فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 522

ومِمَّا يدل على أنَّ المرجع إلى التمييز ما ذكرهُ الخطيب قال [1] : 155 سَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيَّ , يَقُولُ: حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَلِي خَمْسُ سِنِينَ , وَحُمِلْتُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِئِ لِأَسْمَعَ مِنْهُ وَلِي أَرْبَعُ سِنِينَ , فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: لَا تُسَمِّعُوا لَهُ فِيمَا قُرِئَ ، فَإِنَّهُ صَغِيرٌ , فَقَالَ لِي ابْنُ الْمُقْرِئِ: اقْرَأْ سُورَةَ الْكَافِرُونَ , فَقَرَأْتُهَا , فَقَالَ: اقْرَأْ سُورَةَ التَّكْوِيرِ , فَقَرَأْتُهَا , فَقَالَ لِي غَيْرُهُ: اقْرَأْ سُورَةَ وَالْمُرْسَلَاتِ فَقَرَأْتُهَا , وَلَمْ أَغْلَطْ فِيهَا , فَقَالَ ابْنُ الْمُقْرِئِ: سَمِّعُوا لَهُ وَالْعُهْدَةُ عَلَيَّ , ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ صَاحِبَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ أَحْمَدَ بْنَ الْفُرَاتِ يَقُولُ: أَتَعَجَّبُ مِنْ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ وَالْمُرْسَلَاتِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ وَلَا يَغْلَطُ فِيهَا , وَحَكَى أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ وَرَدَ أَصْبَهَانَ وَلَمْ تَكُنْ كُتُبُهُ مَعَهُ , فَأَمْلَى كَذَا وَكَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ فَلَمَّا وَصَلَتِ الْكُتُبُ إِلَيْهِ قُوبِلَتْ بِمَا أَمْلَى فَلَمْ يَخْتَلِفْ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ". [2] "

وهذا من أطرف ما يسمع في حفظ الصغير ونبوغه في كل الأمم، وإنه لدليل قاطع يثبت ما كانت عليه تلك المجتمعات الإسلامية من التنافس في تحصيل العلم سيما علوم الشريعة وعلى رأسها القرآن والحديث. حتى إن ذلك ليعتبر عندهم من الضرورة بالمنزلة التي تفوق كل شيء.

وهكذا على قبس من علوم الشريعة، وعلى هدي من نبراسها انطلقوا في شتى ميادين العلم، فسبقوا أمم الأرض، وكانوا رواد الحضارة: فابن رشد الحفيد إمام في الفلسفة والعلوم وفي الفقه والاجتهاد، وابن النفيس علامة مخترع في البصريات، وفقيه شافعي معتبر، ذكره السبكي في طبقات الشافعية، وهكذا غيرهم كثير، تحدثنا أخبارهم بالنبأ اليقين عن النهضة العلمية الشاملة في ظل الحضارة الإسلامية. [3]

ـــــــــــــــ

(1) - الكفاية ص 117

(2) - انظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 277)

(3) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 213)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت