إذَا اخْتَلَفَ الثِّقَاتُ فِي حَدِيثٍ فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا ، وَبَعْضُهُمْ مُرْسَلًا ، فَهَلْ الْحُكْمُ لِلْوَصْلِ أَوْ الْإِرْسَالِ ، أَوْ لِلْأَكْثَرِ ، أَوْ الْأَحْفَظِ ؟
أَقْوَالٌ [2] :
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَصَلَ ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ ، فَقَالَ: إذَا أَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَوَصَلَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَالْحُجَّةُ لِمَنْ وَصَلَ إذَا كَانَ حَافِظًا .
هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ أَقُولُ .انْتَهَى .
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي"التَّقْرِيبِ"فِيهِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ،قَالَ: وَالْمُرْسَلُ تَأْكِيدٌ لَهُ ، وَصَحَّحَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ ، وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ حَدِيثِ: { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } ، وَهُوَ حَدِيثٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، رَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُتَّصِلًا ، فَحَكَمَ الْبُخَارِيُّ لِمَنْ وَصَلَهُ ، وَقَالَ: الزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، هَذَا مَعَ أَنَّ مُرْسِلَهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ ، وَهُمَا مَا هُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ أَرْسَلَهُ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ ، وَالْخَطِيبُ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ ، فَإِنْ كَانَ مَنْ أَسْنَدَهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ ، فَالْحُكْمُ لِلْإِرْسَالِ ، وَإِلَّا فَالْوَصْلُ .
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْفَظِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرْسَلَ الْأَحْفَظُ ، فَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَةِ مَنْ وَصَلَهُ ، أَمْ لَا ؟ قَوْلَانِ - أَصَحُّهُمَا وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ الصَّلَاحِ كَلَامَهُ - الْمَنْعُ ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَقْدَحُ فِي سَنَدِهِ ،وَفِي عَدَالَتِهِ وَفِي أَهْلِيَّتِهِ .
وَالْخَامِسُ: قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّهُ بِمَثَابَةِ الزِّيَادَةِ مِنْ الثِّقَةِ ، فَيُقَدَّمُ الْوَصْلُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ عَظِيمَ الْوَقْعِ بِحَيْثُ يَزِيدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ ، وَأَنْ لَا يُكَذِّبَهُ رَاوِي الْإِرْسَالِ .""
13-الرَّاوِي يَرْوِي الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا [3]
"لَوْ أَرْسَلَهُ هُوَ مَرَّةً ، وَأَسْنَدَهُ أُخْرَى ، فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ ، فَلَا شَكَّ فِي قَبُولِهِ ، وَإِلَّا فَاخْتَلَفُوا ، فَجَزَمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَصْلِهِ ."
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لِإِرْسَالِهِ ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ ، وَإِنْ وَقَعَ وَصْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ إرْسَالِهِ ، فَالْحُكْمُ لِلْوَصْلِ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الرَّاوِي ثِقَةً مُتَذَكِّرًا لِرَفْعِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ ، وَلَا يُعَدُّ اضْطِرَابًا ، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِحِفْظِهِ فَهُوَ اضْطِرَابٌ فِي رِوَايَتِهِ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ .""
14-مَنْ شَأْنُهُ إرْسَالُ الْأَخْبَارِ إذَا أَسْنَدَ خَبَرًا ، هَلْ يُقْبَلُ أَوْ يُرَدُّ ؟ [4]
"قَوْلَانِ ،الصَّحِيحُ الْقَبُولُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا يُقْبَلُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْت ، وَلَا يُقْبَلُ مَا يَأْتِي فِيهِ بِلَفْظٍ مُوهِمٍ ."
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا قَالَ: سَمِعْت فُلَانًا ،قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي ، فَيَجْعَلُونَ الْأَوَّلَ دَالًّا عَلَى الْمُشَافَهَةِ ، وَالثَّانِي مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ ، وَهَذَا عَادَةٌ لَهُمْ ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَخْبَرَنِي ، يُفِيدُ أَنَّهُ تَوَلَّى إخْبَارَهُ بِالْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مُشَافَهَةً .
ـــــــــــــــ
(1) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 76) و انظر نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 13 / ص 108)
(2) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 403)
(3) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 405)
(4) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 406)