقبولٌ منه لأنهُ زيادةٌ على ما رووهُ وتصحيحٌ لما أعلُّوه ، ولا يضرُّه أيضًا كونُه خارجًا مخرجَ ضربِ الأمثالِ . ورويَ عن إمامِ الحرمين أنهُ لا يقبلُ لأنهُ موضعُ تجوُّزٍ ، فأجيبَ عنه بأنهُ وإنْ كانَ موضعَ تجوُّزٍ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يقولُ إلا حقًّا لمكانِ العصمةِ .اهـ
قال الزركشي رحمه الله [8] :
" [ أَخْذُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ ] قِيلَ: الْأَحْكَامُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ ."
فَإِنَّهُ مَوْضِعُ تَجَوُّزٍ ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَأَنَّهُ رَدَّ بِذَلِكَ احْتِجَاجَ الْحَنَفِيَّةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ بِحَدِيثِ عَمِلْنَا مَعَ عَمَلِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَنَا .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ تَجَوُّزٍ وَتَوَسُّعٍ كَمَا قَالَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا تَمَثَّلَ أَوْ تَوَسَّعَ .
قُلْت: وَالتَّعْلِيلُ بِالتَّوَسُّعِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ ، وَلَوْ قَالَ: لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ التَّشْرِيعِ ، فَيَكُونُ قَرِينَةً صَارِفَةً عَنْ الْحُكْمِ لَمْ يَبْعُدْ ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي الْعَامِّ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ ، لَا يَكُونُ عَامًّا ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ .
وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُ الْجَوَازُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا ، كَاحْتِجَاجِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَجِّ بِحَدِيثِ { لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْحَلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهُ } قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْت ذَلِكَ .رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . [9]
وَقَدَحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بَعْدُ ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ ، وَفِي الْحَدِيثِ ( المرفوع) : « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِى مَكَانَهُ » [10] .
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَمَّنِي الْمَوْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، لَكِنَّهُ خَبَرٌ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِجَوَازِهِ ، كَالْإِخْبَارِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا .
(1) - كما في صحيح مسلم (3907 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا فَلْيَحْلُبْهَا فَإِنْ رَضِىَ حِلاَبَهَا أَمْسَكَهَا وَإِلاَّ رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ » .
المصراة: الشاة يجمع اللبن في ضرعها عند إرادة البيع فتبدو أنها كثيرة اللبن
(2) - كما في صحيح البخارى (2189 ) عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ نَهَى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ ، وَلاَ يُبَاعُ شَىْءٌ مِنْهُ إِلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلاَّ الْعَرَايَا .
العرايا: الرطب أو العنب على الشجر
(3) - سنن أبى داود (3594 ) عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَخِى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: « كَيْفَ تَقْضِى إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ » . قَالَ أَقْضِى بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: « فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِى كِتَابِ اللَّهِ » . قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ: « فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ فِى كِتَابِ اللَّهِ » . قَالَ:أَجْتَهِدُ رَأْيِى وَلاَ آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدْرَهُ وَقَالَ: « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِى رَسُولَ اللَّهِ » . ( وهو حسن لغيره )
ولكنه من الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، وهذا كاف لتقويته والعمل به. وأخطأ الألباني في فهم هذا الحديث في ضعيفته (881) حيث قال بعد أن ضعفه: ليس صحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن وإنزاله إياه معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يأخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب، وهذا التفريق بينهما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر بالكتاب والسنَّة معًا وعدم التفريق بينهما، لما علم من أن السنَّة تبين مجمل القرآن وتقيد مطلقه وتخصص عمومه كما هو معلوم ... اهـ
أقول: وهذه القضية التي أثارها لا وجود لها أصلًا، ولم يقل أحد ممن فسر هذا الحديث بذلك. ومعنى الحديث: إذا عرضت علي قضية أنظر هل لها جواب في كتاب الله، فإن كان لها جواب في كتاب الله تعالى صريح كالمواريث مثلًا أحكم بها مباشرة دون الرجوع للسنَّة، لأنَّ السنَّة في هذه الحال تكون ـ إن وجدت ـ مؤكدة للحكم فقط، وإن كان لها حكمٌ مجمل في الكتاب يرجع إلى السنَّة المفصلة لهذا الحكم ،وإذا لم يكن لها حكمٌ في الكتاب فنرجع إلى السنَّة ،لأن فيها أحكامًا زائدة عَلى القرآن كتحريم الحمر الأهلية مثلًا: فهذا مقصد معاذ ـ وإن لم يوجد نصٌّ صريحٌ لا في الكتاب ولا في السنَّة نجتهد وفق القواعد والضوابط الشرعية ... وقد أفردت حديث معاذ بكتاب سأنشره قريبًا بإذن الله .
(4) - في المستصفى - (ج 1 / ص 342) وانظر:أصول السرخسي - (ج 1 / ص 369) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 113) والمحصول - (ج 5 / ص 442) والتقرير والتحبير - (ج 4 / ص 268) وكتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 18) القاعدة الثانية ( خبر الآحاد معتمد فيما تعم به البلوى) وتيسير التحرير - (ج 3 / ص 160-164) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 103) والمسودة - الرقمية - (ج 1 / ص 238)
(5) - وفي البحر المحيط - (ج 5 / ص 418) : مَسْأَلَةٌ [ رَدُّ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ ] وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ، وَاخْتَارَهُ الْجَصَّاصُ . قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ ، وَخَالَفَ الْكَرْخِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَاوِيَهُ كَذَبَ أَوْ سَهَا أَوْ أَخْطَأَ ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ ، وَهَذَا يُشْكِلُ بِإِثْبَاتِ الْحَدِّ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ ، وَقَوْلِ الْمُفْتِي .
(6) - وردعن عائشة ت (1424) وهق 8/238 وك4/384 وقط 3/84 وبنحوه عب (18698 و13641 و13640) إبراهيم وابن مسعود وعمر ، فهو حسن لغيره
(7) - وفي البحر المحيط - (ج 5 / ص 419) : مَسْأَلَةٌ [ رَدُّ الْحَدِيثِ بِدَعْوَى أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ ] وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ بِالزِّيَادَةِ فِي حُكْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ كَانَ نَسْخًا لَا يُقْبَلُ ، كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَنَحْوِهِ ، وَسَبَقَ فِي النَّسْخِ .
(8) - في البحر المحيط - (ج 5 / ص 427)
(9) - أخرجه البخاري في صحيحه (3595 ) عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ ، فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ . فَقَالَ « يَا عَدِىُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ » . قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا . قَالَ « فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ ، لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ » - قُلْتُ فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِى فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلاَدَ « وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى » . قُلْتُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ قَالَ « كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ ، لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ ، فَلاَ يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ . فَيَقُولَنَّ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى . فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى . فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ جَهَنَّمَ ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ جَهَنَّمَ » . قَالَ عَدِىٌّ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ » . قَالَ عَدِىٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ ، لاَ تَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِىُّ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - « يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ » .
قلت: ولم أجده بهذا اللفظ في مسلم
(10) - صحيح البخارى (7115 ) ومسلم (7485 )