فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 522

"وقعَ في «صحيح» مسلم أحاديث مُرسلة, فانْتُقدت عليه, وفيها ما وقع الإرْسَالُ في بعضهِ, فأمَّا هذا النَّوع فعُذْره فيه أنَّه يُوردهُ مُحتجًّا بالمُسْند منه, لا بالمُرْسل, ولم يقتصر عليه للخلاف تقطيع في الحديث, على أنَّ المُرْسل منه قد تبيَّن اتِّصاله من وجه آخر, كقوله في كِتَاب البيوع وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ."

قَالَ وَأَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ « لاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ وَلاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ »

وَقَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِى بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِى غَيْرِ ذَلِكَ.. [1]

وحديث سعيد وصلهُ من حديث سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ. [2] , ومن حديث سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلاَ تَبِيعُوهَا » . فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ مَا قَوْلُهُ وَلاَ تَبِيعُوهَا يَعْنِى الْكِرَاءَ.قَالَ نَعَمْ. [3]

ومن حديث أبي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِىِّ وَمِنْ كَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ وَإِلاَّ فَلْيَدَعْهَا » . [4]

وأخرجه هو والبُخَاري من حديث عَطَاء عن جابر. [5]

وحديث سالم وصلهُ من حديث من طريق ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ وَلاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ » . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَهُ سَوَاءً. [6] .

وأخرج في الأضَاحي من حديث مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حِضْرَةَ الأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « ادَّخِرُوا ثَلاَثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِىَ » . فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « وَمَا ذَاكَ » . قَالُوا نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ. فَقَالَ « إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِى دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا » .. [7]

فالأول مُرْسل, والآخر مُسْند وبه احتجَّ, وقد وصلَ الأوَّل من حديث من حديث الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأَضَاحِى بَعْدَ ثَلاَثٍ. قَالَ سَالِمٌ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَأْكُلُ لُحُومَ الأَضَاحِىِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ بَعْدَ ثَلاَثٍ.. [8]

وفيه من هذا النَّمط نحو عَشْرة أحاديث, والحكمة في إيراد ما أوردهُ مُرْسلًا بعد إيراده مُتَّصلًا, إفادة الاختلاف الواقع فيه.

ومِمَّا أوردهُ مُرْسلًا, ولم يصله في موضع آخر: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاَءِ بْنُ الشِّخِّيرِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.. [9]

لم يُرو موصولًا عن الصَّحابة من وجه يصح.اهـ

قلت:

قد ورد نحوه مرفوعا وموقوفا

ففي سنن الدارقطنى (4323 ) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْمَاطِىُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِىُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ أَحَادِيثَنَا يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْخِ الْقُرْآنِ » .

وهذا الحديث فيه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِىُّ فيه كلام كثير وغيره فلا يصح رفعه

والموقوف كما في سنن الدارقطنى (4324 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَزَّازُ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِى صَخْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِى يُحَدِّثُنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ الْقَوْلَ ثُمَّ يَلْبَثُ حِينًا ثُمَّ يَنْسَخُهُ بِقَوْلٍ آخَرَ كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا. 4/146 ( وهذا إسناده أمثل)

لكن الظاهر منه أن الإمام مسلم ساقه مساق المقاطيع ، وهي الموقوفة على التابعين ، لا مساق المراسيل ، فإنه وإن كان متعلقًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أنه مما يقال مثله بالرأي والاجتهاد ، فليس له حكم الرفع أصلًا .

ولذا قال الإمام النووي رحمه الله عقبه [10] :

"وَمُرَاد مُسْلِم بِرِوَايَتِهِ هَذَا الْكَلَام عَنْ أَبِي الْعَلَاء أَنَّ حَدِيث الْمَاء مِنْ الْمَاء مَنْسُوخ ، وَقَوْل أَبِي الْعَلَاء أَنَّ السُّنَّة تَنْسَخ السُّنَّة هَذَا صَحِيح ."

قَالَ الْعُلَمَاء: نَسْخُ السُّنَّة بِالسُّنَّةِ يَقَع عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه:

أَحَدهَا نَسْخ السُّنَّة الْمُتَوَاتِرَة بِالْمُتَوَاتِرَةِ .

وَالثَّانِي نَسْخُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِمِثْلِهِ .

وَالثَّالِث نَسْخُ الْآحَاد بِالْمُتَوَاتِرَةِ .

وَالرَّابِع نَسْخُ الْمُتَوَاتِر بِالْآحَادِ ، فَأَمَّا الثَّلَاثَة الْأُوَل فَهِيَ جَائِزَة بِلَا خِلَاف ، وَأَمَّا الرَّابِع فَلَا يَجُوز عِنْد الْجَمَاهِير ، وَقَالَ بَعْض أَهْل الظَّاهِر: يَجُوز . وَاللَّهُ أَعْلَم .""

ـــــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم (3958 )

(2) - صحيح مسلم (4015 )

(3) - صحيح مسلم (4004 )

(4) - برقم ( 4005 )

(5) - البخاري برقم ( 2340 و2632 ) ومسلم برقم (3997-4002)

(6) - صحيح مسلم (3957 )

(7) - صحيح مسلم (5215 )

الحضرة: الوقت ، الدافة: الجماعة ، دف: أسرع والمراد جاءوا مسرعين لضر نزل بهم الودك: دسم اللحم والشحم

(8) - صحيح مسلم (5214 )

(9) - صحيح مسلم (803 )

(10) - شرح النووي على مسلم - (ج 2 / ص 58)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت