المقدمة الخامسة
اعتبارُ بشرية الناقد في تأثيرها في إطلاق الجرح أو التعديل
الناقد يعتريه ما يعتري البشر من الغفلة أو الغضب ، فيقول القول لا يعني به شيئًا يتصل بهذا العلم ، وإنما أوقعه فيه بعض هذه العوارض ، فهذا إن كان لفظ جرح أو تعديل ، فإنه لا يجوز أن يكون له أثر على الراوي الموصوف بذلك .
فمن مثال ما قد يرد على الناقد من التوهم:
ما حكاه حماد بن حفص [1] ( وكان ثقة ) ، قال شهدت يحيى بن سعيد ( يعني القطان ) وجاء إليه شيخ من أهل البصرة ، فتذاكرا الحديث ، فقال الشيخ ليحيى: حدثنا ابن أبي رواد بكذا وكذا ، فقال يحيى:"عرف عليه كذاب"، فقال: فلما كان بعد ساعة قال:"الأب حدثك أو الابن ؟"فقال: بل الأب ، فقال:"الأب لا بأس به ، إنما ظننت أنك تعني الابن" [2] .
ومما يخرج على صدوره بسبب الغضب مثلًا: ما جاء من تكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر ، إن صح عنه ، فإن أبا بكر حين مات أبوه كان شابًا ، وصار إمامًا بعد وفاة أبيه ، وقد عاش بعده إحدى وأربعين سنة ، عرفه فيها تلامذته الحفاظ كأبي حسن الدارقطني بالحفظ والثقة .
ومن هذا ( جرح الأقران ) ، ككلام مالك بن أنس في محمد بن إسحاق ، وكلام ابن إسحاق فيه .
وقال علي بن المديني في ( سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ) :"كان أصحابنا يرمونه بالقدر ، وكان عندنا ثقة ثبتًا ، وكان مالك بن أنس يتكلم فيه ، وكان لا يروي عنه مالك شيئًا ، وكان سعد قد طعن على مالك في نسبه" [3] .
واعلم أنه ليس المراد بالتنبيه على هذه الصورة إلغاء كلام القرين في قرينه مطلقًا ، بل إن أدق صور النقد للنقلة هي النقد للمعاصر ، ومنه نقد الأقران ، وذلك لكون الناقد قد اطلع على حال من عدَّله أو جرحه وخبر أمره ، فهو أقوى من جرحه أو تعديله لمن لم يدركه .
وإنما المراد هنا البحث عن سبب الجرح عند معارضة التعديل ، فإن أعاد الناقد الجرح إلى علة مدركة في شأن من جرح ، واستدل لذلك وبينه ، فقوله معتبر ، ولا أثر للاقتران ، إلا أن يثبت وجود خصومة أو خلاف بينه وبين من جرحه ، فهذا مما يوجب الاحتياط ، والأصل: ترك قوله فيه ، على أنك لو بحثت عن حال هذا الصنف وجدت الطعون فيهم من مخالفيهم تأتي من قبيل الجرح المجمل الذي يطرح في مقابلة التعديل المعتبر ؛ لمجرد إجماله .
قال ابن عبد البر:"قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ:"الْعُلَمَاءُ كَانُوا فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ إِذَا لَقِيَ الْعَالِمُ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ غَنِيمَةٍ وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ ذَاكَرَهُ ، وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ دُونَهُ لَمْ يُزْهَ عَلَيْهِ ، حَتَّى كَانَ هَذَا الزَّمَانُ فَصَارَ الرَّجُلُ يَعِيبُ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ابْتِغَاءَ أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْهُ حَتَّى يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ وَلَا يُذَاكِرُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَيُزْهَى عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَهَلَكَ النَّاسُ"قَالَ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ:"قَدْ غَلَطَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَضَلَّتْ فِيهِ نَابِتَةٌ جَاهِلَةٌ لَا تَدْرِي مَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ مَنَ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَثَبَتَتْ فِي الْعِلْمِ إِمَامَتُهُ وَبَانَتْ ثِقَتُهُ وَبِالْعِلْمِ عِنَايَتُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ فِيهِ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي جَرْحَتِهِ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ يَصِحُّ بِهَا جَرْحَتُهُ عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَاتِ وَالْعَمَلِ فِيهَا مِنَ الْمُشَاهَدَةِ وَالْمُعَايَنَةِ لِذَلِكَ بِمَا يُوجِبُ تَصْدِيقَهُ فِيمَا قَالَهُ لِبَرَاءَتِهِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْمُنَافَسَةِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ ذَلَكَ كُلِّهِ ، فَذَلَكَ كُلُّهُ يُوجِبُ قَبُولَ قَوْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ وَلَا عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ وَلَا صَحَّتْ لِعَدَمِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ رِوَايَتُهُ ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى مَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَيُجْتَهَدُ فِي قَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يُؤَدِّي النَّظَرُ إِلَيْهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَنِ اتَّخَذَهُ جُمْهُورٌ مِنْ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِمَامًا فِي الدِّينِ قَوْلُ أَحَدٍ مِنَ الطَّاعِنِينَ: إِنَّ السَّلَفَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمْ قَدْ سَبَقَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ كَلَامٌ كَثِيرٌ ، مِنْهُ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَمِنْهُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَسَدُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ، وَأَبُو حَازِمٍ ، وَمِنْهُ عَلَى جِهَةِ التَّأْوِيلِ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْمَقُولُ فِيهِ مَا قَالَهُ الْقَائِلُ فِيهِ ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسَّيْفِ تَأْوِيلًا وَاجْتِهَادًا لَا يَلْزَمُ تَقْلِيدُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ بُرْهَانٍ وَحُجَّةٍ تُوجِبُهُ ، وَنَحْنُ نُورِدُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ الْجِلَّةِ الثِّقَاتِ السَّادَّةِ ، بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ مِمَّا لَا يَجِبُ أَنْ يُلْتَفَتَ فِيهِمْ إِلَيْهِ وَلَا يُعْرَجُ عَلَيْهِ ، وَمَا يُوَضِّحُ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ"حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ:"أَنَّهَ ذَكَرَ أَهْلَ الْحِجَازِ فَقَالَ:"قَدْ سَأَلْتُهُمْ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ ، وَاللَّهِ لَصِبْيَانُكُمْ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بَلْ صِبْيَانُ صِبْيَانِكُمْ" [4] .
وهل يؤثر تعديل الأقران أيضًا على اعتبار أن المعدل قد يميل لشخص لموافقة في الرأي والمذهب مثلًا ، فيثني عليه ويعدله ؟
الواقع العملي لا يكاد يثبت وجود أثر لمثل ذلك ، بل الأمثلة لا تكاد تحصى في تعديل المخالف وجرح الموافق .
ـــــــــــــــ
(1) - هوَ مُحمد بنُ حفصٍ القطان البصري ، و ( حماد ) لقبٌ ، يُستدرك على"نُزهة الألباب"لابن حجر.
(2) - أخرجه يعقوب بنُ سفيان في"المعرفة" ( 1 / 700 ) وإسناده صحيح .
(3) - سؤالات ابن أبي شيبة ( النص: 91 ) .
(4) - جامع بيان العلم وفضله ، لابن عبد البر ( 2 / 1093 - 1094 ) وجامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (ج 2 / ص 296-297)