فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 522

إذا كان سبب الطعن في الراوي مخالفته للثقات ـ وهو السبب السابع ـ فينتج عن مخالفته للثقات خمسة أنواع من علوم الحديث ، وهي:"المُدْرَج ، والمَقْلوب ، والمَزِيْد في متصل الأسانيد والمُضطَّرِب والمُصَحَّف"

فإن كانت المخالفة بتغيير سياق الإسناد أو بدمج موقوف بمرفوع فيسمَّى"المدْرَج".

وإن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير فيسمَّى"المقلوب".

وإن كانت المخالفة بزيادة راوٍ فيسمَّى"المزيد في متصل الأسانيد"

وإن كانت المخالفة بإبدال راو براو أو بحصول التدافع في المتن ولا مُرَجِّح فيسمَّى"المضْطَّرب"

وإن كانت المخالفة بتغيير اللفظ مع بقاء السياق فيسمَّى"المصَحَّف" [2]

وإليك تفصيل البحث فيها على التوالي:

المدْرَجُ [3]

1-تعريفُه:

أ) لغة: اسم مفعول من"أدرجت"الشيء في الشيء ، إذا أدخلته فيه وضمنته إياه

ب) اصطلاحًا: ما غير سياق إسناده، أو أدخل في متنه ما ليس منه بلا فصل.

2-أقسامُه:

المدرجُ قسمان، مُدْرَجُ الإسناد، ومٌدْرَجُ المتن.

مدرجُ الإسناد.

تعريفه:هو ما غير سياق إسناده.

من صوره: أن يسوق الراوي الإسناد ، فيعرض له عارض ، فيقول كلامًا من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد ، فيرويه عنه كذلك .

مثاله: ما رواه ثَابِتُ بْنُ مُوسَى أَبُو يَزِيدَ عَنْ شَرِيكٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ » . [4] .

وأصل القصة أن ثابت بن موسى دخل على شريك بن عبدالله القاضي وهو يُمْلِي ويقول:"حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ...."وسكت ليكتب المُسْتَمْلِي [5] ، فلما نظر إلى ثابت قال: « مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ » وقصد بذلك ثابتًا لزهده وورعه، فظنَّ ثابتٌ أنه متن ذلك الإسناد ، فكان يحدث به .

مدرجُ المتن:

تعريفه: ما أُدْخِلَ في متنه ما ليس منه بلا فَصْل.

أقسامه: ثلاثة وهي:

أن يكون الإدراج في أول الحديث، وهو القليل، لكنه أكثر من وقوعه في وسطه

أن يكون الإدراج في وسط الحديث، وهو أقل من الأول.

أن يكون الإدراج في آخر الحديث ، وهو الغالب .

3-أمثلةٌ له:

أ) مثال لوقوع الإدراج في أول الحديث:

فأمَّا مُدْرج المتن, فتارة يَكُون في آخر الحديث كما ذكرهُ, وتارة في أوَّله, وتارة في وسطه, كما ذكرهُ الخَطِيب وغيره.

والغالب وقُوع الإدْراج آخر الخبر, ووقُوعه أوَّله أكثر من وسطه, لأنَّ الرَّاوي يقول كلامًا يُريد أن يَسْتدل عليه بالحديث, فيأتي به بلا فصل, فيُتوهَّم أن الكُل حديث.

مثال الأول: ما رواه الخطيب [6] من رواية أبي قَطَن وشَبَابة, فرَّقهما عن شعبة, عن محمَّد بن زياد, عن أبي هُرَيْرة قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - «أسبغُوا الوضُوء, ويلٌ للأعْقَاب من النَّار» .

فقوله: أسبغُوا الوضُوء, مُدْرج من قول أبي هُرَيْرة, كما في صحيح البخارى (165 ) حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ - قَالَ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ » .

قال الخطيب [7] : وهِمَ أبو قَطَن وشَبَابة في رِوَايتهما له عن شُعبة على ما سُقْناهُ, وقد رواهُ الجم الغَفِير عنه كرواية آدم.

قلت: وقد ورد مرفوعا من طرق أخرى عن غيره كما في في مسند أبي عوانة (476 ) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ هِلالَ بْنَ يِسَافٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، أَتَى عَلَى قَوْمٍ يَتَوَضَّئُونَ وَكَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَوْ وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ، قَالَ شُعْبَةُ أَحَدَهُمَا .

وفي صحيح مسلم (593 ) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلاَلِ بْنِ يِسَافٍ عَنْ أَبِى يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ".

وفي مسند أحمد (14479) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِىِّ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَزَوْنَا أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ بِضْعَةَ عَشَرَ وَمِائَتَيْنِ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « هَلْ فِى الْقَوْمِ مِنْ مَاءٍ » . فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْعَى بِإِدَاوَةٍ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ. قَالَ فَصَبَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى قَدَحٍ. قَالَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَرَكَ الْقَدَحَ فَرَكِبَ النَّاسُ الْقَدَحَ يَمْسَحُوا وَيَمْسَحُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « عَلَى رِسْلِكُمْ » . حِينَ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ. قَالَ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَفَّهُ فِى الْمَاءِ وَالْقَدَحِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ للَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « بِسْمِ اللَّهِ » . ثُمَّ قَالَ « أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ » . فَوَالَّذِى هُوَ أَبْلاَنِى بِبَصَرِى لَقَدْ رَأَيْتُ الْعُيُونَ عُيُونَ الْمَاءِ يَوْمَئِذٍ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى تَوَضَّئُوا أَجْمَعُونَ. ( وهو حديث صحيح ) [8]

فالحديث رغم إعلاله صحيح مرفوع ، ولكن من غير طريق أبي هريرة رضي الله عنه .

ومِثَالُ المُدْرج في الوسط, والسَّبب فيه, إمَّا اسْتنباط الرَّاوي حُكمًا من الحديث قبل أن يتم فيُدْرجه, أو تفسير بعض الألفاظ الغريبة, ونحو ذلك.

فمن الأوَّل ما رواه الدَّارقُطْني في «السنن» (546) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَكِيلُ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رُفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ » .

قال: كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ هِشَامٍ وَوَهِمَ فِى ذِكْرِ الأُنْثَيَيْنِ وَالرُّفْغِ وَإِدْرَاجِهِ ذَلِكَ فِى حَدِيثِ بُسْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ غَيْرِ مَرْفُوعٍ كَذَلِكَ رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ هِشَامٍ مِنْهُمْ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا .

547 -حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِىُّ ح وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ السَّرَّاجُ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ قَالاَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ » . قَالَ وَكَانَ عُرْوَةُ يَقُولُ إِذَا مَسَّ رُفْغَيْهِ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ. وَاللَّفْظُ لأَبِى الأَشْعَثِ. صَحِيحٌ .

فعروة لمَّا فهم من لفظ الخبر أنَّ سبب نَقْض الوضُوء مظنَّة الشَّهوة, جعل حُكم ما قَرُب من الذَّكر كذلك, فقال ذلك, فظنَّ بعض الرُّواة أنَّه من صُلْب الخبر, فنقلهُ مُدْرجًا فيه, وفهِمَ الآخرون حقيقة الحال ففصلوا.

قال العراقي [9] :

"لم ينفردْ به عبدُ الحميدِ . فقد رواه الطَّبرانيُّ في"المعجمِ الكبيرِ" [10] من روايةِ أبي كاملٍ الجَحْدريِّ ، ثنا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ، ثنا أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بُسْرَةَ بنتِ صَفْوَانَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رُفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ". ."

وعلى هذا فقدِ اختُلِفَ فيه على يزيدَ بنِ زُريعٍ . ورواهُ الدارقطنيُّ أيضًا (549 ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى الرِّجَالِ حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ الْمِصِّيصِىُّ قَالَ سَمِعْتُ حَجَّاجًا يَقُولُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْوَانَ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَقَدْ كَانَتْ صَحِبَتِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ فَلاَ يُصَلِّى حَتَّى يَتَوَضَّأَ » . ، ولم يذكرِ: الرُّفْغَ ، وزادَ في السندِ مروانَ بنَ الحكمِ .

وقد ضعّفَ ابنُ دقيقِ العيدِ الطريقَ إلى الحُكْمِ بالإدراجِ في نحو هذا . فقالَ في"الاقتراح"وممّا يَضعُفُ فيه أنْ يكونَ مُدرجًا في أثناءِ لفظِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، لاسيما إنْ كان مُقدَّمًا على اللفظِ المرويِّ ، أو معطوفًا عليه بواوِ العطفِ ، كما لو قال مَنْ مسَّ أنثييهِ أو ذَكَرَهُ فَلْيَتَوضَّأْ ، بتقديمِ لفظِ الأنثييْنِ على الذَّكَرِ فهاهنا يضعفُ الإدراجُ لما فيه من اتصالِ هذهِ اللفظةِ بالعاملِ الذي هو من لفظِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - . قلتُ: ولا يعرفُ في طُرُقِ الحديثِ تقديمُ الأُنثيين على الذَّكَرِ ، وإنّما ذكرَهُ الشيخُ"اهـ"

ب) مثال لوقوع الإدراج في وسط الحديث:

ومن الثاني كما في صحيح البخارى (3 ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِى النَّوْمِ ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ [11]

فقوله: وهو التعبُّد, مُدْرج من قَوْل الزُّهْري.

وحديث فَضَالة كما في سنن النسائى (3146) قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو هَانِئٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « أَنَا زَعِيمٌ - وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ - لِمَنْ آمَنَ بِى وَأَسْلَمَ وَهَاجَرَ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ [12] وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ وَأَنَا زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِى وَأَسْلَمَ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا وَلاَ مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ » ..

فقوله: والزَّعيم الحَميل مُدْرج من تفسير ابن وهب,

قال أبو حاتم [13] : الزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، ويشبه أن تكون هذه اللفظة الزعيم: الحميل من قول ابن وهب أدرج في الخبر.

وأمثلة ذلك كثيرة.

قال ابن دقيق العيد [14] : والطَّريق إلى الحُكم بالإدراج في الأوَّل أو الأثناء صعب, لا سيمَا إن كان مُقدَّما على اللَّفظ المَرْوي, أو مَعْطُوفًا عليه بواو العطف.

والثَّاني: أن يَكُون عندهُ مَتْنان مُختلفان بإسْنَادين مختلفين فيرويهما بأحدهما أو يروي أحدهما بإسناده الخاص به, ويزيد فيه من المَتْن الآخر ما ليسَ في الأوَّل, ومنهُ أن يَسْمع الحديث من شيخه, إلاَّ طرفًا منهُ, فإنَّه عندهُ بإسْنَاد آخر, فيرويه تامًّا بالإسْناد الأوَّل.

ومنهُ أن يَسْمع الحديث من شَيْخهِ, إلاَّ طَرَفًا منهُ, فيسمعهُ بواسطة عنه فيرويهُ تامًّا بحذفِ الواسطة.

وابن الصَّلاح [15] ذكر هذين القِسْمين دُون ما ذكرهُ المُصنِّف, وكأنَّ المُصنِّف رأى دُخُولهما فيمَا ذكرهُ.

مثالُ ذلك حديث رواهُ سعيد بن أبي مريم, عن مالك [16] , عن الزُّهْري, عن أنس أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَبَاغضُوا, ولا تَحَاسَدُوا, ولا تَدَابرُوا, ولا تَنَافَسُوا...» الحديث.

فقوله: ولا تنافَسُوا, مُدْرج, أدرجهُ ابن أبي مريم من حديث آخر لمالك, عن أبي الزِّناد, عن الأعرج, عن أبي هُرَيْرة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: « إيَّاكم والظَّن, فإنَّ الظَّن أكْذَب الحديث, ولا تَجَسَّسوا, ولا تنافَسُوا, ولا تحاسَدُوا » .

وكِلاَ الحديثين مُتَّفق عليه من طريق مالك, وليسَ في الأوَّل: ولا تنافَسُوا, وهي في الثاني, وهكذا الحديثان عند رُواة الموطأ. [17]

قال الخطيب [18] : وهِمَ فيها ابن أبي مَرْيم, عن مالك عن ابن شِهَاب, وإنَّما يَرْويها مالك في حديثه عن أبي الزِّناد.

وروى أبو داود من رِوَاية زائدة وشَريك فرَّقهما, والنَّسائي من رواية سُفيان بن عُيَينة, كلهم عن عاصم بن كُلَيب, عن أبيه, عن وائل بن حُجْر, في صِفَة صَلاةِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - , قال فيه: ثمَّ جئتهم بعد ذلك في زمَانٍ فيه برد شديد, فرأيتُ النَّاس عليهم جل الثِّياب تحرك أيديهم تحت الثِّياب. [19]

فقوله: ثُمَّ جئتهم, إلى آخره ليسَ هو بهذا الإسْنَاد, وإنَّما أُدْرج عليه, وهو من رِوَاية عَاصم, عن عبد الجبَّار بن وائل, عن بعض أهْلهِ, عن وائل.

وهكذا رواهُ مُبينًا: زُهَير بن مُعَاوية, وأبو بَدْر شُجَاع بن الوليد [20] , فمَيَّزا قِصَّة تحريك الأيْدي وفَصَلاها من الحديث, وذكرا إسْنَادها.

قال مُوسَى بن هارون الحَمَّال: وهُمَا أثبت مِمَّن روى رَفْع الأيدي تحت الثِّياب عن عاصم, عن أبيه, عن وائل.

الثَّالث أن يَسْمع حديثًا من جماعة مُختلفين في إسْنَاده, أو متنه, فيَرويه عنهم باتِّفاق ولا يُبين ما اختُلفَ فيه.

ولفظة المَتْن مزيدة هُنَا, كأنَّه أرادَ بها ما تقدَّم, من أن يَكُون المتن عندهُ بإسْناد, إلاَّ طرفًا منه, وقد تقدَّم مثاله.

ومثال اخْتلاف السَّند كما في سنن الترمذى (3482 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قَالَ « أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ » . قَالَ قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قَالَ « أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » . قَالَ قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قَالَ « أَنْ تَزْنِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ » . قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ..

فرِوَاية واصل هذه مُدْرجة على رِوَاية منصُور والأعْمش, لأنَّ واصلًا لا يَذْكُر فيه عَمْرًا, بل يجعلهُ عن أبي وائل, عن عبد الله, هكذا رواهُ شُعبة ومهدي بن ميمُون ومالك بن مِغْوَل وسعيد بن مَسْرُوق, عن واصل, كما ذكرهُ الخطيب [21] .

وقد بَيَّن الإسْنادين معًا يحيى بن سعيد القَطَّان في رِوَايته عن سُفيان, وفصلَ أحدهما من الآخر, رواهُ البُخَاري في «صحيحه» (4761 ) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ أَبِى مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ وَحَدَّثَنِى وَاصِلٌ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ سَأَلْتُ - أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - أَىُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ قَالَ « أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ » . قُلْتُ ثُمَّ أَىٌّ قَالَ « ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ . قُلْتُ ثُمَّ أَىٌّ قَالَ « أَنْ تُزَانِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ » . قَالَ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ( وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) ..

قال عَمرو بن علي: فذكرتهُ لعبد الرَّحمن, وكان حدَّثنا عن سُفيان, عن الأعمش ومنصُور وواصل, عن أبي وائل, عن عَمْرو, فقال: دعهُ.

قال العِرَاقي [22] : لكن رواه النَّسائي (4030 ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قَالَ « أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ » . قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قَالَ « أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » . قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قَالَ « أَنْ تُزَانِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ » .

فزاد في السَّند عَمْرًا من غير ذكر أحد, وكأنَّ ابن مَهْدي لمَّا حَدَّث به عن سُفيان عن منصور والأعمش وواصل بإسْناد واحد, ظنَّ الرُّواة عن ابن مَهْدي اتِّفاق طُرقهم, فاقتصر على أحد شُيوخ سُفيان.

ج) مثال لوقوع الإدراج في آخر الحديث:

ما أُدرجَ في آخرِ الحديثِ من قولِ بعضِ رواتِهِ . أمَّا الصحابيُّ ، أو مَنْ بعدَهُ موصولًا بالحديثِ من غيرِ فَصْلٍ بين الحديثِ وبين ذلك الكلامِ ، بذكرِ قائِلِه ، فيلتبسُ على مَنْ لا يعلم حقيقةَ الحالِ ، ويتوهمُ أنَّ الجميعَ مرفوعٌ .

ويُدْرك ذلكَ بورُوده مُنفصلًا في رِوَاية أُخرى, أو بالتَّنصيص على ذلك من الرَّاوي, أو بعض الأئمة المُطَّلعين, أو باستحالة كونه - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك.

(1) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 18) وبحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 68) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 58) والتعريفات الندية على المنظومة البيقونية - (ج 1 / ص 4) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 3 / ص 243) وعلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد - (ج 1 / ص 55)

(2) -انظر النخبة وشرحها ص 48-49 .

(3) - الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 10) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 3) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 85) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 228) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 18) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 205) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 462) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 122) والموقظة في علم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 10) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 216) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 19) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 114) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 92) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 221) وبحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 129) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 28)

(4) - سنن ابن ماجه باب قيام الليل برقم (1394 )

(5) - المستملي هو الذي يبلغ صوته المحدث إذا كثر الطلاب في المجلس .

(6) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 1 / ص 69) (324 و325) والمسند الجامع - (ج 11 / ص 30) (8337) والمسند الجامع - (ج 16 / ص 979) (12770)

(7) - الفصل للوصل 1/159

(8) - والمعجم الكبير للطبراني - (ج 10 / ص 178) (12214 ) عن ابن عباس والصحيحة (872 )

(9) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 93)

(10) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 17 / ص 440) (19981)

(11) - وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 4) : هَذَا مُدْرَج فِي الْخَبَر ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِير الزُّهْرِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ وَلَمْ يَذْكُر دَلِيله ، نَعَمْ فِي رِوَايَة الْمُؤَلِّف مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْهُ فِي التَّفْسِير مَا يَدُلّ عَلَى الْإِدْرَاج

(12) - الربض: حوالى الجنة وأطرافها

(13) - صحيح ابن حبان - (ج 10 / ص 480)

(14) - الاقتراح ص 224

(15) - علوم الحديث ص 129

(16) - انظر المسند الجامع - (ج 2 / ص 389) (1005-106) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ وبيان مشكل الآثار ـ الطحاوى - (ج 2 / ص 7)

(17) - انظر المسند الجامع - (ج 17 / ص 1148) (14087) و ( 13620)

(18) - الفصل للصل 2/742

(19) - انظر الروايات في المسند الجامع - (ج 15 / ص 1030) (12065) عَنْ كُلَيْبِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ

(20) - أسنده الخطيب في الفصل للوصل 1/438

(21) - برقم ( )

(22) - التبصرة 1/260

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت