المبحث الحادي عشر
التحذيرُ من التعسُّف في ردِّ الأحاديث إلى المذاهب [1]
قال العلامة المحقق المقري في قواعده:"لا يجوز اتباع ظاهر نص الإمام مع مخالفته لأصول الشريعة عند حذاق الشيوخ، قال الباجي: لا أعلم قولًا أشد خلافًا على مالك من أهل الأندلس، لأن مالكًا لا يجوِّز تقليد الرواة عنه عند مخالفتهم الأصول وهم لا يعتمدون على ذلك"انتهى .وقال أيضًا قاعدة-: لا يجوز ردُّ الأحاديث إلى المذاهب على وجهٍ ينقصُ من بهجتها ويذهب بالثقة بظاهرها، فإن ذلك فسادٌ لها وحطٌّ من منزلتها ،لا أصلح الله المذاهب لفسادها ولا رفعها بخفض درجاتها ، فكلُّ كلام يؤخذ منه ويردُّ إلا ما صحَّ لنا عن محمد - صلى الله عليه وسلم - ، بل لا يجوز الردُّ مطلقا ، لأن الواجب أن تردَّ المذاهبُ إليها كما قال الشافعي وغيره ،لا أن تردَّ هي إلى المذاهب، كما تسامح فيه بعض الحنفية خصوصًا والناسِ عمومًا ، إذ ظاهرها حجَّةٌ على من خالفها حتى يأتي بما يقاومها، فنطلب الجمع مطلقًا ،ومن وجهٍ على وجهٍ لا يصير الحجة أجحية، ولا يخرجها عن طرق المخاطبات العامة التي انبنى عليها الشرع ،ولا يخل بطرق البلاغة والفصاحة التي جرت من صاحبه مجرى الطبع، فإن لم يوجد طلبَ التاريخ للنسخ، فإن لم يكن طلبَ الترجيح ولو بالأصل ، وإلا تساقطا في حكم المناظرة ،وسلم لكل ما عنده ،ووجب الوقف والتخيير في حكم الانتقال، وجاز الانتقال على الأصحِّ"ثم قال: قاعدةٌ- لا يجوزُ التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج وتقريبها على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ والمرجوحية عند المجيب ، كما يفعله أهلُ الخلاف إلا على وجه التدريب على نصب الأدلة، والتعليم لسلوك الطريق بعد بيان ما هو الحقُّ، فالحقُّ أعلى من أن يعلَى ، وأغلبُ من أن يغلبَ ، وذلك أن كل من يهتدي لنصب الأدلة وتقرير الحِجاج لا يرى الحقَّ أبدًا في جهةِ رجلٍ قطعًا ، ثم إنا لا نرى منصفًا في الخلاف ينتصرُ لغير مذهبِ صاحبه ، مع علمنا برؤية الحقِّ في بعض آراء مخالفيه ، وهذا تعظيم للمقلدين بتحقير الدِّين وإيثارِ الهوى على الهدى ، ولم يتبع الحقُّ أهواءهم ، ولله درُّ عليٍّ رضي الله عنه، أيُّ بحرِ علمٍ ضمَّ جنباهُ، قال علي كرم الله وجهه لمن قال له: أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل، يا هذا إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله" [2]
وما أحسن قول أرسطولما خالف أستاذه أفلاطون"تخاصم الحق وأفلاطون وكلاهما صديق لي والحق أصدق منه".
وقال الشيخ أحمد زروق في عمدة المريد الصادق ما نصه:"قال أبو إسحاق الشاطبي [3] :"كل ما عمل به المتصوفة المعبرون في هذا الشأن - يعني كالجنيد وأمثاله - لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة فهم خلفاؤه ، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك، وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا أعمل عليه ، لأن السنَّة حجةٌ على جميع الأمة، وليس عملُ أحد من الأمة حجةً على السُّنة ،ولأن السُّنَّةَ معصومةٌ عن الخطأ وصاحبُها معصومٌ ، وسائرُ الأمة لم تثبت لهم العصمةُ إلا مع إجماعهم خاصة ، وإذا أجمعوا تضمنَ إجماعُهم دليلًا شرعيًّا ،والصوفيةُ والمجتهدون كغيرهم ممن لم يثبت لهم العصمةُ، ويجوز عليهم الخطأُ والنسيانُ والمعصيةُ كبيرُها وصغيرُها ،والبدعةُ محرمُها ومكروهُها ،ولذا قال العلماء: كلُّ كلامٍ منه مأخوذٌ ومنه متروكٌ إلا ما كانَ من كلامهِ عليه الصلاة والسلام، قال: وقد قرر ذلك القشيري رحمه الله تعالى أحسن تقرير، فقال [4] : هل يكون الولي معصومًا؟ قيل: أما وجوبًا، كما يقال في الأنبياء فلا. وأما أن يكون محفوظًا حتى لا يصرَّ على الذنوب إن حصلت هنات أو آفات أو زلات، فلا يمتنعُ ذلك في وصفهم.
ولقد قيل للجنيد: العارفُ يزني يا أبا القاسم؟ فاطرق مليًا، ثم رفع رأسه وقال:"وكان أمر الله قدرًا مقدروًا".
وقال: فهذا كلام منصف، فكما يجوزُ على غيرهم المعاصي بالابتداع وغير ذلك يجوز عليهم البدعُ ، فالواجبُ علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف عن الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل يعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنَّة فما قبلاه قبلناه ومالم يقبلاه تركناه وما عملنا به ، إذ قام لنا الدليل على اتباع الشارع ، ولم يقم لنا الدليلُ على اتباع أقوال الفقهاء والصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضِها ،وبذلك رضي شيوخهم علينا ،وأن ما جاء به صاحب الوجد والذوقِ من العلومِ والأحوالِ والفهوم يعرضُ على الكتاب والسنَّة، فإن قبلاه صحَّ وإلا لم يصحَّ .
قال: ثم نقول ثانيا: إن نظرنا في رسومهم التي حددوها وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظنِّ والتماسِ أحسن المخارج ، ولم نعرف له مخرجًا فالواجبُ التوقفُ عن الاقتداء، وإن كانوا من جنسِ من يقتدَى بهم، لا ردًّا له ولا اعتراضًا عليه ؛ بل لأنا لم نفهم وجه رجوعِه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا غيره.
ثم قال بعد كلام: فوجب بحسب الجريان على آرائهم في السلوك أن لا يعملَ بما رسموه مما فيه معارضةٌ بأدلةِ الشرع ، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم مهتدين بأنوارهم، خلافًا لمن يعرض عن الأدلة ويجمد على تقليدهم فيه، فيما لا يصحُّ تقليدُهم على مذهبهم ، فالأدلةُ الشرعيةُ والأنظارُ الفقهيةُ والرسومُ الصوفيةُ تذمُّه وتردُّه وتحمدُ من تحرَّى واحتاطَ، وتوقف عند الاشتباه ، واستبرأَ لدينه وعرضه، وهو من مكنونِ العلمِ وبالله التوفيقُ اهـ .
وقال شمس الدين ابن القيم [5] :"لا يعترض على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف، فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعيكم فيها مبطلًا لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى، وهل هذا إلا عكس طريقة أهل العلم، فإن الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال، ويعترض بها على من خالف موجبه، فتقدمُ على كل قول اقتضى خلافها. لا أن أقوال المجتهدين تعارَضُ بها الأدلةُ وتبطلُ مقتضاها وتقدم عليها..."
وقال رحمه الله أيضًا [6] :"الفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع والحكم المؤول الذي غايته ِأن يكون جائز الاتباع، أن الحكم المنزلَ هو الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى اله عليه وسلم ، وحكم به بين عبادة ، وهو الحكْمُ الذي لا حكمَ له سواه ، وأما الحكمُ المؤول فهو أقوالُ المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا يكفر ولا يفسق من خالفها ، فإن أصحابها لم يقولوا:هذا حكم الله ورسوله ، بل قالوا اجتهدنا برأينا ، فمن شاء قبله ومن شاء لم يقبله، ولم يلزموا به الأمة ،بل قال أبو حنيفة:هذا رأيي فمن جاءني بخير منه قبلناه ،ولو كان هو عين حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه، وكذلك مالك استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ فمنعه من ذلك ، وقال: قد تفرق أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم في البلاد ، وصار عند كل قوم علمٌ غير ما عند الآخرين، وهذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه ،وهذا الإمام أحمد ينكر على من كتب فتاواه ودونها ويقول: لا تقلدني ولا تقلد فلانا ولا فلانا وخذ من حيث أخذوا ، ولو علموا رضي الله عنهم أن أقوالهم يجبُ اتباعُها لحرموا على أصحابهم مخالفتهم، ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء ،ولما كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه، فيروى عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك، فالرأي والاجتهاد أحسنُ أحواله أن يسوغَ اتباعُه ، والحكمُ المنزَّلُ لا يحلُّ لمسلم أن يخالفه ولا يخرج عنه ، وأمَّا الحكمُ المبدَّلُ وهو الحكمُ بغير ما أنزل اللهُ فلا يحلُّ."
وقال البخاري في جزء رفع الدين في الصلاة (43) أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ , حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ , عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ , عَنْ أَبِيهِ ,: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَقْطَعَ لَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ قَالَ الْبُخَارِيُّ:"وَقِصَّةُ , وَائِلٍ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَمْرِهِ , وَمَا أَعْطَاهُ مَعْرُوفٌ بِذِهَابِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ , وَلَوْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ , وَالْبَرَاءِ , وَجَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - شَيْءٌ لَكَانَ فِي عِلَلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا ثَبَتَ الشَّيْءُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رُؤُسَاءَنَا لَمْ يَأْخُذُوا بِهَذَا , وَلَيْسَ هَذَا بِمَأْخُوذٍ فَمَا يَزِيدُونَ الْحَدِيثَ إِلَّا تَعَلُّلًا بِرَأْيِهِمْ , وَلَقَدْ قَالَ وَكِيعٌ: مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ كَمَا جَاءَ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ , وَمَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ لِيُقَوِّيَ هَوَاهُ فَهُوَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُلْقِيَ رَأْيَهُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَيْثُ ثَبَتَ الْحَدِيثُ , وَلَا يَعْتَلُّ بِعِلَلٍ لَا تَصِحُّ لِيُقَوِّيَ هَوَاهُ وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لَمَّا جِئْتُ بِهِ"وَقَالَ قَالَ مَعْمَرٌ: أَهْلُ الْعِلْمِ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ أَعْلَمَ , وَهَؤُلَاءِ الْآخِرُ فَالْآخِرُ عِنْدَهُمْ أَعْلَمُ , وَلَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى جَنْبِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ فَرَفَعْتُ يَدَيَّ فَقَالَ: مَا خَشِيتَ أَنْ تَطِيرَ ؟ فَقُلْتُ إِنْ لَمْ أَطِرْ فِي الْأُولَى لَمْ أَطِرْ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ وَكِيعٌ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ كَانَ حَاضِرَ الْجَوَابِ فَتَحَيَّرَ الْآخَرُ , وَهَذَا أَشْبَهُ مِنَ الَّذِينَ يَتَمَادُونَ فِي غَيِّهِمْ إِذَا لَمْ يُبْصِرُوا"
ـــــــــــــــ
(1) - إيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 89) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 245)
(2) - فيض القدير، شرح الجامع الصغير، الإصدار 2 - (ج 1 / ص 52) و (ج 2 / ص 14) وشرح الكوكب المنير - (ج 3 / ص 104) والتحبير شرح التحرير - (ج 8 / ص 4112)
(3) - الاعتصام - (ج 1 / ص 217)
(4) - الرسالة القشيرية - (ج 1 / ص 159) وبستان العارفين - (ج 1 / ص 23)
(5) - موسوعة كتب ابن القيم - (ج 241 / ص 21-22) وجلاء الأنام في الصلاة على خير الأنام ص 269-270
(6) - الروح لابن القيم - (ج 1 / ص 126)