الفصلُ الثاني
قضايا كثيرةٌ حول العمل بالسنة [1]
المبحث الأول
بيانُ أقسام ما دوِّنَ في علم الحديث
قال الإمام ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة ما نصه [2] :
"اعلم أن ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودون في كتب الحديث على قسمين:"
أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة وفيه قوله تعالى {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر، منه علوم المعاد وعجائب الملكوت ، وهذا كله مستند إلى الوحي ،ومنه شرائع وضبط للعبادات والارتفاقات بوجوه الضبط المذكورة فيما سبق، وهذه بعضها مستند إلى الوحي وبعضها مستند إلى الاجتهاد، واجتهاده - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة الوحي؛ لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطأ ، وليس يجب أن يكون اجتهاده استنباطا من المنصوص كما يظن بل أكثره أن يكون علَّمه الله تعالى مقاصد الشرع وقانون التشريع والتيسير والأحكام، فبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون، ومنه حكم مرسلة ومصالح مطلقة لم يوقتها ولم يبين حدودها ، كبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها ومستندها غالبا الاجتهاد بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين الارتفاقات فاستنبط منها حكمه وجعل فيها كلية، ومنه فضائل الأعمال ومناقب العمال، ورأى أن بعضها مستند إلى الوحي وبعضها إلى الاجتهاد وقد سبق بيان تلك القوانين، وهذا القسم هو الذي نقصد شرحه وبيان معانيه.
وثانيهما ما ليس من باب تبليغ الرسالة ،وفيه عن رَافِعَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ « مَا تَصْنَعُونَ » . قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » . فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ » [3] .
عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ « مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ » . فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِى الأُنْثَى فَيَلْقَحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا أَظُنُّ يُغْنِى ذَلِكَ شَيْئًا » . قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ فَقَالَ « إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلاَ تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » . [4]
فمنه الطب ومنه عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ ، وَكَانَتْ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ ، وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ ، وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا وَأَعْجَازِهَا ، أَوْ قَالَ: وَأَكْفَالِهَا ، وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ ، وَعَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ" [5] ومستنده التجربة ، ومنه ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل العادة دون العبادة وبحسب الاتفاق دون القصد، ومنه ما ذكره كما كان يذكره قومه كحديث أم زرع [6] ، وحديث خرافة [7] ، وعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ ؟ كُنْتُ جَارَهُ"فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا ، وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا ، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا ، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -". [8]
ومنه ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ ، وليس من الأمر اللازم لجميع الأمة وذلك مثل ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش وتعيين الشعار، فعَنْ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَالَ لِلرُّكْنِ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ ، وَلَوْلاَ أَنِّى رَأَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ . فَاسْتَلَمَهُ ، ثُمَّ قَالَ فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ . ثُمَّ قَالَ شَىْءٌ صَنَعَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ . [9]
وقد حمل كثير من الأحكام ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ , فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا فَأَخَذَ أَسْلاَبَهُمْ. [10] ومنه حكم وقضاء خاص ،وإنما كان يتبع فيه البينات والايمان [11] ، فعَنْ عَلِىٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا بَعَثْتَنِى أَكُونُ كَالسِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ أَمِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لاَ يَرَى الْغَائِبُ قَالَ: « الشَّاهِدُ يَرَى مَا لاَ يَرَى الْغَائِبُ » [12] .
ـــــــــــــــ
(1) - انظر قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 231) فما بعد
(2) - حجة الله البالغة - (ج 1 / ص 247)
(3) - صحيح مسلم ( 6276 ) يأبر: يلقح نفضت: أسقطت ثمرها
(4) - صحيح مسلم (6275 ) أقول:لا يخدش بعصمة الأنبياء ، لأن المقصود بالعصمة هى في تبليغ الوحى الإلهى لا الاجتهاد فيما لا وحى فيه وحتى هذا لا يقرون على خطء فيه
(5) - مسند أحمد ( 19548) حسن
(6) - انظره في صحيح البخاري (5189)
(7) - انظره في مسند أحمد ( 25986) حسن لغيره
(8) - الشمائل المحمدية (338 ) صحيح
(9) - صحيح البخارى (1605 )
(10) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 12 / ص 369) (33756) صحيح
(11) - كما في صحيح البخارى ( 2680 ) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا » .
(12) - مسند أحمد (638) حسن
السكة: حديدة منقوشة تضرب عليها الدراهم يريد هل ألتزم بما أمرت به ؟