فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 522

42 -ومن عباراتهم في الجرح: قياس المجروح بالمجروح .

من مسالك نقاد النقلة أن يستدل لبيان حال الراوي بقياسه براو هو أظهر في حاله ، فإذا أردت الوقوف على قدر الجرح في مراد الناقد لزمك النظر في رأيه في المقيس عليه ، فإذا لم تجد له فيه نصًا مفسرًا ، نظرت تفسيره في كلام غيره من النُّقَّاد ، ومن أمثلته:

قول أحمد بن حنبل في ( مطر بن طهمان الورَّاق ) :"كان يحيى بن سعيد ( يعني القطان ) يشبه مطر الورَّاق بابن أبي ليلى"يعني في سوء الحفظ [1] .

ويبيِّن هذا قول أحمد بن حنبل في ( ابن أبي ليلى ) :"كان سيئ الحفظ ، مضطرب الحديث ، وكان فقه ابن أبي ليلى أحبَّ إلينا من حديثه ، حديثه فيه اضطراب" [2] .

ومن مثاله أيضًا: قول أحمد في ( سليمان بن داود الشَّاذ كونيِّ ) :"هو من نحو عبد الله بن سلمة الأفطس"، لكن هذا فسَّره أبو بكر الأثرم بقوله: يعني الكذب [3] .

قلت: وليس كما قال ، ولم يكن ذلك وجه المشابهة ، وذلك أنك إذا عدت إلى النظر في حال ( الأفطس ) في رأي أحمد وغيره لم تجد أحدًا اتَّهمه بالكذب ، إنما كان متروكًا عند أحمد وغيره لأمر آخر ، هو سوء الخلق ، قال أحمد:"كان سيئ الخلق ، وتركنا حديثه وتركه الناس" [4] ، وكانت بينه وبين يحيى بن سعيد القطَّان خصومة ، فتحدى يحيى وتكلم فيه يحيى ، وعلى قاعدة ترك الكلام في الأقران إذا علم أن الشُّبهة قامت دون اعتبار ذلك الجرح ، فاعتماد قول يحيى فيه محل نظر .

فالرجل لم يترك في التحقيق من أجل كذب ، إلا ما يوحيه بعض قول يحيى فيه ، وهو قابل للتأويل أيضًا ، إنما الأمر كما قال أحمد:"كان خبيث اللسان" [5] ، وقال أبو زرعة الرازي:"صدوق ، ولكنه كان يتكلم في عبد الواحد بن زياد ويحيى القطان" [6] ، وقال أيضًا:"إنما قيل فيه من أجل لسانه" [7] .

وعلى هذا فتفسير أبي بكر الأثرم لقياس أحمد للشَّاذ كونيِّ على الأفطس بأنه في الكذب ، تفسير غير مسلِّم ، وإنما ينبغي حمله على موضع اتفاق بين الرجلين ، والذي كان في الشَّاذ كونِّي مما يشبه ما كان في الأفطس هو سوء خلق ذكر به الشَّاذ كونِّي أيضًا ، أما الكذب فابن الشَّاذ كونيِّ أظهر فيه من أن يقاس بالأفطس .

وقال أبو حاتم الرازي فيه"عبد العزيز بن حصين بن الترجمان المروزي":"ليس بقوي ، منكر الحديث،وهو في الضعف مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" [8] .

وقد قال أبو حاتم في ( ابن أسلم ) :"ليس بقوي في الحديث ، كان في نفسه صالحًا ، وفي الحديث واهيًا ، ضعفه علي بن المديني جدًا" [9] .

فعبد العزيز عند أبي حاتم واهي الحديث ضعيف جدًا كذلك .

وقال أبو حاتم في ( عقبة بن علقمة أبي الجنوب اليشكري ) :"ضعيف الحديث ، وهو مثل أصبغ بن نُباتة وأبي سعيد عقيصًا متقاربين في الضعف ، ولا يشتغل بهم" [10] .

وقال في ( أصبغ ) :"لين الحديث"قال ابنه: وعقيصا ؟ فقال:"بابتهم ، غير أن أصبغ أشبه" [11] .

ولم ينقل ابنه عنه في ( عقيصا ) شيئًا ، فإذا وازنت أمر الثلاثة في رأي أبي حاتم وجدت رأيه لم يبلغ بهم الترك وإن كان قال:"لا يشتغل بهم"، فهذه العبارة ليست صريحة في الترك ، لذلك تجد عبارة أبي حاتم بين ( ضعيف الحديث ) و ( لين الحديث ) ، وقوله:"أصبغ أشبه"كأنه يقول: في حديثه ما قد يعتبر به .

وحاصل هذا النوع من ألفاظ الجرح: اللِّحاق بألفاظ الجرح المجمل ، حتى يوقف على معناه بالتَّتبُّع والنظر والتَّحري .اهـ باختصار وتصرف

البابُ الرابع

الرواية وآدابها وكيفية ضبطها

وفيه فصلان:

الفصلُ الأولُ ... -كيفية ضبط الراوية وطرق تحملها وغريبُ الحديث

الفصلُ الثاني ... -آدابُ الرواية

الفصلُ الأولُ

كيفية ضبط الراوية وطرق تحملها [12]

المبحث الأول كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه.

المبحث الثاني: طرق التحمل وصيغ الأداء.

المبحث الثالث: كتابة الحديث وضبطه والتصنيف فيه.

المبحث الرابع: صفة رواية الحديث.

المبحثُ الأولُ

كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [13]

1-تمهيدٌ:

المراد"بكيفية سماع الحديث"بيان ما ينبغي وما يشترط فيمن يريد سماع الحديث من الشيوخ سماع رواية وتحمل ،ليؤديه فيما بعد لغيره ،وذلك مثل اشتراط سِنٍّ معينة وجوبًا أو استحباباًِ .

والمراد"بتَحَمُّلِهِ"بيان طرق أخذه وتلقيه عن الشيوخ والمراد"ببيان ضبطه"أي كيف يضبط الطالب ما تلقاه من الحديث ضبطًا يؤهله لأن يرويه لغيره على شكل يُطْمَأنُّ إليه .

وقد اعتنى علماء المصطلح بهذا النوع من علوم الحديث، ووضعوا له القواعد والضوابط والشروط بشكل دقيق رائع. وميزوا بين طرق تحمل الحديث ، وجعلوها على مراتب ، بعضها أقوى من بعض ، وذلك تأكيدًا منهم للعناية بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحسن انتقاله من شخص إلى شخص ، كي يطمئن المسلم في طريقة وصول الحديث النبوي إليه ، ويوقن أن هذه الطريقة في منتهى السلامة والدقة .

2-هل يُشْترَطُ لتحمل الحديث الإسلام والبلوغ ؟

لا يشترط لتحمل الحديث الإسلام والبلوغ على الصحيح لكن يشترط ذلك للأداء [14] ـ كما مر بنا في شروط الراوي ـ وبناء علىذلك تُقبل رِوَاية المُسْلم البالغ, ما تحمَّله قبلهما في حال الكُفر والصِّبا.

ومنع الثَّاني أي قَبُول رِوَاية ما تحمَّله في الصِّبا قومٌ فأخطؤوا لأنَّ النَّاس قبلُوا رِوَاية أحْدَاث الصَّحَابة, كالحسن, والحُسَين, وعبد الله بن الزُّبير, وابن عبَّاس, والنُّعمان بن بَشِير, والسَّائب بن يزيد, والمِسْور بن مَخْرمة, وغيرهم, من غير فَرْق بين ما تحمَّلوه قبل البُلوغ وبعده.

وكذلك كان أهل العلم يُحضُرون الصِّبيان مَجَالس الحديث, ويعتدُّون بروايتهم بعد البلوغ.

ومن أمْثلة ما تحمَّل في حال الكُفْر: عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ جَاءَ فِى أُسَارَى بَدْرٍ - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ . [15] . وكان جَاء في فِدَاء أسْرَى بَدْر قبل أن يُسْلم, وفي رِوَاية للبخاري عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِى قَلْبِى [16] ..

3-متى يُسْتَحَبُّ الابتداءُ بسماع الأحاديث؟

قال جَمَاعة من العُلماء: يُستحب أن يبتدىء بسَمَاع الحديث بعد ثلاثين سنة وعليه أهل الشَّام وقيل: بعد عشرين سنة, وعليه أهل الكُوفة.

قال الخطيب في الكفاية بَابُ مَا جَاءَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِ الصَّغِيرِ:

113 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَوِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ , ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ , يَقُولُ: لَقَدْ أَتَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَظِيمًا بِرِوَايَتِهِ عَنِ الْحَسَنِ , قِيلَ لِنُعَيْمٍ: لِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا"قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَلَّ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ عَلَى مَا بَلَغَنَا فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ , وَقَرِيبًا مِنْهُ , إِلَّا مَنْ جَاوَزَ حَدَّ الْبُلُوغِ وَصَارَ فِي عِدَادِ مَنْ يَصْلُحُ لِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَمُذَاكَرَتِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ . وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ لَمْ يَكُنِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ عِشْرِينَ سَنَةً , وَيَشْتَغِلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَبِالتَّعَبُّدِ . وَقَالَ قَوْمٌ: الْحَدُّ فِي السَّمَاعِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً , وَقَالَ غَيْرُهُمْ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ , وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: يَصِحُّ السَّمَاعُ لِمَنْ سِنُّهُ دُونَ ذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ عِنْدَنَا الصَّوَابُ ."

114 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ , ثنا نُعَيْمُ بْنُ يَعْقُوبَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَحْوَصِ , يَقُولُ:"كَانَ الشَّابُّ يَتَعَبَّدُ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ يَطْلُبُ الشَّيْءَ مِنَ الْحَدِيثِ"

115 أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , ثنا أَبُو الْحُسَيْنِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خُشْنَامٍ , ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْمَحَامِلِيُّ , ثنا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ , يَقُولُ:"كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الْحَدِيثَ تَعَبَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً"

116 أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ زَحْرٍ الْبَصْرِيُّ , فِي كِتَابِهِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْآجُرِّيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ الْأَشْعَثِ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِوَكِيعٍ:"بَاكَرْتَ الْعِلْمَ , وَكَانَ لِوَكِيعٍ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً"

117 أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُؤَدِّبُ , ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيُّ , أنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ شُيُوخِنَا , أَنَّهُ قِيلَ لِمُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ: كَيْفَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ؟ قَالَ:"كَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يُخْرِجُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ صِغَارًا حَتَّى يَسْتَكْمِلُوا عِشْرِينَ سَنَةً"

118 قَالَ ابْنُ خَلَّادٍ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا طَالِبِ بْنِ نَصْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَكْتُبُونَ لِعَشْرِ سِنِينَ , وَأَهْلُ الْكُوفَةِ لِعِشْرِينَ , وَأَهْلُ الشَّامِ لِثَلَاثِينَ , قَالَ ابْنُ خَلَّادٍ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: يُسْتَحَبُّ كَتْبُ الْحَدِيثِ فِي الْعِشْرِينَ , لِأَنَّهَا مُجْتَمَعُ الْعَقْلِ , قَالَ: وَأُحِبُّ أَنْ يَشْتَغِلَ دُونَهَا بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَالْفَرَائِضِ""

قال الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ حَفِظَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَادِيثَ وَكَانَ يَقُولُ: كُنْتُ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - [17] , وَلَوْ كَانَ السَّمَاعُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْعِشْرِينَ لَسَقَطَتْ رِوَايَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سِوَى مَنْ هُوَ فِي عِدَادِ الصَّحَابَةِ , مِمَّنْ حَفِظَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصِّغَرِ , فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ , وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ , وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ , وَأَبُو الطُّفَيْلِ الْكِتَانِيُّ , وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ , وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ , وَرَوَى مَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَكَانَ لَهُ حِينَ قُبِضَ عَشَرُ سِنِينَ [18] , وَقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً , وَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ , وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ [19] , وَرَوَتْ عَنْهُ مَا حَفِظَتْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ , وَرَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ: ادْنُ يَا غُلَامُ وَسَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ مِمَّا يَلِيكَ" [20] , وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا صَغِيرًا , فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأْسِي وَدَعَا لِي [21] ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: كُنْتُ غُلَامًا أَلْعَبُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ سَفَرٍ فَاسْتَقْبَلْتُهُ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ" [22] . وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُوسُفَ , وَأَقْعَدَنِي فِي حِجْرِهِ وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي" [23] . وَمِمَّنْ كَثُرَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكَانَ سَمَاعُهُ فِي الصِّغَرِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ". وَكَانَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ يَذْكُرُ أَنَّهُ عَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي وَجْهِهِ مِنْ دَلْوٍ كَانَ مُعَلَّقًا فِي دَارِهِمْ , وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَهُ خَمْسُ سِنِينَ" [24]

والصَّواب في هذه الأزْمَان بعد أن صَارَ الملحوظ إبقاء سلسلة الإسْنَاد التَّبْكير به أي بالسَّماع من حين يصح سماعه أي الصَّغير وبِكَتبه أي الحديث وتَقْييده وضبطهُ حين يتأهَّل له ويستعد و ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ولا ينحصر في سِنٍ مخصوص.

ونقل القَاضي عِيَاض [25] : أنَّ أهل الصَّنعة حدَّدوا أوَّل زمن يصحُّ فيه السَّماع للصغير بخمس سنين ونسبه غيره للجمهور.

وقال ابن الصَّلاح [26] وعلى هذا استقرَّ العمل بين أهل الحديث, فيكتبون لابن خمس فصَاعدًا سمع - وإن لم يبلغ خَمْسًا - حضر أو أُحضر.

وحُجَّتهم في ذلك ما رواه البُخَاري عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مَجَّةً مَجَّهَا فِى وَجْهِى وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ . [27] . بوَّب عليه البخاري: مَتَى يصح سَمَاع الصَّغير؟

والصَّوَابُ اعْتِبَارُ التَّمييزِ، فَإنْ فَهِمَ الخِطَابَ, وَرَدَّ الجَوَابَ, كانَ مُميَّزًا صَحِيحَ السَّماعِ، وإلاَّ فَلا، وَرُوِيَ نحو هذا عَنْ مُوسى بن هارُونَ، وأحمَدَ بن حَنْبل.

قال المُصنِّف كابن الصَّلاح [28] : والصَّواب اعتبار التَّمييز، فإن فهم الخِطَاب، وردَّ الجَوَاب, كان مُميزًا صحيح السَّماع وإن لم ييلغ خمسًا وإلاَّ فلا وإن كان ابن خمس فأكثر، ولا يلزم من عقل محمود المَجَّة في هذا السِّن, أنَّ تمييز غيره مثل تمييزه، بَلْ قد يَنْقُص عنهُ, وقد يزيد، ولا يلزم منهُ أن لا يعقل مثل ذلك, وسنُّه أقلُّ من ذلك، ولا يلزم من عقل المَجَّة, عقل غيرها ممَّا يسمعه.

وقال القَسْطلاني في كتاب «المنهج» : ما اختارهُ ابن الصَّلاح هو التَّحقيق، والمَذْهب الصَّحيح.

وروي نحو هذا وهو اعتبار التمييز عن موسى بن هارون الحمَّال أحد الحُفَّاظ وأحمد بن حنبل أمَّا موسى فإنَّه سُئل مَتَى يسمع الصَّبي الحديث؟ فقال: إذا فرَّق بين البقرة والحمار [29] .

وأمَّا أحمد فإنَّه سُئل عن ذلك, فقال: إِذا عقل وضبط، فذكر له عن رجل أنَّه قال: لا يَجُوز سماعه حتَّى يَكُون له خمس عشرة سنة, لأنَّ رَسُول - صلى الله عليه وسلم - الله ردَّ البراء وابن عُمر، استصغرهما يوم بدر، فأنكر قوله هذا، وقال: بئس القول، فكيف يُصنع بسُفيان، ووكيع ونحوهما. أسندهما الخطيب في «الكفاية» [30] .

فالقولان راجعان إلى اعتبار التمييز، وليسَا بقولين في أصل المسألة، خلافًا للعراقي, حيث فهم ذلك، فحكى فيه أربعة أقوال، وكأنَّه أراد حِكَاية القول المذكُور لأحمد، وهو خمس عشرة سنة.

وقد حكاهُ الخطيب في «الكفاية» [31] عن قوم منهم: يحيى بن معين، وحكى عن آخرين, منهم: يزيد بن هارون ثلاث عشرة.

ومِمَّا قيل في ضابط التمييز: أن يُحسن العدد من واحد إلى عشرين، حكاهُ ابن المُلقن.

وفَرَّق السَّلفي بين العَرَبى والعجمي, فقال: أكثرهم على أنَّ العربي يصح سماعهُ إذا بلغ أربع سنين, لحديث محمود، والعجمي إذا بلغ ست سنين.

(1) - العلل ومعرفة الرجال ( النص: 852 ) .

(2) - الجرح والتعديل ( 3 / 2 / 323 ) .

(3) - الجرح والتعديل ( 2 / 1 / 115 ) .

(4) - العلل ومعرفة الرجال ( النص: 4545 ) .

(5) - العلل ومعرفة الرجال ( النص: 4546 ) .

(6) - أسئلة البرذعي لأبي زرعة ( 2 / 328 ) .

(7) - أسئلة البرذعي ( 2 / 487 ) .

(8) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 380 ) .

(9) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 233 - 234 ) .

(10) - الجرح والتعديل ( 3 / 1 / 313 ) .

(11) - الجرح والتعديل ( 1 / 1 / 320 ) .

(12) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 28)

(13) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 24) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 13) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 8) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 276) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 792) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 274) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 278) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 35) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 210)

(14) - التحمل: معناه تلقي الحديث وأخذه عن الشيوخ ،والأداء: رواية الحديث وإعطاؤه للطلاب

(15) - صحيح البخارى (3050 )

(16) - برقم (4023)

(17) - مسند أحمد (21697) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِىِّ - وَقَدْ أَدْرَكَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً - قَالَ حَدَّثَنِى أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِى كَانُوا يُفْتُونَ بِهَا فِى قَوْلِهُمُ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةٌ كَانَ أُرْخِصَ بِهَا فِى أَوَّلِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ أُمِرْنَا بِالاِغْتِسَالِ بَعْدَهَا. (صحيح)

(18) - عبد الرزاق (34559) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ ، قَالَ: وُلِدْتُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ ، وَقُبِضَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ. ( صحيح)

(19) - صحيح البخارى (3896) عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاَثِ سِنِينَ ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهْىَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهْىَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ .

(20) - صحيح البخارى (5376 ) حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِى أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلاَمًا فِى حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ فِى الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ » . فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِى بَعْدُ .

(21) - عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ ذَهَبَتْ بِى خَالَتِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِى ، وَقَعَ فَمَسَحَ رَأْسِى وَدَعَا لِى بِالْبَرَكَةِ ، وَتَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ . قَالَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحُجْلَةُ مِنْ حُجَلِ الْفَرَسِ الَّذِى بَيْنَ عَيْنَيْهِ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ"صحيح البخارى (3541 ) "

(22) - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّىَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ - قَالَ - وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِى إِلَيْهِ فَحَمَلَنِى بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جِىءَ بِأَحَدِ ابْنَىْ فَاطِمَةَ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ - قَالَ - فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلاَثَةً عَلَى دَابَّةٍ.صحيح مسلم (6421 )

(23) - عن يَحْيَى بْنِ أَبِى الْهَيْثَمِ قَالَ سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ يَقُولُ أَجْلَسَنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى حِجْرِهِ وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِى وَسَمَّانِى يُوسُفَ. مسند أحمد (16852) صحيح

(24) - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ"يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقِلَ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ دَلْوٍ مُعَلَّقٍ فِي دَرَاهِمْ"السنن الكبرى للنسائي (4745) صحيح

(25) - الإلماع ص 62-63

(26) - علوم الحديث ص 164

(27) - صحيح البخارى ( 77 ) المجة: اللفظة مج: لَفَظ ما في فمه

(28) - علوم الحديث ص 164 -165

(29) - الكفاية ص 188

(30) - الكفاية ص 113

(31) - الكفاية ص 114

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت