فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 522

1 -أن كثيرا من أهل البدع لا يتورعون عن الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من أجل نشر وترويج عقائدهم الباطلة، ولا سيما الرافضة منهم، ومثل هؤلاء لا تجوز الرواية عنهم ولا كرامة، فقد سئل الإمام مالك عن الرافضة فقال: لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون.

وقال الإمام الشافعي: تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.

2 -هناك ناس من أهل البدع لم يجربْ عليهم الكذب، ولكن في الرواية عنهم رفع لمكانتهم وشأنهم - لاسيما من كان منهم داعيا إلى بدعته - وهذا يؤدي إلى رواج بدعتهم، لأن عامة المسلمين إذا رأوا أصحاب الحديث وأئمة السنَّة يحضرون مجالسهم ويأخذون منهم، فيظنون أنهم على حق حتى في أفكارهم المنحرفة مع صدقهم وورعهم.

وطالما وجد العلم الذي لديهم لدى أناس من أهل السنَّة فلا داعي للرواية عنهم.

وقد سئل الإمام أحمد: يكتب عن القدري ؟ قال: إذا لم يكن داعيا.

وقال عبد الرحمن بن مهدى: من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحقَّ الترك.

وليس هذا في الأخذ فقط، بل حتى إن كثيرا منهم كانوا لا يسمحون لأهل البدع أن يحضروا مجالسهم ويسمعوا منهم.

ولذلك فقد اهتمَّ أئمة الجرح والتعديل ببيان عقائد الرواة وأفكارهم عند ذكرهم.

والإمام العجلي أيضا في كتابه هذا يهتمُّ اهتماما واضحا بذكر عقائد الرجال ومذاهبهم، فهو بعد ذكر مراتبهم من حيث الثقة والضعف يذكر مذهبهم وعقيدتهم، ويوضح من كان منهم لين القول في بدعته أو كان غاليا أو كان داعيا إليها، ومع أن من لم ينسب إلى بدعة فهو من أهل السنَّة ولكنه مع ذلك يصف العلماء والأئمة الذين قاموا بالدفاع عن السنَّة بأنهم أصحاب سنَّة.

ويذكر هذا الوصف في تراجمهم باعتزاز.

وفيما يلي أذكر بعض النماذج عن الإمام العجلي، فيما يتعلق بأهل السنَّة وأهل الأهواء والبدع.

أصحاب السنة:

وهم كثيرون - والحمد لله - في كتاب العجلي وأذكر بعض التراجم للنموذج فقط:

أحمد بن حنبل: ثقة ثبت صاحب سنة.

أحمد بن صالح: مصري ثقة صاحب سنة.

إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري: كوفي ثقة، وكان رجلا صالحا قائما بالسنَّة.

العثمانيون والعلويون:

اتفق عامة أهل السنة أن أفضل هذه الأمة بعد نبي الله: أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان رضى الله عنهم.

وفي صحيح البخارى (3655 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضى الله عنهم .

ولكن يبدو أن بعض الناس كانوا يهتمون بهذا الموضوع اهتماما خاصا، فسمُّوا بالعثمانيين.

وكان مقابلهم ناس آخرون يفضِّلون عليا رضي الله عنه على عثمان فسمُّوا بالعلويين.

ولم يكن الأمر يصلُ بينهم إلى التشيع أو النصب، وإنما خلافهم كان فيمن هو الأفضل مع الاعتراف بفضلهما وصحة خلافتهما.

والإمام العجلي في كثير من التراجم، ينبه على آرائهم هذه.

فعلى سبيل المثال روى في ترجمة أبي وائل شقيق بن سلمة بسنده عن عاصم قال: قيل لأبي وائل: أيهما أحبُّ إليك علي أو عثمان ؟ قال: كان علي أحبَّ إليَّ من عثمان، ثم صار عثمانُ أحبَّ إليَّ من عليٍّ.

وطلحة بن مصرف اليامي: كوفي ثقة، وكان يحرم النبيذ، وكان عثمانيا يفضِّل عثمان على علي، وكان من أقرأ أهل الكوفة وخيارهم.

وزبيد بن الحارث اليامي، كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان علويًّا وكان يزعم أن شرب النبيذ سنَّةٌ.

ومن الطرائف التى ذكرها الإمام العجلي في هذا الصدد، ما ذكر في ترجمة طلحة بن مصرف اليامي فقال:"وكان طلحة مصرف وزبيد اليامي متواخيين، وكان طلحة عثمانيا وزبيد علويا، وكان طلحة يحرِّمُ النبيذ، وكان زبيد يشربُه ومات طلحة فأوصى إلى زبيد."

وكان عبد الله بن إدريس الأودي، وعبثر بن القاسم أبو زبيد الزبيدي متواخيين.

وكان عبد الله بن إدريس عثمانيا وكان عبثر علويا.

وكان ابن إدريس يحرِّم النبيذ وكان عبثر يشربُه، ومات عبثر فقام ابن إدريس يسعَى في دَين عليه حتى قضاه.

وكان عبد الله بن عكيم الجهني..وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري متواخيين، وكان عبد الله بن عكيم عثمانيا وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى علويا، وما سمع يتذاكران شيئا من ذلك.

إلا أن ابن عكيم قال لعبد الرحمن بن أبي ليلى يوما: أمَّا إن صاحبك (يعني عليا) لو صبر لأتاه الناس.

وماتت أم عبد الرحمن ابن أبى ليلى فقدَّم عليها ابن عكيم فصلَّى عليها"."

ويظهر من هذه الروايات أنهم مع اختلافهم في وجهات نظرهم كانوا إخوانا متحايين في الله ، متعاونين في البر والتقوى لا قطيعة بينهم ولا تنافر.

وقد ذكر الذهبي عن الأعمش قال: أدركت أشياخنا زرا وأبا وائل فمنهم مََن عثمانُ أحبَّ إليه مِن عليٍّ، ومنهم مَنْ عليٌّ أحبَّ إليه من عثمانَ، وكانوا أشدَّ شيء تحابًّا وتوادًّا.

ومن فرق أهل الأهواء التى يشير إليها العجلي: الشيعة. النواصب، القدرية، المرجئة، الجهمية، الخوارج.

ومع الإشارة إلى عقائدهم يطلق عليهم ما يستحقون من مراتب الجرح والتعديل، كثقة أو لا بأس به، أو ضعيف، أو غير ذلك.

وهذا يدلُّ على أن الإمام العجلي كغيره من المحدِّثين لا يترك الرواية عن أحد لمجرد ما وجد فيه من خلاف عقدي أو فكري، بل المدارُ على الصدق والعدالة والضبط.

فإذا كان الراوي متصفا بالورع والتقوى والصدق والضبط فيصدق في خبره إلا إذا أدت بدعته إلى الكفر أو الكذب فحينذاك تسقط عدالتُه.

وقد فصل أهل العلم القوم في قبول رواية أهل البدع بما لا مجال لذكره هنا.

التنبيه على علل أخرى:

بعد ذكر مرتبة الراوى ينبه الإمام العجلي على علل أخرى قد تستوجب ضعف الإسناد أو التوقف فيه حتى بعد ثبوت عدالة رجاله.

ومن هذه العلل: الاختلاط: وهو"فساد العقل"وعدم انتظام الأقوال والأفعال إما بخرف، أو ضرر، أو مرض، أو عرض، من موت ابن أو سرقة مال، كالمسعودي آو ذهاب كتب كابن لهيعة، أو احتراقها ...

فإذا أصيب الثقة بالاختلاط لأي سبب من الأسباب، فحينذاك يقبل المحدِّثون من حديثه رواية مَن روى عنه قبل الاختلاط ، ولا يقبلون مَن روى عنه بعد الاختلاط أو أشكل أمره، فلم يعرف هل روى عنه قبل الاختلاط أو بعده.

والذين أصيبوا بهذا من الرواة الثقات قليلون جدا، وقد تتبعهم النقاد واحدا واحدا، ليعرفوا من روى عنهم قبل الاختلاط، ومن روى عنهم بعده.

وذلك لما له من تأثير في صحة الحديث أو ضعفه.

والإمام العجلي يأتي بفوائد مهمة في هذا الموضوع، نقلها عنه الباحثون في تراجم هؤلاء،كالذهبي في ميزان الاعتدال، وعنه ابن الكيال في الكواكب النيرات، وكذلك ابن رجب في شرح علل الترمذي وغيرهم.

ومن أمثلة ذلك ما ذكره في ترجمة سعيد بن إياس الجريرى، إذ قال:"بصري ثقة واختلط بأخرة."

روى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون وابن المبارك وابن أبي عدى، كما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط.

إنما الصحيح عنه حماد بن سلمة وإسماعيل بن علية وعبد الأعلى أصحهم سماعا سمع منه قبل أن يختلط بثماني سنين وسفيان الثوري وشعبة صحيح"."

ومثل هذا في تراجم حجاج بن نصير الفساطيطي، وعارم بن الفضل السدوسي، وعطاء بن السائب بن يزيد، وعبد الرحمن المسعودي، وأبي إسحاق السبيعي، وسعيد بن أبي عروبة، وزكريا بن أبي زائدة.

التدليس:

وهو رواية الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه موهما بالسماع.

ولما كان المدلسون من الرواة يسقطون الواسطة بينهم وبين شيخهم ليكون ظاهر الإسناد أنه متصل، بينما هو في الحقيقة منقطع ويستلزم ضعف الإسناد.

فقد تتبع النقاد مثل هؤلاء الرواة - وهم قليلون - وبينوا أساليبهم وطرقهم.

والإمام العجلي أيضا نبه على مثل هذا في تراجم تليد بن سليمان، وجابر بن يزيد الجعفي، والحجاج بن أرطاة، وهشيم بن بشير، وغيرهم.

ومن القواعد المهمة التي ذكرها العجلي في هذا الباب ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي بعنوان: ذكر من كان يدلس بعبارة دون عبارة.

ثم قال: قال العجلي: إذا قال سفيان بن عيينة: عن عمرو سمع جابرا فصحيح.

وإذا قال سفيان: سمع عمرو جابرا فليس بشيء.

يشير إلى أنه إذا قال: عن عمرو فقد سمعه منه، وإذا قال: سمع عمرو جابرا فلم يسمع ابن عيينة عن عمرو.

الإرسال:

ويطلق في الغالب على رواية التابعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واستعمله العجلي وغيره في المعنى اللغوي أيضا في كل من روى عمن لم يلقه، وهذا أيضا من علل الإسناد، وقد نبه الإمام العجلي على هذا في بضع وعشرين ترجمة ، كقوله في عباس بن ذريح ثقة روى عن الشعبي وهو يرسل عن عائشة لم يدركها في عداد الشيوخ وروى عنه شريك وزكريا بن أبي زائدة وغيرهما .

والإمام ابن رجب كثيرا ما يهتم بذكر هذه الفوائد عن العجلي في شرح علل الترمذي.

وهناك علل أخرى من أخطاء الرواة وغيرها، بينها العجلي في ترجمة إبراهيم بن مرزوق، وعاصم بن أبي النجود، ويحيى بن أبي بكير قاضي كرمان وغيرهم.

وقد ذكر الإمام العجلى في ترجمة عامر الشعبي: (مرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحا وأهل اليمن أرق قوم) .

وقال العجلي في ترجمة حجاج بن أرطاة:"كان جائز الحديث إلا أنه صاحب إرسال وكان يرسل عن يحيى بن أبى كثير ولم يسمع منه شيئا، ويرسل عن مكحول ولم يسمع منه شيئا، ويرسل عن الزهري ولم يسمع منه شيئا، فإنما يعيب الناس منه التدليس، وروى نحوا من ستمائة حديث".

ومثل هذا في تراجم كثيرة منها إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، والحكم بن عتبة، وسلمة بن دينار، وسليمان بن حرب البكري، وعارم بن الفضل السدوسى، وعبد العزيز بن جريج المكي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعى، وغيرهم.

• توثيق العجلي واتهامه بالتساهل فيه:

تقدم من ألفاظ الأئمة في الثناء على العجلي ، ما بين أنه إمام من أئمة النقد ، وأنه من كبار الحفاظ مع التدين المتين والورع والزهد ، حتى إنه كان يقرن في ذلك بيحيى بن معين والإمام أحمد بن حنبل إمامي السنَّة والجرح والتعديل .

وثناء الأئمة عليه بذلك استمر من عصره وفي حياته،إلى زمن الإمام الذهبي وابن ناصر الدين،بل إلى ما بعد ذلك ، حتى العصر الحديث حين اتهم بالتساهل كما يأتي !!

بل لقد مضى الأئمة على اعتماد أقوال العجلي ،والنص على أنه من أئمة الجرح والتعديل المعتمدين ،وعلى الثناء على كتابه في الجرح والتعديل .

فكتاب العجلي أحد موارد الخطيب البغدادي ،والحميدي (ت488هـ ) وابن عساكر ، والمزي ، والذهبي ،وابن رجب الحنبلي ،والحافظ ابن حجر ، والسخاوي ، والسيوطي ، وابن العماد الحنبلي ،وغيرهم [1] .

وقد ذكره الإمام الذهبي في كتابه ( ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) [2] وذكره السخاوي في ( المتكلمون في الرجال ) [3] .

وقال الذهبي في ترجمته في ( سير أعلام النبلاء ) :"وله مصنف مفيد في الجرح والتعديل ، طالعته ، وعلقت منه فوائد يدل على تبحّره بالصنعة وسعة حفظه" [4]

وقال نحو هذه العبارة الصفدي في (الوافي بالوفيات) [5] .

وقال ابن ناصر الدين:"وكتابه في الجرح والتعديل يدلُّ على سعة حفظه وقوة باعه الطويل [6] ."

وعلى هذا لم أجد أحدًا من الأئمة السابقين - قبل العصر الحديث - من وسم العجلي بالتساهل في التوثيق وأنه لا يعتمد على توثيقه إذا انفرد به لراو لم نجد فيه قولًا لغيره.

وأول من وجدته وصف العجلي بالتساهل في التوثيق:العلامة المحقق عبد الرحمن ابن يحيى المعلمي (ت1386هـ ) حيث قال في ( طليعة التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل ) :"والعجلي قريب من ابن حبان في توثيق المجاهيل من القدماء" [7] .

وقال أيضًا في ( الأنوار الكاشفة ) :"وتوثيق العجلي وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبان أو أوسع" [8] .

وتبعه على ذلك محدث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني ، في مواطن كثيرة من كتبه ، منها قوله في ( سلسلة الأحاديث الصحيحة ) :"العجلي معروف بالتساهل في التوثيق ، كابن حبان تمامًا ، فتوثيقه مردود إذا خالف أقوال الأئمة الموثوق بنقدهم وجرحهم" [9] .

ثم انتشر هذا القول بتساهل العجلي بين طلبة العلم وأصحاب التأليف ، حتى شاع واشتهر ، ولم تعد ترى فيهم من يدفعه أو يخالفه ، بل من يناقشه بالدليل والبرهان ، فأصبح من الأمور المسلَّمة عندهم ، لا يحتاج إلى استدلال ، بل ربما لا يجوز ذلك فيه !! .

وخطأ ذوي الفضل - كالمعلمي والألباني - يزيد من فضلهم ، لأنه أجر واحد من مجتهد معذور ، يضاف إلى ما سبقت به أعمالهم - تقبلها الله - لكن تقليدهما فيه ، والتعصب لذلك جهلًا واستكبارًا هو المأخوذ على صاحبه .

ولمناقشة هذه المسألة ، أذكر أدلة من اتهموا العجلي بالتساهل ، ثم أتبعها بالرد عليها ، قالوا: يدلُّ على تساهله أمورًا ثلاثة:

الأول: كثرة توثيقه لمن لم نجد لغيره فيهم كلامًا .

الثاني: مخالفته لغيره من أئمة النقد بتوثيقه رواة جهلهم غيره أو ضعفهم أو تركهم .

الثالث: عدم اعتماد الحافظ ابن حجر لتوثيق العجلي إذا انفرد .

والرد على هذه الشبه من وجوه:

الأول: أما توثيقه لمن لم نجد لغيره فيهم كلامًا ، فما وجه دلالته على تساهله ؟

وهل تزيد على أن أعلنا جهلنا ؟

وأننا عجزنا أن نعرف حال الراوي إلا من طريق العجلي ؟!

ثم إن كان هذا دليلًا على تساهل العجلي ، فلن ينجو إمام من أئمة الجرح والتعديل من أن يكون متساهلًا كالعجلي ، لأنه لا يخلو إمام - خاصة المكثرون من نقد الرواة - من أن نجد له توثيقًا لراو لم يتكلم فيه غيره ، فصف يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، بالتساهل إذن بنفس الحجة التي وصفت بها العجلي بذلك !!! .

الثاني: أمَّا مخالفة العجلي بتوثيقه لرواة جهلهم غيره من الأئمة فمتى يكون من عنده زيادة علم مقدمًا على غيره إذا لم نقبل توثيق العجلي في هذه الحالة؟!! .

إن قول الإمام عن راو: إنه ( مجهول ) إعلام من الإمام عن عدم معرفته له ، وإعلان منه أنه لا يخبر حاله ، فإذا قال إمام آخر عن ذلك الراوي: إنه (ثقة) فليس في ذلك مخالفة أصلًا ، ولا هذه المسألة من مسائل تعارض الجرح والتعديل ، لأن من جهل الراوي توقف عن الحكم عليه بالثقة والضعف أيضًا ، لعدم معرفته له ،ومن وثقه عرفه ، وعرف من حاله ما يستحقُّ التوثيق ، فأصدر هذا الحكم عليه .

وهنا نقول: مََن كان عنده علمٌ حجةً على من لم يكنْ عنده علمٌ .

والعجلي إمامٌ كبير ، أكبر سِنًّا وأعلى إسنادًا من الإمام البخاري ، وكان يقرن بالإمام أحمد ويحيى بن معين في العلم ، كما سبق ، فمثله لا ينكر عليه أن يعرف من يجهله غيره من أئمة النقد ، ولا يستغرب منه أن يكون حجَّة على عدم علم غيره من حفاظ الحديث .

الثالث: أما مخالفة العجلي بتوثيقه لرواة ضعفهم غيره أو تركهم سواء فمن نجا من الأئمة من مثل ذلك ؟ !! .

إن اختلاف اجتهادات الأئمة في الرواة جرحًا وتعديلًا واقع واضح وضوح الشمس لكثرته تكرره ، ولجميع الأئمة، فلن تجد إمامًا إلا وقد وثق من ضعفه غيره أو ضعف من وثقه غيره ، وربما كان الصواب مع من وثقه ،وربما كان العكس ، فلا كون الصواب مع الموثق بالدليل الكافي لوسم المضعِّف بالتشدد ،ولا كون الصواب مع المضعِّف بالبرهان الصحيح على اتهام الموثِّق بالتساهل وإلا لن يخلو إمام من أن يكون متشددًا متساهلًا في آن واحد !! لأنه لن يخلو إمام من أن يوثق مََنِ الصوابُ ضعفُه أو يضعِّفَ مََنِ الصوابُ توثيقُه .

الرابع: أما عدم اعتماد الحافظ ابن حجر على توثيق العجلي ، فليس بصحيح مطلقًا ، بل اعتمده مرات كثيرة خاصة مع توثيق ابن حبان .

فها هو قد ذكر حفص بن عمر بن عبيد الطنافسي في التقريب وقال عنه: ثقة [10] مع أنه لم يذكر في التهذيب له موثقًا غير العجلي [11] .

وهاهو يقول عن أم الأسود الخزاعية في ( التقريب ) : (ثقة) [12] مع أنه لم يذكر أن أحدًا تكلم عنها في ( التهذيب ) [13] غير توثيق العجلي .

ولما ذكر الحافظ في ( التهذيب ) : البراء بن ناجية الكاهلي ، وتوثيق العجلي وابن حبان له ، مع قول الذهبي عنه: فيه جهالة لا يعرف ، تعقب الحافظ قول الذهبي بقوله: قد عرفه العجلي وابن حبان فيكفيه [14] وأمثلة ذلك كثيرة جدًا.

نعم .. هناك مواطن أخرى ينقل الحافظ بن حجر في ( التهذيب ) توثيق العجلي ، مع ذلك لا يقول عن ذلك الراوي الذي نقل فيه توثيق العجلي في (التقريب) :"ثقة"بل يقول:"مقبول" [15] .

ولذلك أيضًا أمثلة كثيرة ، فليس عدم اعتماد الحافظ لتوثيق العجلي في مواطن قاضيًا على اعتماده عليه في مواطن أخرى بل العكس هو الصواب، لأن العجلي إمام من جلة أئمة الجرح والتعديل كما سبق من كلام الأئمة عنه فبأيِّ حُجَّة نعرض عن اعتماد قوله في راو لا مخالف له فيه أصلًا ؟

ونقول في هؤلاء الرواة الذي لم يعتمد الحافظ فيهم توثيق العجلي ما نقوله تمامًا في رواة وثقهم يحيى بن معين [16] وعلي بن المديني [17] وأبو حاتم [18] وأبو داود [19] والنسائي [20] وغيرهم [21] وذكر الحافظ ذلك عنهم في ( التهذيب ) مع ذلك قال الحافظ عن هؤلاء الرواة الذين وثقهم أولئك الأئمة وأمثالهم في بعض الأحيان:"مقبول" [22] فهل نقول إن الحافظ لا يعتمد توثيق أولئك الأئمة ؟!

أم نلتمس الأعذار للحافظ ؟ ونقول: لعل له اجتهادًا ، أو لعله سبق قلم ، أو هو خطأ معذور صاحبه مأجور إن شاء الله تعالى .

قلت: الصواب أنه قال ذلك ، لأن هؤلاء الرواة قليلو الراوية ، ولم يرو عنهم سوى واحد في الأكثر ، وهي متربة تعديل كما أشرت وليست مرتبة جرح!!

المهم أن لا يكون عدم اعتماد الحافظ لتوثيق العجلي سببًا لعدم اعتمادنا نحن توثيقه ،وإلا ألجأنا القياس الصحيح على ذلك إلى عدم اعتمادنا توثيق يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي حاتم وأبي داود والنسائي وهذا هو الباطل !! .

ثم لنفترض أن الحافظ لم يكن يعتمد توثيق العجلي ، فهل الحافظ حجة على غيره من الأئمة ، الذين وصفوا العجلي بالإمامة في الحديث ، حتى قرنوه بابن معين والإمام أحمد ؟!.

ويمكن أن نعارض الحافظ بتصرف غيره من الحفاظ كابن رشيد السبتي (ت721هـ) الذي اعتمد توثيق العجلي لعمارة بن حديد [23] في مقابل جهالة أبي زرعة وأبي حاتم وابن عبد البر وغيرهم له [24] ليؤكد لنا بذلك عظيم اعتداده بتوثيق العجلي ، وليعطينا مثالًا واقعيًا لما سبق أن ذكرناه ، من أن توثيق الإمام مقدم على جهل غيره من الأئمة لأن مع الموثق زيادة علم .

وبذلك نكون قد رددنا على أدلة وشبه من اتهم العجلي بالتساهل في التوثيق وبينا أن هذا القول قول مستَحدَثٌ وأن جميع الأئمة السابقين على رأي واحد وهو: اعتقاد إمامة العجلي في علم الحديث وأنه أحد نقاد الآثار وصيارفة العلل ،وأئمة الجرح والتعديل ، لا يغمز بشيء في علمه ، ولا يخطأ في منهجه ، وأنه يقرن بالإمام أحمد ويحيى بن معين .

فلا أرى - بعد ذلك - عدم الاعتماد على توثيقه بدعوى تساهله ، إلا قولًا مرجوحًا ضعيفًا ، فيه إهدار لأحكام جليلة من إمام جليل عليه رحمة الله .

أما الأسماء التي أطلقها الأئمة على الكتاب ، فمختلفة:

فسموه بـ ( الثقات) و ( الجرح والتعديل ) و ( التاريخ ) و ( معرفة الرجال ) ، و ( السؤالات) وقال عبد العليم البستوي في مقدمة تحقيقه:"يظهر بعد هذا أن كل هذه الأسماء العديدة لكتاب واحد ، وقد وصفه كل حسب ما بدا له بالنظر إلى موضوعه ومحتوياته فهو كتاب ( الثقات ) لغلبتهم عليه ، وهو كتاب ( الجرح والتعديل ) كما هو واضح ، وهو كتاب ( التاريخ ) بالمعنى المعروف عند المحدثين" [25] .

قلت: لكن تسمية الكتاب بـ ( الثقات) جرت إلى خطأ كبير عن هذا الكتاب ، فلم يفهم على أن تسميته بـ (الثقات) لأن الثقات هم أغلب من ذكر فيه ، بل فهم على أنه كتاب مختص بـ ( الثقات ) فقط ، كثقات ابن حبان وابن شاهين !! .

فمن الحفاظ: يقول خاتمتهم الحافظ ابن حجر في ( نزهة النظر ) :"ومنهم من أفرد الثقات بالذكر ، كالعجلي ، وابن حبان وابن شاهين" [26] .

ومن المعاصرين: يقول فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري في ( موارد الخطيب البغدادي ) :"أما كتب الثقات ، فأول من صنف فيها: أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي" [27] .

(1) - انظر مقدمة تحقيق كتاب العجلي للبستوي (1/80-89)

(2) - ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي رقم 286

(3) - الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي (344)

(4) - سيرأعلام النبلاء للذهبي (12/506) .

(5) - الوافي بالوفيات للصفدي (7/79) .

(6) - شذرات الذهب لابن العماد (3/266) .

(7) - التنكيل للمعلمي (1/69) .

(8) - الأنوار الكاشفة للمعلمي (68) .

(9) - سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ( 2/218رقم 633) .

(10) - التقريب (رقم 1426) .

(11) - التهذب (2/409) .

(12) - التقريب ( رقم 8800) .

(13) - التهذيب (12/459) .

(14) - التهذيب (1/427-428) .

(15) - وقد فهم كثير من علماء العصر هذه العبارة للإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله على غير مراده ، والصواب أنها من مراتب التعديل ، وأن صاحبها يدور حديثه بين الحسن والصحيح ، كما تبين لي في كتابي (( الحافظ ابن حجر ومنهجه في تقريب التهذيب ) )- الكلام عن المرتبة السادسة .

(16) - انظر التهذيب (12/14) مع التقريب ( رقم 8002) والتهذيب (10/385) مع التقريب ( رقم 7085) والتهذيب (10/297) مع التقريب ( رقم 6928) .

(17) - انظر التهذيب (9/415) مع التقريب ( رقم 6288) .

(18) - انظر التهذيب (5/178) مع التقريب ( رقم 3278) والتهذيب ( 9/537) مع التقريب (6456) .

(19) - انظر التهذيب (2/410) مع التقريب ( رقم 1428) والتهذيب (12/162) مع التقريب (8302) .

(20) - انظر التهذيب (9/455) مع التقريب ( رقم 6341) والتهذيب (10/353) مع التقريب ( رقم 7032) .

(21) - استعنت لذكر هذه الأمثلة بكتاب ( إمعان النظر في تقريب الحافظ ابن حجر ) لعطاء بن عبد اللطيف بن أحمد (80-134) .

(22) - انظر كلامي على المقبول ، قبل قليل .

(23) - ملء العبية لأبي رشيد - الاسكندرية ومصر عند الورود - ( 3/31) .

(24) - المصدر السابق ، والتهذيب (7/414) .

(25) - معرفة الثقات للعجلي - مقدمة التحقيق - (1/65-70) .

(26) - نزهة النظر لابن حجر (ص 199) .

(27) - موارد الخطيب للعمري ( ص31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت