المقدمة السادسة
وجوبُ اعتبار مرتبة الناقد مقارنة بمخالفة
وذلك بأربع اعتبارات:
الاعتبار الأول: قلة الكلام في النقلة وكثرته:
وهو قدر اعتناء الإمام الناقد بتعديل الرواة وتجريحهم ، فإن من أثر عنه تتبع ذلك والاعتناء به ، لا يوضع في درجة واحدة مع من لم يؤثر عنه من البيان لذلك إلا اليسير ، وبهذا الاعتبار قسمهم الذهبي إلى ثلاثة أقسام:
1 _ من تكلموا في أكثر الرواة ، كيحيى بن معين ، وأبي حاتم الرازي .
2 _ من تكلموا في كثير من الرواة ، كمالك بن أنس ، وشعبة .
3 -من تكلموا في الرجل بعد الرجل ، كسفيان بن عيينة ، والشافعي [1] .
الاعتبار الثاني: التشدد والاعتدال والتساهل:
وقسم الذهبي الناقد باعتبار هذا المعنى إلى ثلاثة أقسام ، فقال:
"قسم منهم متعنت في الجرح ، متثبت في التعديل ، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ، ويلين بذلك حديثه ، فهذا إذا وثق شخصًا ، فعضَّ على قوله بناجذيك ، وتمسك بتوثيقه ، وإذا ضعف رجلًا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه ؟ فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف ، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرًا ، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلًا: هو ضعيف ، ولم يوضح سبب ضعفه ، وغيره قد وثقه ، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه ، وهو إلى الحسن أقرب ."
وابن معين ، وأبو حاتم ، والجوزجاني ، متعنتون .
وقسم في مقابلة هؤلاء ، كأبي عيسى الترمذي ، وأبي عبد الله الحاكم ، وأبي بكر البيهقي ، متساهلون .
وقسم كالبخاري ، وأحمد بن حنبل ، وأبي زرعة ، وابن عدي ، معتدلون منصفون" [2] ."
قلت: هذا الذي مثل به الذهبي من ذكر هؤلاء الأعيان صحيح في الجملة بالنظر إلى ما وقع من كلامهم ، في النقلة ، لكنك تحتاج إلى مراعاته عند اختلاف الجرح والتعديل ، لا مطلقًا ، فإن أقوال هؤلاء جميعًا الأصل فيها الإعمال والاعتبار ، والذهبي نفسه اعتمد على جرحهم وتعديلهم في كتبه .
وإلا فمن ذا يجافي كلام العارفين بنقلة الحديث ، من أمثال يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والنسائي ، مع ما عرف عنهم من التشديد ؟ !
فالقطان كان قل من يرضى من الرواة ، قال العقيلي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شُجَاعٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، كَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ: تُرِيدُ الْعَفْوَ أَوْ تُشَدِّدُ ؟ قُلْتُ: بَلْ أَتَشَدَّدُ , قَالَ: فَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ تُرِيدُ , كَانَ يَقُولُ شَيْئًا , حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ , قَالَ: يَحْيَى وَسَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْهُ , فَقَالَ: فِيهِ نَحْوًا مِمَّا قُلْتُ لَكَ , يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى ، يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ أَوْثَقُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , وَلَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو حَتَّى اشْتَهَاهَا أَصْحَابُ الْإِسْنَادِ فَكَتَبُوهَا , وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ." [3] ."
وابن معين كانت تحمله الغيرة على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يقول من العبارة ما يتحصل المقصود بدونه ، ككلامه في سويد بن سعيد وعلي بن عاصم .
وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة ، فوثقه ، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه ، فقال:"يا بني ، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطًا أشد من شرط البخاري ومسلم" [4] .
ولكن الشأن فيما إذا تعارض قول أحدهم مع قول ناقد سواه ، فنلاحظ ما يحتمل وروده بسبب ما عرف عنهم من الشدة ، كما نلاحظ من آخرين ما يمكن أن يكون في تعديلهم ، بسبب ما ذكروا به من التساهل ، كابن حبان .
الاعتبار الثالث: النظر والإنشاء ، للمتقدمين ، والتحرير والترجيح ، للمتأخرين.
والمقصود أن لا تقيم التعارض مثلًا بين جرح أبي حاتم الرازي وتوثيق الذهبي ، من أجل أن أبا حاتم إنما جرح بمقتضى بحثه ودرايته بحال الراوي واختبار حديثه ، والذهبي وثق ترجيحًا لقول من خالف أبا حاتم من النقاد ، باتباع قوانين الترجيح التي نحن في صدد بيانها .
وإنما يقوم التعارض بين كلام المنشئين .
الاعتبار الرابع: الناقد العارف في جرح وتعديل أهل بلده .
وهذا وجدنا له الأثر في أن الناقد إذا عدل أو جرح بلديه كان أصح مذهبًا فيهم من الغرباء ، ولا يستغرب ذلك ، فكونه من أهل داره يوجب مزيد اطلاع .
قال حماد بن زيد:"بلدي الرجل أعرف بالرجل" [5] .
قال أبو بكر المروذي: سألت ( أحمد بن حنبل ) عن قطن الذي روى عنه مغيرة ؟ فقال:"لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة"، قلت: إن جريرًا ذكره بذكر سوء ، قال:"لا أدري ، جرير أعرف به وببلده" [6] .
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله ، ما تقول في سعيد بن بشير ؟ قال:"أنتم أعلم به" [7] .
وقال ابن عدي في ( شقيق الضبي ) :"كان من قصاص أهل الكوفة ، والغالب عليه القصص ، ولا أعرف له أحاديث مسندة كما لغيره ، وهو مذموم عند أهل بلده ، وهم أعرف به" [8] .
وكان محمد بن عبد الله بن نمير من نقاد الكوفيين ، قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان في شيوخ الكوفيين:"ما يقول ابن نمير فيهم ؟" [9] .
وقال ابن عدي في ( محمد بن عوف الحمصي ) :"هو عالم بأحاديث الشام ، صحيحها وضعيفها" [10] .
قلت: ومن أمثلته في النقاد: أبو مسهر في الشاميين ، ومحمد بن عوف في الحمصيين ، وأحمد بن صالح ، وابن يونس في المصرين .
ـــــــــــــــ
(1) - ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل ( ص: 158 ) .
(2) - ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل ( ص: 158 - 159 ) .
(3) - أخرجه ابن عدي في"الكامل" ( 7 / 456 ) والعُقيلي في"الضعفاء" ( 4 / 108 ) وإسناده صحيح ، وهو في"الجرح والتعديل" ( 4 / 1 / 31 ) باختصار .
(4) - شروط الأئمة الستة ، لابن طاهر ( ص: 104 ) .
(5) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 175 ) بإسناد جيد .
(6) - العلل ، رواية المروذي ( النص: 98 ) ، وجريرٌ هوَ ابنُ عبد الحميد .
(7) - تاريخ أبي زُرعة ( 1 / 540 ) ، وإنما قال أحمد ذلك لأن سعيدًا هذا دمشقي .
(8) - الكامل ( 5 / 71 ) .
(9) - أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ في"التقدمة" ( ص: 320 ) عن ابنِ الجنيد .
(10) - الكامل ( 1 / 231 ) .