1-تعريفُه:
المقلوبُ: اسم مفعول من ( قَلَبَ ) ، ومعناه: تحويل الشيء عن وجهه ، وقَلَبَه يَقلِبُه قَلْبًا ، وَقَدْ انقلب وقَلَب الشيء وقَلَّبه .
تقول: قلبت الشيء فانقلب: إذا كببته ، وقلّبه بيده تقليبًا ، وكلام مقلوب: ليس عَلَى وجهه ، والقَلْبُ: صرفك إنسانًا تَقْلِبُه عن وجهه الَّذِيْ يريد ، وقلّب الأمور: بحثها ونظر في عواقبها ، ومنه قوله تَعَالَى: { وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ } (التوبة: 48) ، وتَقلَّب في الأمور والبلاد: تصرف فِيْهَا كيفما شاء ، وفي التنْزيل: { فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ } (غافر: 4) [2] .
أما في الاصطلاح: فهو الْحَدِيْث الَّذِيْ أبدلَ فِيْهِ راويه شَيْئًا بآخر في السند أو في الْمَتْن عمدًا أو سهوًا [3]
العلاقةُ بَيْنَ المعنى اللغوي والاصطلاحي:
نلاحظ أن معنى القلب متوافر في المعنى الاصطلاحي ، فهو في اللغة تغيير الشيء عن وجهه ، فسميَ بِهِ هَذَا الفعل في الاصطلاح فكأن الرَّاوِي قلب الْحَدِيْث وأخرجه عن وجهه الصَّحِيْح ، عمدًا كَانَ فعله أم سهوًا .
2-أقسامُه:
القلبُ يقع تارة في الْمَتْن وتارة في السند وتارة فيهما ، وعليه فيمكننا جعله عَلَى ثلاثة أنواع [4] :
الأول: القلب في الْمَتْن .
الثاني: القلب في الإسناد .
الثالث: القلب في الْمَتْن والإسناد .
أ) مقلوب السند: وهو ما وقع الإبدال في سنده ، وله صورتان:
1-أن يُقَدَّم الراوي ويؤخر في اسم أحد الرواة واسم أبيه ، كحديث مروي عن"كعب بن مُرَّة"فيرويه الراوي عن"مُرَّة بن كعب".
فإن كان الاسم لواحد لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه ، أما إن كان صيَّره بالقلب رجلًا آخر ، فلا يشكل على صحة الرواية إذا كانا ثقتين أو ضعفها إذا كانا ضعيفين ، إنما يقدح فيها لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا ، ويعلُّ بذلك الإسناد ، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكمًا على الحديث بالضعف .
كما وقع لعبد العزيز بن محمد الدراوردي [5] ، قال أحمد بن حنبل:"ما حدث عن عبيد الله بن عمر ، فهو عن عبد الله بن عمر"، وفي رواية:"ربما قلب حديث عبد الله العمري ، يرويه عن عبيد الله بن عمر" [6] .
قلتُ: الدراوردي سمع من عبيد الله بن عمر العمري وهو ثقة ، وسمع من عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف ، فكان ربما قلب أحاديث عبد الله فجعلها عن عبيد الله ، مما أوقعه في رواية المنكرات عن عبيد الله ، والتي أصلها أحاديث عبد الله ، فصار حديثه ضعيفًا عن عبيد الله ، وإن كان الدراوردي ثقة في غيره .
ومن مثال وقوع ذلك من الراوي دون أن يقدح في نفس حديثه وإن كان خطأ منه ، من أجل قلبه من ثقة إلى ثقة ، قول الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد:"انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد ، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها"، قال:"انقلبت عليه وكان عنده عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار ، فقال: عن يحيى بن سعيد عن ابن دينار ، في الأحاديث كلها" [7] .
قلتُ: فلو سلم ابن صرمة من جرح سوى وقوع هذا منه ، لما أضرَّ في روايته ؛ من أجل العلم بكونها في الأصل عن ثقة ، وهو قد انتقل بها من ثقة إلى ثقة ، لكن الرجل ضعيف .
ومن أسوأ أمثلة القلب: ما نقله ابن أبي حاتم العلل (1371) وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ ؛ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: لا يُسْتَقَادُ مِنَ الْجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هُوَ مُرْسَلٌ مَقْلُوبٌ.
يعني أبو زرعة أن صوابه: ( ابن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن جابر عن الشعبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) .
فهذا قلب مفسد جدًا ، ليس في تصيير المرسل موصولًا فقط ؛ إذ الشعبي تابعي ، بل جابر هذا في حال الوصل هو جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي ، وفي حال كونه الراوي عن الشعبي فهو جابر بن يزيد الجعفي أحد المتهمين بالكذب في الحديث ، فتأمل !
2-أن يُبْدِل الراوي شخصًا بآخر بقصد الإغراب: كحديث مشهور عن"سالم"فيجعله الراوي عن"نافع"
وممن كان يفعل ذلك من الرواة"حماد بن عمرو النصيبي"وهذا مثاله: حديث حَمَّادُ بن عَمْرٍو النَّصِيبِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشْرِكِينَ فِي الطَّرِيقِ فَلا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلامِ، وَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا" [8] ، فهذا حديث مقلوب ، قلبه حماد ، فجعله عن الأعمش ، وإنما هو معروف عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشْرِكِينَ فِى الطَّرِيقِ فَلاَ تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلاَمِ وَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا » [9] .
وهذا النوع من القلب هو الذي يُطْلَق على راويه أنه يسرق الحديث .
ب) مقلوب المتن: وهو ما وقع الإبدال في متنه، وله صورتان أيضًا.
1-أن يُقَدَّم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث
ومثاله: حديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ » [10] . فهذا مما انقلب على بعض الرواة وإنما هو: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ » [11]
فهذا وقع الخطأ في رواية مسلم ؟ فيه اختلاف ، يرجع فيه إلى مظانه ، إذ ليس للإطالة به هنا ضرورة [12]
فهذا إذا قام عليه دليل بأنه مقلوب ، كما هو الشأن في هذا المثال ، فالمقلوب خطأ ، وهو لاحق بقسم المردود ، ولا يعتبر به ولا يتكلف له التأويل .
ومثاله: ما سبق في نوع المدرج في حَدِيْث عَبْد الله بن مسعود ، إِذْ روي مقلوبًا من طريق أبي مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ » . قَالَ وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ [13] .
فَقَدْ خالف أَبُو معاوية بقية الرُّوَاة عن الأعمش ، إِذْ رَوَاهُ عَنْهُ:
أبو حمزة السكري [14] : عِنْدَ البخاري [15] .
حفص بن غياث: عِنْدَ البخاري [16] .
شعبة: عِنْدَ الطيالسي [17] وأحمد [18] ..
عَبْد الله بن نمير [19] : عِنْدَ أحمد [20] ومسلم [21] ..
عَبْد الواحد بن زياد: عِنْدَ البخاري [22] .
وكيع بن الجراح: عِنْدَ أحمد [23] ومسلم [24] .
جميعهم الأَعْمَشِ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ » . وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ .. [25]
ووقع في رِوَايَة أبي عوانة [26] مقلوبًا من طريق عَلِيٍّ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ ، يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ، هَذَا لَفْظُ أَبِي مُعَاوِيَةَ ..
وعلى هَذَا فيصلح هَذَا مثالًا لما قلب سنده ومتنه ، إلا أن الحافظ ابن حجر قَالَ: (( لَمْ تختلف الروايات في"الصحيحين"في أن المرفوع الوعيد ، والموقوف الوعد ، وزعم الحميدي في"الجمع"وتبعه مغلطاي في شرحه ومن أخذ عَنْهُ ، أن في رِوَايَة مُسْلِم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس ...
وَكَأنَ سبب الوهم في ذَلِكَ ما وقع عِنْدَ أبي عوانة والإسماعيلي من طريق وكيع بالعكس ، لَكِنْ بيّن الإسماعيلي أن المحفوظ عن وكيع في البخاري )) [27]
أضف إلى ذَلِكَ أن عاصم بن أبي النجود [28] وسيار [29] والمغيرة [30] رووا هَذَا الْحَدِيْث عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ » . قَالَ وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ"باللفظ الصَّحِيْح."
وبهذا يَكُوْن أبو معاوية قَدْ خالف الرُّوَاة الأكثر مِنْهُ عددًا في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث مقلوبًا ، لذا قَالَ ابن خزيمة: (( وشعبة وابن نمير أولى بمتن الخبر من أبي معاوية، وتابعهما أَيْضًا سيار أبو الحكم [31] عن أبي وائل ، عن عَبْد الله ) ) [32] .
وَقَالَ الحافظ ابن حجر نقلًا عن الإسماعيلي: (( إنما المحفوظ أن الَّذِيْ قلبه أبو معاوية وحده ،وبذلك جزم ابن خزيمة في"صحيحه"،والصواب رِوَايَة الجماعة ) ) [33] .
ثُمَّ قَالَ: (( وهذا هُوَ الَّذِيْ يقتضيه النظر ؛ لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن وجاءت السنة عَلَى وفقه ، فلا يحتاج إلى استنباط ، بخلاف جانب الوعد فإنه في محلِّ البحث إِذْ لا يصح حمله عَلَى ظاهره ) ) [34] .
وقال البَلْقيني [35] : قد يقع القلب في المَتْن, قال: ويُمكن تمثيلهُ بما رواهُ خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمَّتِهِ أُنَيْسَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا ، وَإِذَا أَذَّنَ بِلاَلٌ فَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ تَشْرَبُوا » .. [36]
والمشهور من حديث ابن عُمر وعائشة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ » . ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لاَ يُنَادِى حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ . [37]
قال: فالرِّواية بِخلاف ذلكَ مقلُوبة, قال: إلاَّ أنَّ ابن حبَّان وابن خُزيمة لم يجعلا ذلك من المَقْلُوب, وجمعا باحتمال أن يَكُون بين بِلال وبين أم مكتُوم تناوب. [38]
قال: ومع ذلك فدعوَى القلب لا تبعد, ولو فتحنا باب التأويلات, لاندفعَ كثير من علل الحديث.
قال: ويُمكن أن يُسَمَّى ذلك بالمعكُوس, فيفرد بنوع, ولم أر من تعرَّض لذلك. انتهى.اهـ [39]
2-أن يَجعل الراوي متن هذا الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر، وذلك بقصد الامتحان وغيره.
ا- إما بقصد الإغراب وفاعل ذَلِكَ داخل في صنف الوضاعين ملحقًا بالكذابين [40] .
ويفسر هذه الصورة قول ابن عدي في ( ثابت بن حماد أبي زيد البصري ) :"له أحاديث يخالف فيها وفي أسانيدها الثقات ، وأحاديثه مناكير ومقلوبات"، فلما جئنا لتبين معنى القلب فيها وجدنا مثاله ، ما أخرجه ابن عدي من طريقه ، قال: عن سعيد [41] ، عن قتادة عن أنس ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لو يعلم الناس ما في الصف المقدم ، لكانت قرعة"، قال ابن عدي [42] :"وهذا الحديث وهم فيه ثابت بن حماد ، وإنما يرويه عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلاَسٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لَوْ تَعْلَمُونَ - أَوْ يَعْلَمُونَ - مَا فِى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً » [43] ."
قلتُ: يعني ابن عدي أنه قلبه ، فركّب إسنادًا على غير متنه .
وعبارات النقاد في المجروحين من الرواة لهذه العلة كثيرة ، فمن ذلك:
قال عمرو بن علي الفلاس: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة ، ويقول:"حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة" [44]
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، عن عبد الرحمان بن يزيد بن تميم. فقال: قلب أحاديث شهر بن حوشب وصيرها حديث الزهري، وجعل يضعفه.. [45]
وقال في ( مصعب بن سلام ) :"انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب ، جعلها عن الزبرقان السراج ،وقدم ابن أبي شيبة مرة فجعل يذاكر عنه أحاديث عن شعبة ، هي أحاديث الحسن بن عمارة ، انقلبت عليه أيضًا [46] ."
وقال أبو زرعة الرازي في ( معاوية بن يحيى الصدفي ) :"ليس بقوي ، أحاديثه كلها مقلوبة ما حدث بالري ، والذي حدث بالشام أحسن حالًا" [47] .
هؤلاء كان القلب يقع لأحدهم دون تعمد ، إنما هو لسوء الحفظ .
وممن كان يتعمد القلب من المتروكين الهلكى: صالح بن أحمد القيراطي ، قال ابن حبان:"يسرق الحديث ، ولعه قد قلب أكثر من عشرة آلاف حديث" [48] .
وقال ابن عدي:"يسرق الأحاديث ، ويلزق أحاديث تعرف بقوم لم يرهم على قوم آخرين لم يكن عندهم وقد رآهم" [49] .
ومثاله: ما رواه عمرو بن خالد الحراني [50] ،عن حماد بن عمرو النصيبي [51] ، عن الأعمش، عن أبي صالح ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ فَلا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلامِ ، واضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا" [52] ."
فهذا حَدِيْث قلبه حماد بن عمرو فجعله عن الأعمش، عن أبي صالح ، وإنما هُوَ مشهور بسهيل بن أبي صالح ، عن أبيه أبي صالح [53] ، هكذا رَوَاهُ الناس ، عن سهيل ، مِنْهُمْ: (معمر ، وسفيان الثَّوْرِي ، وزُهير ، وشعبة ، ووهيب بن خالد ، وعبد العزيز بن محمد الدَرَاوَرْدي ، وجرير بن عبد الحميد ، وأبو عَوَانة) عن سُهيل بن أبي صالح ، عن أبيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ [54]
قلت: وهذا هو وجه إطلاقهم: ( يسرق الحديث ) على الراوي [55] ، لكن لا يصح تسليمُ العبارة لقائلها في حق من أوقعه في القلب سوء الحفظ وضعف التيقظ ، إنما هي في المتعمدين من جهة ادعاء أحدهم سماع ما لم يسمع .
ومما يستدل به تارة لهذه الصورة عند النقاد شبه حديث الراوي بحديث راو آخر ، فيستدلون بذلك الشبه على كون أحدهما سرقه من الآخر .
هذه هي صور الحديث المقلوب ، وما ثبت أنه كذلك فهو ضعيف خطأ ، حتى ما ذكرته في الصورة الأولى من وقوع القلب بالتحول من ثقة إلى ثقة في الإسناد ، فالحديث في هذه الحالة وإن كان محفوظًا في أصله ، إلا أن ذلك الإسناد الذي وقع فيه القلب خطأ ضعيف ، لا يعتبر به .
ب- أن يَكُوْن بقصد الامتحان لمعرفة حفظ الشيخ وضبطه .
(1) - الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 10) ,التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 110) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 257) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 16) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 19) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 475) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 129) والموقظة في علم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 12) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 230) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 116) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 35)
(2) - وانظر: الصحاح 1/205 ، ولسان العرب 1/479 ، والنكت الوفية 190/ب ، وتاج العروس 4/68 ( قلب ) .
(3) - أثر علل الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء: 311 ومَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: 91 والإرشاد 1/266-272 ، والتقريب: 86-87 والاقتراح:236 والمنهل الروي: 53 ، والخلاصة: 76 ، والموقظة: 60 ، واختصار علوم الْحَدِيْث: 87 ، وشرح التبصرة والتذكرة 1/282 ونزهة النظر: 125 ، وفتح المغيث 1/253 وألفية السيوطي: 69-72 ، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: 225 وفتح الباقي 1/282 وتوضيح الأفكار 2/98 وظفر الأماني: 405 ، وقواعد التحديث: 230 .
(4) - انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/319 طبعة الفحل فما بعدها ، ونزهة النظر: 125-126 ، وفتح الباقي 1/297 طبعة الفحل ، وتوجيه النظر 2/577 .
(5) - عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطىء قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين ع .تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 358 ] (4119 )
(6) - أخرجه ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ( 2 / 2 / 395 ، 396 ) .
(7) - الكامل في الضعفاء [ ج 1 - ص 252 ] (82)
(8) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 19 / ص 463) برقم (1108 )
(9) - مسند أحمد برقم (11084) صحيح وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 258) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 226)
(10) - صحيح مسلم برقم (2427 )
(11) - صحيح البخارى برقم (1423 )
(12) - انظر لذلك: إكمال المعلم بفوائد مُسلم ، للقاضي عِياض ( 3 / 563 ) وفتح الباري ، لابن حجر ( 2 / 146 ) .
(13) - مسند أحمد (3694)
(14) - هُوَ مُحَمَّد بن ميمون المروزي ، أبو حمزة السكري: ثقة فاضل ، توفي سنة (167هـ ) ، وَقِيْلَ: (168هـ ) تهذيب الكمال 6/536 ( 6244 ) ، والكاشف 2/226 ( 5184 ) ، والتقريب ( 6348 ) .
(15) - في صحيحه 6/28 ( 4497 )
(16) - في صحيحه 2/90 ( 1238 )
(17) - في مسنده ( 256 )
(18) - في مسنده 1/443 و 462 و 464
(19) - هُوَ عَبْد الله بن نمير الهمداني الخارفي ، أبو هشام الكوفي: ثقة صاحب حَدِيْث من أهل السنة ، توفي سنة (199 هـ ) . تهذيب الكمال 4/306 (3606) ، والكاشف 1/604 (3024) ، والتقريب (3668)
(20) - في مسنده 1/425
(21) - في صحيحه 1/65 ( 92 ) ( 150 )
(22) - في صحيحه 8/173 ( 6683 )
(23) - في مسنده 1/443 (4318 )
(24) - في صحيحه 1/65 ( 92 ) (278)
(25) - انظر المسند الجامع - (ج 11 / ص 803) (8973)
(27) - فتح الباري 3/111 .
(28) - عِنْدَ أحمد 1/402 و 407 ، وأبي يعلى (5090) ، والطبراني في الكبير ( 10410 ) و ( 10416 ) ، وفي الأوسط (2232) ، والخطيب في الفصل 1/219-222
(29) - عِنْدَ أحمد 1/374
(30) - عِنْدَ أحمد 1/374 ، وابن حبان ( 251 ) ، وابن منده ( 72 ) .
(31) - سيار أبو الحكم العَنَزي ، ويقال: البصري: ثقة ، وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يروي عن طارق بن شهاب ،توفي سنة ( 122 هـ ) الثقات 6/421 ، وتهذيب الكمال 3/351 ( 2655 ) ، والتقريب ( 2718 ) .
(32) - التوحيد: 360 .
(33) - فتح الباري 3/111 .
(34) - فتح الباري 3/111 .
(35) - محاسن الاطلاع ص 1002
(36) - سنن النسائى (647 ) ومسند أحمد (28202 ) وصحيح ابن حبان - (ج 8 / ص 252) (3474 ) والمسند الجامع - (ج 19 / ص 120) (15839)
(37) - انظر المسند الجامع - (ج 10 / ص 155) (7292) و (ج 19 / ص 1054) (16571)
(38) - قال أبو حاتم رضى الله تعالى عنه: هذان خبران قد يوهمان من لم يحكم صناعة العلم أنهما متضادان، وليس كذلك، لأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كان جعل الليل بين بلال وبين ابن أم مكتوم نوبا، فكان بلال يؤذن بالليل ليالي معلومة، لينبه النائم، ويرجع القائم، لا لصلاة الفجر، ويؤذن ابن أم مكتوم في تلك الليالي بعد انفجار الصبح لصلاة الغداة، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم، كان يؤذن بالليل ليالي معلومة كما وصفنا قبل، ويؤذن بلال في تلك الليالي بعد انفجار الصبح لصلاة الغداة من غير أن يكون بين الخبرين تضاد أو تهاتر.صحيح ابن حبان - (ج 8 / ص 252)
(39) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 227) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 3 / ص 16) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 267)
(40) - انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/320 طبعة الفحل .
(41) - هو ابن أبي عروبة .
(42) - الكامل ( 2 / 303 ) .
(43) - انظر المسند الجامع - (ج 16 / ص 1327) (13014)
(44) - الجرح والتعديل ، لابن أبي حاتم ( 3 / 2 / 86 ) .
(45) - العلل ، لأحمد ( النص: 4390 ) .
(46) - العلل ( النص: 5317 ) ، وانظر: التاريخ الكبير ، للبخاري ( 4 / 1 / 354 ) والجرح والتعديل ، لابن أبي حاتم ( 4 / 1 / 308 ) .
(47) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 384 ) .
(48) - المجروحين ( 1 / 373 ) .
(49) - الكامل ( 5 / 112 ) .
(50) - هُوَ عَمْرو بن خالد بن فرّوخ التميمي ، ويقال: الخزاعي ، أبو الحسن الحراني ، نزيل مصر: ثقة ، توفي سنة ( 229 هـ ) تهذيب الكمال 5/406-407 ( 4945 ) ، والكاشف 2/75 ( 4149 ) ، والتقريب ( 5020 )
(51) - هُوَ حماد بن عَمْرو ، أبو إسماعيل النصَّيِبيٌّ ، قَالَ ابن حبان: كَانَ يضع الْحَدِيْث وضعًا عَلَى الثقات، وَقَالَ يَحْيَى بن مَعِيْنٍ: لَيْسَ بشيء .الضعفاء الكبير 1/308 ، والمجروحين 1/307 ، والكامل 3/10 .
(52) - هَذِهِ الطريق المقلوبة عِنْدَ العقيلي 1/308 .
(53) - انظر: الضعفاء الكبير ، للعقيلي 1/308 .
(54) - انظرها في المسند الجامع - (ج 17 / ص 1401) (14294)
(55) - وانظر: الاقتراح ، لابن دقيق العيد ( ص: 236 ) والموقظة للذهبي ( ص: 60 ) .