القسم الثالث: كتب يذكر فيها الثقات فقط، فهم يذكرون تعديل الرواة، فلا يذكر فيها إلا الثقات في نظر المؤلف، ومن أشهر تلك الكتب هي:
الأول
"كتاب الثقات"للعجلي (261)
العِجْلِيُّ أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ صَالِحٍ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، الأَوحدُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ صَالِحِ بنِ مُسْلِمٍ العِجْلِيُّ، الكُوْفِيُّ، نَزيلُ مَدينَةِ أَطرَابلسَ المَغْرِبِ، وَهِيَ أَوّلُ مَدَائِنِ المَغْرِبِ، بَينَهَا وَبَيْنَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَسِيْرَةُ شَهرٍ، ثُمَّ مِنْهَا يَسِيرُ غَربًا إِلَى مَدِيْنَةِ تُونُسَ الَّتِي هِيَ اليَوْمَ قَاعِدَةُ إِقْلِيمِ إِفْرِيْقِيَةَ.
مَوْلِدُهُ: بِالْكُوْفَةِ، فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَمائَةٍ.
سَمِعَ مِنْ: حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ، وَشَبَابَةَ بنِ سَوَّارٍ، وَأَبِي دَاوُدَ الحَفَرِيِّ، وَيَعْلَى بنِ عُبَيْدٍ، وَأَخِيْهِ؛ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ يُوْسُفَ الفِرْيَابِيِّ، وَوَالِدِهِ؛ الإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بنِ صَالِحٍ المُقْرِئِ، وَعَفَّانَ، وَطَبَقَتِهِم.
حَدَّثَ عَنْهُ: وَلَدُهُ؛ صَالِحُ بنُ أَحْمَدَ، وَسَعِيْدُ بنُ عُثْمَانَ الأَعْنَاقِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ فُطَيْسٍ، وَعُثْمَانُ بنُ حَدِيْدٍ الإِلْبِيْرِيُّ، وَسَعِيْدُ بنُ إِسْحَاقَ.
وَلَهُ مُصَنَّفٌ مُفِيدٌ فِي (الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ) ، طَالَعْتُهُ، وَعلَّقتُ مِنْهُ فَوائِدَ تَدُلُّ عَلَى تَبحُّرِهِ بِالصَّنعَةِ وَسَعَةِ حِفْظِهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ لِعَبَّاسِ بنِ مُحَمَّدٍ الدُّوْرِيِّ، فَقَالَ: ذَلِكَ كُنَّا نَعُدُّه مِثْلَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ فَرَّ إِلَى المَغْرِبِ لَمَّا ظَهرَ الامْتِحَانُ بِخَلْقِ القُرْآنِ، فَاسْتَوطَنَهَا، وَوُلِدَ لَهُ بِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَمْ يَكُنْ لأَبِي الحَسَنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ عِنْدَنَا بِالمَغْرِبِ شَبِيهٌ وَلاَ نَظِيرٌ فِي زَمَانِهِ فِي مَعْرِفَةِ الغَرِيْبِ وَإِتقَانِه، وَفِي زُهْدِه وَوَرَعِه.
وَقَالَ المُؤَرِّخُ العَالِمُ أَبُو العَرَبِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ تَمِيْمٍ القَيْرَوَانِيُّ: سَأَلْتُ مَالِكَ بنَ عِيْسَى العفصيَّ الحَافِظَ: مَنْ أَعلَمُ مَنْ رَأَيْتَ بِالحَدِيْثِ؟
قَالَ: أَمَّا فِي الشُّيُوْخِ فَأَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ العِجْلِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ غَانِمٍ الحَافِظُ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ مُعتبٍ - مَغربِيٌّ ثِقَةٌ - يَقُوْلُ:
سُئِلَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ عَنْ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ صَالِحٍ، فَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ ابْنُ ثِقَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا سَكَنَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بِأَطرَابلسَ لِلتَفَرُّدِ وَالعِبَادَةِ، وَقَبرُهُ هُنَاكَ عَلَى السَّاحِلِ، وَقَبرُ وَلدِه صَالِحٍ إِلَى جَنْبِهِ.)
وَقَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: رحلتُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، فَمَاتَ قَبْلَ قُدُوْمِي البَصْرَةَ بِيَوْمٍ.
مَاتَ أَحْمَدُ: سنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَمَاتَ ابْنُه صَالِحٌ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. [1]
منهج الإمام العجلي من حيث التراجم وذكره للرواة فكما يلى:
-إنه يذكر اسم الرجل واسم أبيه وكنيته ونسبته إلى البلد أو إلى القبيلة، ويبين إن كان منهم أو من مواليهم، وقد يهمل ذكر الوالد لا سيما إذا كان اسمه مختلفا فيه.
وقليلا ما يذكر الأساتذة والتلامذة.
-يذكر طبقة الراوي: إن كان صحابيا بينه، وإن كان تابعيا بينه، ومن كان بعدهم فهو من عامة المسلمين.
ومن كان من التابعين فمن بعدهم فيذكر درجتهم من حيث الثقة والضعف.
-يحرص على ذكر بلد الراوي في أغلب التراجم حتى في الجزء الذي هو مرتب على البلدان فيقول: مدني تابعي ثقة، أو كوفي تابعي ثقة، أو بصري ثقة، أو حجازي ثقة، وهكذا.
-يذكر الرجل فيذكر معه أباه أو أخاه.
فمثلا لما ذكر مطرف بن عبد الله بن الشخير قال:"بصري تابعي ثقة، وكان من كبار التابعين رجل صالح."
وأبوه من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخوه يزيد بن عبد الله بن الشخير، بصري ثقة، وأخوه هانئ، بصري ثقة". ومثل هذا كثير."
-قد يذكر الرجل وإخوانه في سياق واحد. مثلا: عمارة بن عبد وسليم بن عبد ورزين بن عبد، كوفيون سلوليون ثقات.
-قد يذكر الأخوين ويقارن بينهما من حيث الضبط أو العبادة أو كثرة الرواية وقلتها، فمثلا: ربيع بن أبي راشد، ثقة ثبت صالح .. وأخوه جامع بن أبى راشد، وكان ثقة ثبتا، إلا أن ربيعا أرفع منه في العبادة، وهما في عداد الشيوخ وليس حديثهما بكثير.
-يذكر الرجل وأولاده ويقارن بينهم من حيث السِّن والفضل، فمثلا ذكر سعيد بن مسروق الثوري فأتبعه بذكر ابنه سفيان بن سعيد وعمرو بن سعيد، وقارن بينهما.
ومبارك بن سعيد وهو أصغرهم.
-بعد ذكر اسم الرجل وبلده ومنزلته يذكر مذهبه في كثير من الأحيان، ويذكر أعماله إن كان قاضيا أو كان على الشرط أو غير ذلك.
-يذكر كثيرا من الروايات والحكايات في المناقب والأخبار والنكت والطرائف وغيرها.
-تتصف التراجم بالوضوح والإيجاز والبت، فقد لا تزيد الترجمة على بضع كلمات.
التكرار في بعض التراجم: تكررت بعض التراجم مرتين أو ثلاث مرات، وقد حصل منه أيضا شيء من الإشكال والحيرة عند المرتبين، والمستفيدين في تحديد الرجل الذي يقصده العجلي، لأنه قليلا ما يذكر شيوخ الرجل والرواة عنه وكثيرا ما تتشابه الأسماء في طبقة واحدة، فقد يتكرر ذكر الرجل فيظن القارئ أنهما رجلان، وقد يكونان رجلين فعلا يتفقان في الاسم واسم الأب فيتوهم القارئ أنهما واحد تكرر مرتين فأكثر.
وقد وقع في هذا الإشكال كلٌّ من السبكي والهيثمي وابن حجرالعسقلاني
الإمام العجلي ومنهجه في الجرح والتعديل:
العجلى الناقد: والنقد - وإن شئت فسمِّه الجرح والتعديل، أو التمييز أو معرفة الرجال - هو أهم العلوم التي اشتهر بها الإمام العجلي.
وكما سبق أن ذكرت أن الإمام العجلي كانت لديه ثروة هائلة من الأحاديث، ولما كان جمع الروايات والمقارنة بينها من أهم طرق معرفة الثقة الضابط من الضعيف الواهم.
فإن الإمام العجلي استعمل ثروته الحديثية في هذا المجال.
وفيه تظهر براعة العجلي ومهارته، حتى شهد له أئمة هذا الشأن بطول الباع وسعة الاطلاع، كما سبق عن الذهبي وغيره.
ولما كان الإمام العجلي لم يصرح بشيء من منهجه وأسلوبه في الجرح والتعديل، فلم يكن لدينا سبيل سوى الاستقراء والتتبع لكتابه لمعرفة منهجه ومرئياته في بعض الأمور المتعلقة بهذا الفن.
طبقات الرواة:
لقد رتب كثير من المحدثين والمؤرخين كتبهم على الطبقات مراعين في ذلك الفضل والسبق في الإسلام، والتقدم الزمني من حيث الوفيات أو العلو في الأسانيد، أي الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين.
ولكن لم يكن هناك مفهوم محدد للطبقات من حيث الفترة الزمنية، ولذلك رتب كل مصنِّف كتابه وحدد طبقاته حسب اجتهاده.
فالذهبي مثلا رتب كتابه تذكرة الحفاظ على إحدى وعشرين طبقة من عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى عصره، وابن حجر في التقريب وزع رجال الكتب الستة على اثنتي عشرة طبقة.
إلا أن التقسيم العام للطبقات عند كثير منهم هو الصحابة فالتابعون فأتباع التابعين، بغض النظر عن التفاضل الذي يوجد فيما بينهم، كما فعل ابن حبان في الثقات ومشاهير علماء الأمصار وغيره.
والإمام العجلي لم يرتب كتابه على الطبقات، ولكنه مع ذلك يحرص على إظهار فضل الصحابة والتابعين، فينصُّ في ترجمة الصحابي على أنه من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وينصُّ في التابعي بأنه تابعي، وقد يميز بينهم فيقول: من كبار التابعين أو خيار التابعين، وأما من بعدهم فيكتفي ببيان مرتبتهم من حيث الجرح والتعديل، وعلى هذا يمكن أن نوزع التراجم الموجودة في الكتاب على أربع طبقات وهى:
1 -الصحابة.
2 -كبار التابعين.
3 -التابعون.
4 -أتباع التابعين فمن بعدهم.
موقفه من تعريف الصحابي:
إن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم فضل كبير ومرتبة عظيمة، فهم حملة الرسالة الإسلامية وبهم انتشر الإسلام في سائر أنحاء الأرض، وقد بذلوا أنفسهم ونفيسهم وقاتلوا وجاهدوا وأنفقوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله تعالى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده.
ولذلك اتفقت الأمة من أهل السنَّة والجماعة على أن الصحابة كلهم عدول، ولم يخالفهم في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.
قال الخطيب البغدادي: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن.
وبعد اتفاق أهل السنَّة والجماعة على عدالة الصحابة وفضلهم تعددت تعبيرات العلماء فيمن هو الصحابي؟ لأن الصحبة تطلق على الكثير والقليل.
ولكن الذي اتفق عليه جمهور أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين: هو أن الصحابي من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا به ومات على الإسلام"."
فيدخل فيه من لقيه من المسلمين ممن طالت مجالسته أو قصرت، روى عنه أو لم يرو، غزا معه أو لم يغز، من رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.
ويدخل في هذا العموم الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ورأوه في حال الطفولة.
فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على إحضار أولادهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم. فعَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ وُلِدَ لِى غُلاَمٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَىَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِى مُوسَى. [2]
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ وَضَعَتْهُ، وَطَلَبُوا تَمْرَةً حَتَّى وَجَدُوهَا فَحَنَّكَهُ بِهَا، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - [3] .
وعَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُم" [4] ."
ومثل هؤلاء يدخلون في شرف الصحبة مع فرق المراتب.
قال ابن حجر:"لا خفاء برجحان مرتبة من لازمه - صلى الله عليه وسلم - وقاتل معه أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه أو لم يحضر معه مشهدا وعلى من كلمه يسيرا أو ماشاه قليلا أو رآه على بعد أو في حال الطفولة، وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع."
ومن ليس له منهم سماعٌ منه، فحديثه مرسل من حيث الرواية وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوا من شرف الرؤية.
والذي يظهر من صنيع الإمام العجلي أنه مع الذين لا يعتبرون الرؤية في الصغر كافية لإثبات الصحبة بل يتشددون في ذلك.
فكثيرا ما نرى ناسا اختلف العلماء في صحبتهم، ويأتي العجلي فيبتُّ بكونهم تابعين.
وهكذا الأمر فيمن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صغره فالعجلي يجزم بكونهم تابعين.
وعلى سبيل المثال: محمود بن الربيع الأنصاري الذى ثبت في الصحيح عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مَجَّةً مَجَّهَا فِى وَجْهِى وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ [5] . .
وقال ابن حجر في التقريب:"صحابي صغير وجلُّ روايته عن الصحابة".
وقال العجلى:"مدني تابعي ثقة، من كبار التابعين"وهكذا.
بل قد يظهر من صنيع العجلي أنه يشترط البلوغ لإثبات الصحبة.
فعلى الرغم من أنه ينصُّ في ترجمة عبد الله بن الزبير على أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في ترجمة زينب بنت أبي سلمة بأنها"تابعية مدنية ثقة"وزينب هذه ربيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبنت أم المؤمنن أم سلمة رضي الله عنها، وقيل: إنها ولدت في أرض الحبشة وتزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمها وهي ترضعها، وقد تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، وهذا يعني أن عمر زينب عند وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من سبع سنين، ولم يذكرها العلائي في جامع التحصيل.
وقد علق الهيثمي على قول العجلي"هي ربيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروت عنه".
وقال ابن حجر في الإصابة:"ذكرها العجلي في ثقات التابعين، كأنه كان يشترط للصحبة البلوغ".
وعبد الله بن عياش بن أبى ربيعة المخزومي، قال ابن حجر: صحابي شهير ولد بأرض الحبشة، إذ هاجر أبوه إليها، وقال ابن حبان: أدرك من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثماني سنين، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة.
وكأني بالأئمة رحمهم الله أنهم نظروا إلى القضية من زاويتين:
فمن اعتبر شرف اللقاء والرؤية ولو كانت في الصغر أو كانت بدون سماع أثبت لهم الصحبة، لأنهم قد حصل لهم من الفضل ما لم يحصل لمن بعدهم.
ومن لاحظ جانب الرواية ورأى أنهم لم يسمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو لم يحفظوا عنه فروايتهم مرسلة، لم يعدَّهم من الصحابة.
فمنهم من اكتفى بنفي الصحبة وإثبات الرؤية، ومنهم من جزم بإطلاق القول عليهم بأنهم تابعون.
ومنهم العجلي رحمه الله، كما ظهر من بعض الأمثلة التي سقتها وغيرها كثير في الكتاب.
ولما كان الصحابة كلهم عدول عند جمهور الأمة، فإنه لا يسأل عنهم ولا تستعمل فيهم كلمات التعديل والتوثيق كغيرهم من الرواة، فإنهم معدلون بتعديل الله ورسوله، ولذلك فالإمام العجلي يكتفي في ذكرهم بأنهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأحيانا يذكر شيئا من مناقبهم.
فمثلا في باب السين قال:"سعد بن عبيد الأنصاري، مدني من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، قتل يوم القادسية".
وبعده بترجمة واحدة ذكر سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه، فذكر نسبه ثم قال:"شهد بدرا، ويكنَّى أبا إسحاق، جمع له النبي - صلى الله عليه وسلم - أبويه رضي الله عنه."
وكان أول من رمَى بسهم في سبيل الله، وافتتح القادسية واختط الكوفة وكان أميرا عليها"."
كبارُ التابعين:
وكثيرا ما يستعمل الإمام العجلي هذا الوصف في أقواله، ولكنه لم يذكر الفارق الأساسي الذى يميز به بين كبار التابعين وصغارهم.
والمعروف في كتب هذا الفن أن كبار التابعين هم الذين رووا عن كبار الصحابة.
وكثيرا ما يذكر الإمام العجلي في كبار التابعين، الأطفال والصغار الذين رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صغرهم قبل أن يبلغوا سن التمييز، أو قبل سن البلوغ أو رأوه كبارا لكن لم يسمعوا منه، أو ممن ولدوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والغالب أنهم حملوا إليه - صلى الله عليه وسلم - في صغرهم على عادة الصحابة.
فمثلا عاصم بن عمر بن الخطاب، ولد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال العجلى: لم يكن له صحبة، مدني تابعي ثقة، من كبار التابعين.
وأبو الطفيل عامر بن واثلة: قال العجلي: مكي ثقة، وكان من كبار التابعين.
والأمثلة على هذا كثيرة.
وأحيانًا يذكر العجلي أمثال هؤلاء دون أن يصفهم بأنهم من كبار التابعين.
فمثلا: جارية بن قدامة التميمي، قال ابن حجر فيه: صحابي على الصحيح.
قال العجلي: بصري تابعي ثقة.
وجعدة بن هبيرة المخزومي، قال فيه ابن حجر: صحابي صغير له رؤية.
وقال العجلى: تابعي مدني ثقة.
وأمثلة هذا أيضا كثيرة في الكتاب.
وبعد كبار التابعين تأتي طبقة متوسطي التابعين وصغارهم، ولكن العجلي لا يفرق بينهم.
أمَّا من كان من أتباع التابعين أو بعدهم، فلا يذكر العجلي شيئا عن طبقاتهم، بل يكتفي ببيان مرتبتهم من حيث العدالة والجرح، إلا إذا كان بمناسبة.
فمثلا سئل في ترجمة مطر بن طهمان هل هو تابع أم لا؟ فقال: لا.
المخضرمون:"وهم الذين أدركوا الجاهلية قبل البعثة، أو بعدها صغارا كانوا أو كبارا، في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن لم يره بعد البعثة أو رآه، لكن غير مسلم وأسلم في حياته أو بعده".بل يعتبرون من كبار التابعين.
والإمام العجلى لم يستعمل كلمة (مخضرم) في كتابه، ولكنه استعمل كلمة (جاهلي) في عدة تراجم.
كالأسود بن هلال المحاربي قال فيه:"ثقة وكان جاهليا من أصحاب عبد الله، وكان رجلا صالحا"والأسود بن يزيد:"كوفي تابعي ثقة جاهلي"، وشقيق بن سلمة:"رجل صالح جاهلي"وهكذا سويد بن غفلة وعبد الله بن عكيم الجهني وقال فيه:"كوفي جاهلي"وهكذا سويد بن غفلة وعبد الله بن عكيم الجهنى وقال فيه:"كوفي جاهلي أسلم قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع من عمر"ومثل هذا:"عبيدة السلماني، كوفي تابعي ثقة جاهلي أسلم قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -".
وأبو رجاء العطاردي:"بصرى تابعي ثقة وكان جاهليا".
وقد تتبعت تراجم هؤلاء فوجدتهم كلهم أسلموا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن لم يتمكنوا من رؤيته إلا الأسود بن هلال المحاربي، فقد هاجر زمن عمر، ولكن لم أعرف متَى كان إسلامه.
ويبدو لي - والله أعلم - أن مفهوم كلمة (جاهلي) عند العجلي يقارب مفهوم كلمة (مخضرم) عند الآخرين.
ولكنه لا يدخل فيهم إلا من أسلم في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وكان ما ذكره في ترجمة عبد الله بن عكيم وعبيدة السلمانى"أسلم قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -"هو تفسير لكلمة (جاهلي) عنده.
ولكنه في ترجمة أويس القرني ذكر أنه من كبار التابعين وعبادهم، ولم يذكر أنه (جاهلي) مع أن المشهور أن أويس القرني أسلم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ألفاظ الجرح والتعديل في كتابه:
ثقة ثبت في الحديث حسن الحديث.
ثقة ثبت مأمون.
ثقة مأمون.
ثقة ثقة ثقة رفيع.
ثقة رجل صدق.
ثقة من خيار الناس.
ثبت في الحديث.
ثبت نقي الحديث.
ثقة.
ثقة لا بأس به.
ثقة حسن الحديث.
صدوق.
صدوق ثقة.
صدوق جائز الحديث.
حسن الحديث.
لا بأس به.
جائز الحديث لا بأس به.
جائز الحديث حسن الحديث.
جائز الحديث.
شيخ صدوق.
جائز الحديث وليس بالقوى في عداد الشيوخ.
جائز الحديث لا بأس به يكتب حديثه.
لا بأس به يكتب حديثه.
صويلح لا بأس به.
ثقة كان لا يتهم بالكذب.
لا بأس به يكتب حديثه.
ليس بالقوى.
ضعيف الحديث.
ضعيف الحديث وهو يكتب حديثه.
ضعيف الحديث وهو صدوق.
يكتب حديثه وهو ضعيف الحديث.
ضعيف
جائز الحديث يكتب حديثه.
الناس يضعفونه.
ضعيف الحديث يكتب حديثه وفيه ضعف.
ليس بحجة.
ضعيف الحديث ليس بشيء.
ليس بشيء.
مجهول.
مجهول بالنقل.
لا يقيم الحديث حديثه يدلك على ضعفه.
واهي الحديث.
لا يكتب حديثه.
ضعيف الحديث متروك.
متروك الحديث.
السكوت على بعض التراجم:
هناك عدد قليل جدا من الرواة الذين ورد ذكرهم في الكتاب دون أن يصفهم العجلي بأي كلمة من كلمات الجرح والتعديل.
ولا أدري هل هذا السكوت بسبب ورود ذكرهم استطرادا بمناسبة أو أخرى أو أن العجلي لم يجزم برأي فيهم.
ومنهم: إبراهيم السعدي، أشعث بن عبد الملك. عمار بن معاوية الدهني، وغيرهم.
تعدد أقواله في بعض التراجم:
تتصف أقوال العجلي في الجرح والتعديل بالوضوح والإيجاز، ولا يوجد فيها تعارض أو تناقض.
ولكن تعددت أقواله في بعض التراجم وهي تقارب خمس عشرة ترجمة.
ويمكن الجمع بينها بكلِّ سهولة بحيث يكون أحد القولين تفسيرا للآخر.
فمثلا قال في ترجمة"إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق"ثقة. وقال مرة: جائز الحديث.
وإذا جمعنا بين قوليه يكون"ثقة جائز الحديث"وهذا يقارب قوله"لا بأس به"أو ما في معناه.
وهكذا في ترجمة أصبغ بن الفرج"لا بأس به"وفي موضع آخر"ثقة صاحب سنة"والأمر بين القولين قريب.
ومن هذا القبيل في عدة تراجم منها: الأجلح الكندي، وثوير بن أبي فاختة، عباد بن منصور الناجي، عطاء بن السائب بن زيد، علي بن زيد بن جدعان، علي بن مبارك، عمر بن عبيد الطنافسى، سيف بن سليمان، و يقال: ابن أبى سليمان،، محمد بن طلحة بن مصرف اليامي، مطر الوراق، الوليد بن شجاع، يوسف بن يونس ابن أبي إسحاق.
أوصاف ومميزات أخرى:
بعد تحديد مرتبة الراوي من حيث العدالة والضبط، هناك أوصاف أخرى يتميز بها الإنسان، كأن يكون من كبار الأئمة ذوي المكانة والفضل والصبر والجهاد في سبيل الله، أو يكون من الفقهاء والقضاة أو ممن اهتموا بالتمييز والتحقيق في الحديث، أو ممن اهتموا بالتفسير والقراءات، أو امتاز بالزهد والعبادة أو بالشعر والأدب، أو بالذكاء والفراسة أو غيرها من الأوصاف.
فحينذاك يأتي الإمام العجلي بكلمات تدلُّ على عظمته وفضله وأوصافه واهتماماته.
فعلى سبيل المثال قال في ترجمة الإمام أحمد: ثقة ثبت في الحديث، نزه النفس، فقيه في الحديث، متبع، يتبع الآثار، صاحب سنَّة وخبر.
وقال في ترجمة إبراهيم بن الزبرقان التميمي: كان ثقة راوية تفسير القرآن، حسن الحديث وكان صاحب سنَّة، وصاحب تفسير.
وقال في حفص بن غياث الكوفي: ثقة مأمون فقيه وكان على قضاء الكوفة.
وفي إسحاق بن منصور الأسدي: ثقة متعبد رجل صالح.
وفى شعبة بن الحجاج: ثبت نقي الحديث.
وفى يحيى بن سعيد القطان: بصري ثقة نقي الحديث.
والأمثلة على هذا كثيرة جدا.
وغالبا ما يأتي العجلي بروايات وأخبار تدلُّ على أوصاف ومميزات الرواة، وأخبار القضاة والحكماء والأمراء والزهاد وغيرهم.
ومثل هذه الحكايات لها قيمة تاريخية كبيرة، لا تخفى على أصحاب الفن.
البدع وأثرها في علم الجرح والتعديل وموقف الإمام العجلي تجاهها:
لقد اهتم المحدثون أشد الاهتمام بموضوع البدع وآثارها على السنَّة النبوية على صاحبها الصلاة والتسليم، وأخذوا جانب الحذر والاحتياط في الرواية عن أصحاب البدع والأهواء.
ولقد كانوا ينظرون إلى هذه القضية من زاويتين مهمتين:
(1) - وفي سير أعلام النبلاء (12/ 5065) فما بعد - 185 -
(2) - صحيح البخارى (5467)
(3) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 7 / ص 378) (23949) صحيح
(4) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 7 / ص 378) (23950) صحيح
(5) - صحيح البخارى (77) - المجة: اللفظة - مج: لَفَظ ما في فمه