المبحث الثاني
طُرُقُ التَّحَمُّل وصِيَغْ الأداء [1]
طُرُق تحمل الحديث ثمانية وهي: السماع من لفظ الشيخ ، القراءة على الشيخ ، الإجازة ، المناولة ، الكتابة ، الإعلام ، الوصية ، الوجادة .
وسأتكلم على كل منها تباعًا باختصار ، مع بيان ألفاظ الأداء لكل منها باختصار أيضاُ.
1-السَّماعُ من لفظ الشيخ:
أ) صورته: أن يقرأ الشيخ ، ويسمع الطالب ، سواء قرأ الشيخ من حفظه أو كتابه ، وسواء سمع الطالب وكتب ما سمعه ، أو سمع فقط ولم يكتب .
ب) رتبته: السماع أعلى أقسام طرق التحمل عند الجماهير .
وهو الوسيلة التي تلقى الحديث بواسطتها رعيل المحدثين الأوائل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ثم رووه بها للناس أيضا. فلا غرو أن يعتبر أعلى مراتب التلقي للحديث، و"أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين" [2] من المحدثين وغيرهم.
قال السيوطي:"وهو أعْلى طُرق التحمُّل عند الجماهير وسيأتى مُقابله في القسم الآتي."
والإملاء أعلى من غيره, وإن استويا في أصل الرُّتْبة.
قال القاضي عياض أسندهُ إليه ليبرأ من عُهدته [3] : لا خِلاف أنَّه يَجُوز في هذا للسَّامع من الشَّيخ أن يَقُول في روايته عنه له: حدَّثنا, وأخبرنا, وأنبأنا, وسمعتُ فلانًا يقول وقال لنا فُلان وذكر لنا فُلان.
قال ابن الصَّلاح [4] : في هذا نظرٌ ، وينبغي فيما شاعَ استعمالُهُ من هذهِ الألفاظِ مخصوصًا بما سمعَ من غيرِ لفظِ الشيخِ أن لا يُطْلَقَ فيما سَمِعَ من لفظهِ، لما فيهِ من الإيهامِ، والإلباسِ .
قال العِرَاقي [5] : ولم أذكرْ هذا في النَّظْمِ ؛ لأنَّ القاضي حكى الإجماعَ على جوازهِ ، وهو مُتَّجِهٌ ، ولا شكَ أَنَّهُ لا يجبُ على السامعِ أَنْ يُبَيِّنَ هل كان السماعُ من لفظِ الشيخِ أو عَرْضَا ؟ نَعَمْ ، إطلاقُ أنبأنا بعد أنِ اشتهَرَ استعمالُها في الإجازةِ يؤدي إلى أَنْ يُظنَّ بما أدَّاهُ بها أنَّهُ إجازةٌ فيسقطُهُ مَنْ لا يحتجُ بالإجازةِ فينبغي أن لا تُستعملَ في المتصلِ بالسماعِ، لما حدثَ من الاصطلاحِ ..
قال الخَطِيب [6] : أرفعها أي: العبارات في ذلك سمعتُ, ثمَّ حدثنا, وحدثني فإنَّه لا يكاد أحد يقول سمعتُ في الإجازة والمُكَاتبة, ولا في تدليس ما لم يسمعه, بخلاف حدَّثنا, فإنَّ بعض أهل العِلْم كان يستعملها في الإجَازة.
ورُوي عن الحسن أنَّه قال: حدَّثنا أبو هُريرة, يتأوَّلٌ حدَّث أهل المدينة, والحسن بها، إلا أنَّه لم يسمع منه شيئًا.
قال ابن الصَّلاح [7] : ومنهم من أثبتَ لهُ سَمَاعًا منه.
قال ابن دقيق العِيد [8] : وهذا إذَا لم يَقُم دليل قاطع على أنَّ الحسن لم يسمع منه, لم يجز أن يُصَار إليه.
قال العِرَاقي [9] : قال أبو زُرْعة وأبو حاتم: من قال عن الحسَن البصري: حدَّثنا أبو هريرة فقد أخطأ.
قال: والَّذي عليه العمل أنَّه لم يسمع منهُ, وقاله غيرهما أيوب, وبهز بن أسد, ويُونس بن عُبيد, والتِّرمذي, والنَّسائي, والخَطِيب وغيرهم.
وقال ابن القَطَّان: ليست حدَّثنا بنص في أنَّ قائلها سمع, ففي صحيح البخارى (1882 ) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ « يَأْتِى الدَّجَّالُ - وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ - بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِى بِالْمَدِينَةِ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ ، الَّذِى حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثَهُ ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ ، هَلْ تَشُكُّونَ فِى الأَمْرِ فَيَقُولُونَ لاَ . فَيَقْتُلُهُ ، ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّى الْيَوْمَ ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ أَقْتُلُهُ فَلاَ أُسَلَّطُ عَلَيْهِ » . .
قال: ومَعْلومٌ أنَّ ذلكَ الرَّجل مُتأخِّر الميقات, أي فيكُون المُرَاد حدَّث أُمَّته, وهو منهم، لكن قال مَعمَر: إنَّه الخضر [10] ، فحينئذ لا مَانع من سَمَاعه.
ثمَّ أخبرَنَا, وهو كَثير في الاستعمَالِ.
قال الخطيب [11] : ثمَّ يتلو حدثنا أخبرنا, وهو كثير في الاستعمال حتَّى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوهُ من لفظ الشَّيخ غيرها.
منهم: حمَّاد بن سلمة, وعبد الله بن المُبَارك, وهُشَيم بن بَشِير, وعُبيد الله بن مُوسى, وعبد الرزَّاق, ويزيد بن هَارون, وعَمرُو بن عَوْف, ويحيى بن يحيى التَّميمي, وإسْحَاق بن رَاهُويه, وأبو مَسْعود أحمد بن الفُرَات, ومحمد بن أيوب الرَّازيان, وغيرهم.
وفي الكفاية:973 حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ:"كَأَنَّ"أَخْبَرَنَا"أَسْهَلُ مِنْ"حَدَّثَنَا"؟ قَالَ: نَعَمْ , هُوَ أَسْهَلُ ,"حَدَّثَنَا"شَدِيدٌ"
وكانَ هذا قَبلَ أن يَشِيعَ تَخْصِيصُ أخبَرَنَا بالقرَاءَةِ على الشَّيخ. قال: ثمَّ أنبأنَا, ونَبأنَا, وهو قَليلٌ في الاستِعمَالِ, قال الشَّيخُ: حدَّثنا وأخبرنَا, أرفَعُ من سَمِعْتُ من جِهَةٍ أخرَى، إذ ليسَ في سمعتُ دَلالَة على أنَّ الشَّيخَ رَوَّاه إيَّاه, بِخلافِهمَا.اهـ
قال ابن الصَّلاح [12] : وكان هذا قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشَّيخ.
وقال: حدَّثنا, وأخبرنا أرفع من سمعتُ من جهة أُخرى, إذ ليسَ في سمعتُ دلالة على أنَّ الشَّيخ رواه - بالتَّشديد - إيَّاه وخاطبه به بخلافهما فإنَّ فيهما دلالة على ذلك.
وقال الخطيب في الكفاية (917) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ ، ثنا أَبِي , قَالَ: قَرَأْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاهِينَ ، ثنا ابْنُ رِشْدِينَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ , وَسُئِلَ عَنْ"حَدَّثَنَا"وَ"أَخْبَرَنَا""وَأَنْبَأَنَا"فَقَالَ:"حَدَّثَنَا"أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا وَأَخْبَرَنا دُونَ"حَدَّثَنَا""وَأَنْبَأَنَا"مِثْلُ"أَخْبَرَنَا"" وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَعْنَى , وَقَالَ غَيْرُهُ:"حَدَّثَنَا"" وَنَبَّأَنَا " أَدْخَلُ إِلَى السَّلَامَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ مِنْ"أَخْبَرَنَا", وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ مَنِ اسْتَعْمَلَ"أَخْبَرَنَا"وَرَعًا وَنَزَاهَةً لِأَمَانَتِهِمْ , فَلَمْ يَجْعَلُوهَا لِلِينِهَا بِمَنْزِلَةِ"حَدَّثَنَا"" وَنَبَّأَنَا", وَإِنْ كَانَتْ"نَبَّأَنَا " تَحْتَمِلُ مَا تَحْتَمِلُهُ"حَدَّثَنَا"وَ"أَخْبَرَنَا", وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ , وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ يَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ لَنَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجُرْجَانِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْآبُنْدُونِيِّ " سَمِعْتُ " وَلَا يَقُولُ"حَدَّثَنَا"وَلَا"أَخْبَرَنَا", فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ الْآبُنْدُونِيُّ عَسِرًا فِي الرِّوَايَةِ جِدًّا , مَعَ ثِقَتِهِ وَصَلَاحِهِ وَزُهْدِهِ , وَكُنْتُ أَمْضِي مَعَ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ الْكَرْجِيِّ إِلَيْهِ فَيَدْخُلُ أَبُو مَنْصُورٍ عَلَيْهِ وَأَجْلِسُ أَنَا بِحَيْثُ لَا يَرَانِي الْآبُنْدُونِيُّ , وَلَا يَعْلَمُ بِحُضُورِي , وَيَقْرَأُ هُوَ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي مَنْصُورٍ وَأَنَا أَسْمَعُ , فَلِهَذَا أَقُولُ فِيمَا أَرْوِيهِ عَنْهُ " سَمِعْتُ"وَلَا أَقُولُ"ثَنَا " وَلَا"أَخْبَرَنَا"، لِأَنَّ قَصْدَهُ كَانَ الرِّوَايَةَ لِأَبِي مَنْصُورٍ وَحْدَهُ."
قال الزَّركشى: والصَّحيح التفصيل, وهو أنَّ حدَّثنا أرْفع, إن حدَّثه على العُموم , وسمعتُ إن حدَّثه على الخُصُوص.
وكذا قال القَسْطلانى في «المنهج» .
وَأمَّا قال لنَا فُلان, أو ذكَرَ لنا, فَكَحَدَّثَنَا, غير أنَّهُ لائق بِسَمَاعِِ المُذَاكَرَةِ, وهو بهِ أشْبَهُ من حدَّثنا, وأوضَحُ العِبَارَاتِ: قال, أو ذكَرَ, من غير لِي, أو لنا, وهو أيضًا مَحْمُولٌ على السَّماعِ إذا عُرِفَ اللِّقَاءُ على ما تقدَّمَ في نوعِ المُعضَلِ, لا سيما إن عُرِفَ أنَّهُ لا يَقُولُ قال, إلاَّ فِيمَا سَمعَهُ مِنْهُ, وَخَصَّ الخَطِيبُ حَمْلهُ عَلَى السَّمَاعِ به, والمَعْرُوفُ أنَّهُ ليسَ بشَرطٍ.
وأمَّا قالَ لنَا فُلان أو قال لي أو ذكر لنا أو ذُكر لي فكحدَّثنا في أنَّه مُتَّصل غير أنَّه لائق بسماع المُذاكرة, وهو به أشبه من حدَّثنا.
وأوضح العبارات: قال, أو ذكر من غير لي, أو لنا, وهو مع ذلك أيضًا محمول على السَّماع, إذا عُرف اللِّقاء وسلم من التَّدليس على ما تقدَّم في نوع المُعْضل في الكلام على العنعنة لا سيما إن عرف من حاله لأنَّه لا يقول: قال إلاَّ فيما سمعهُ منه كحجَّاج بن محمَّد الأعور, روى كُتب ابن جُريج عنه بلفظ: قال ابن جُريج, فحملها النَّاس عنه, واحتجُّوا بها.
وخصَّ الخَطِيب [13] حملهُ على السَّماع به أي: بمن عرف منهُ ذلك، بخلاف من لا يعرف ذلك منه, فلا يحمله على السَّماع والمعروف أنَّه ليسَ بشرط.
وأفْرَط ابن مَنده فقال [14] : حيث قال البُخَاري: قال لنا, فهو إجَازة, وحيث قال: قال فُلان, فهو تدليس.
وردَّ العلماء عليه ذلك ولم يقبلوه.
2-القراءة على الشيخ [15] :
سلك المحدثون هذا الطريق بعد أن انتشر التدوين، وأصبحت كتابة الحديث أمرا شائعا. ومعنى العرض عندهم:
القراءة على الشيخ من حفظ القارئ، أو من كتاب بين يديه. وهو طريق صحيحة في تلقي الحديث، والرواية به سائغة بالإجماع. [16]
ويُسميها أكثر المُحدِّثين عرضًا من حيث أن القارىء يعرض على الشَّيخ ما يقرؤه, كما يعرض القُران على المُقرىء.
لكن قال شيخ الإسلام ابن حجر في «شرح البخاري» [17] : لِمَا بَيْنهمَا مِنْ الْعُمُوم وَالْخُصُوص ؛ لِأَنَّ الطَّالِب إِذَا قَرَأَ كَانَ أَعَمّ مِنْ الْعَرْض وَغَيْره ، وَلَا يَقَع الْعَرْض إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّ الْعَرْض عِبَارَة عَمَّا يُعَارِض بِهِ الطَّالِب أَصْل شَيْخه مَعَهُ أَوْ مَعَ غَيْره بِحَضْرَتِهِ فَهُوَ أَخَصّ مِنْ الْقِرَاءَة . وَتَوَسَّعَ فِيهِ بَعْضهمْ فَأَطْلَقَهُ عَلَى مَا إِذَا أَحْضَرَ الْأَصْل لِشَيْخِهِ فَنَظَرَ فِيهِ وَعَرَفَ صِحَّته وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْوِيه عَنْهُ مِنْ غَيْر أَنْ يُحَدِّثهُ بِهِ أَوْ يَقْرَأهُ الطَّالِب عَلَيْهِ . وَالْحَقّ أَنَّ هَذَا يُسَمَّى عَرْض الْمُنَاوَلَة بِالتَّقْيِيدِ لَا الْإِطْلَاق . وَقَدْ كَانَ بَعْض السَّلَف لَا يَعْتَدُّونَ إِلَّا بِمَا سَمِعُوهُ مِنْ أَلْفَاظ الْمَشَايِخ دُون مَا يُقْرَأ عَلَيْهِمْ. انتهى.
سواء قرأتَ عليه بنفسك أو قرأ غيرك عليه وأنتَ تسمع وسواء كانت القراءة منك, أو من غيرك من كتاب, أو حفظ وسواء في الصور الأربع حفظ الشَّيخ ما قُرىء، عليه أم لا, إذَا أمسك أصلهُ هو, أو ثقة غيره كما سيأتي.
قال العِرَاقي [18] : وهكذا إنْ كان ثقةٌ من السامعينَ يحفظُ ما يُقْرَأُ على الشيخِ ، والحافظُ لذلك مُستمِعٌ لما يُقْرَأُ غيرُ غافلٍ عنهُ فذاكَ كافٍ أيضًا . ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ هذهِ المسألة الأخيرةَ . والحكمُ فيها مُتَّجِهٌ ، ولا فرقَ بينَ إمساكِ الثِّقَةِ لأصلِ الشيخِ وبين حفظِ الثقةِ لما يقرأُ وقد رأيتُ غيرَ واحدٍ من أَهلِ الحديثِ وغيرِهم اكتفى بذلك سواءٌ كانَ الحافظُ هو الذي يقرأُ أو غيرُه.. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: ينبغي ترجيح الإمْسَاك في الصور كلها على الحِفْظ, لأنَّه خوَّان.
وشرط الإمام أحمد في القارىء أن يَكُون مِمَّن يعرفُ ويفهم.
وشرط إمام الحرمين في الشَّيخ أن يَكُون بحيث لو فُرِضَ من القارىء تحريف, أو تصحيف لردَّه, وإلاَّ فلا يصح التحمُّل بها.
وهي أي الرِّواية بالقراءة بشرطها رِوَاية صحيحةٌ بلا خِلاف في جميع ذلك, إلاَّ ما حُكِيَ عن بعض من لا يُعتد به إن ثبت عنه, وهو أبو عاصم النَّبيل, رواه الرامهرمزي عنه [19] .
وقال الخطيب في الكفاية (860) أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو زُرْعَةَ رَوْحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ إِجَازَةً شَافَهَنِي بِهَا ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْقَصَّارُ ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، ثنا أَبِي ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا , يَقُولُ:"مَا أَخَذْتُ حَدِيثًا قَطُّ عَرْضًا", قُلْتُ: عِنْدَنَا مَنْ أَخَذَ عَرْضًا , قَالَ: مَنْ عَرَفَ مَا عَرَضَ مِمَّا سَمِعَ فَخُذْ مِنْهُ - يَعْنِي السَّمَاعَ".."
861 أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ ، ثنا أَبِي ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْإِصْطَخْرِيُّ , قَالَ: قُرِئَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , يَقُولُ:"لَمَّا خَرَجْتُ إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرُونِي أَنَّ مُعَاذَ بْنَ هِشَامٍ عَلَى الطَّرِيقِ , فَمِلْتُ إِلَيْهِ وَمَعِي ثَلَاثُ ظُهُورٍ مَمْلُوءًا مِنْ حَدِيثِهِ , فَصَادَفْتُهُ فَقَرَأَ عَلَيَّ شَيْئًا , وَقَالَ: أَنَا عَلِيلٌ لَا أَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا , وَلَكِنِ اقْرَأْهَا عَلَيَّ فَأَبَيْتُ , وَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي كُنْتُ قَرَأْتُهَا عَلَيْهِ"
862 أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْفَقِيهُ , قَالَ: قَالَ لِي أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيُّ , قَالَ لَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْغَازِي: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى , يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ عِيسَى الطَّبَّاعَ , يَقُولُ:"لَا أَعُدُّ الْقِرَاءَةَ شَيْئًا بَعْدَ مَا رَأَيْتُ مَالِكًا يُقْرَأُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَنْعَسُ"
863 أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرْبَنْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبُخَارِيُّ الْحَافِظُ ، ثنا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْبِيكَنْدِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَّامٍ , يَقُولُ:"أَدْرَكْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَإِذَا النَّاسُ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ لِذَلِكَ"
864 أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ , فِي كِتَابِهِ إِلَيْنَا ، ثنا أَبُو الْمَيْمُونِ الْبَجَلِيُّ ، ثنا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو ، ثنا أَبُو مُسْهِرٍ , قَالَ:"قَدِمَ عَلَيْنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ , وَكَانَ يُجَالِسُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَتَاهُ أَصْحَابُنَا فَعَرَضُوا عَلَيْهِ , فَلَمْ أَرَ أَخْذَهَا عَرْضًا حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ"
865 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ وَقَدْ كَانَ:"قَدِمَ مُطَرِّفٌ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا , وَكَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنْ مَنْزِلِ الْحُمَيْدِيِّ , فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَنِي الْحُمَيْدِيُّ فَقَالَ لِي: إِلَى أَيْنَ ؟ قُلْتُ: إِلَى مُطَرِّفٍ نَقْرَأُ كِتَابَ الْمُوَطَّأِ , قَالَ: وَلَمْ تَسْمَعِ الْمُوَطَّأَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ؟ قُلْتُ: بَلَى , قَدْ سَمِعْتُهُ , فَقَالَ لِيَ: انْصَرِفْ إِلَى الطَّوَافِ وَلَا تَشْتَغِلْ بِهِ , فَمَشَيْتُ مَعَهُ مُنْصَرِفًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: ابْنُ قَعْنَبَ كَانَ يَخْتَارُ السَّمَاعَ عَلَى الْقِرَاءَةِ , فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ تَثَبَّتَ فِي الْعَرْضِ عَلَى مَالِكٍ , وَقُلْتُ أَوْ قَالَ لِي: وَهُوَ الَّذِي قَرَأَ عَلَى مَالِكٍ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ الْعَرْضَ مِثْلَ السَّمَاعِ , وَيَتَهَاوَنُونَ بِالْعَرْضِ أَيْضًا , قُلْتُ لَهُ: قَدْ سَمِعْتُ مَنْ وَقَفَ بِابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ , فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا تَقُولُ فِيهِ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ سَمِعْتُهُ مِنْهُ ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ كَانَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ , وَلَقَدْ كُنْتُ أَحْيَانًا أَكُونُ دَاخِلَ الْحُجْرَةِ وَيُقْرَأُ عَلَى مَالِكٍ خَارِجًا مِنَ الْحُجْرَةِ , فَكَانَ ذَلِكَ يَجْزِي , فَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا قُلْتُ لَكَ , سَمَاعُ الْمُوَطَّأِ مِنْ مُطَرِّفٍ لِهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ"
866 أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُؤَدِّبُ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيُّ , بِالْبَصْرَةِ ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّامَهُرْمُزِيُّ ، ثنا أَبُو خَلِيفَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَلَّامٍ , يَقُولُ:"دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَعَلَى بَابِهِ مَنْ يَحْجُبُهُ , وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ , حَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ , حَدَّثَكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ , فَيَقُولُ مَالِكٌ: نَعَمْ نَعَمْ , فَلَمَّا فَرَغَتْ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَوِّضْنِي مِمَّا حَدَّثْتَهُ بِثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ تَقْرَؤُهَا عَلَيَّ , قَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَعِرَاقِيٌّ ؟ أَخْرِجُوهُ عَنِّي"
867 وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّطَنِ الْبَغْدَادِيُّ ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ , قَالَ: حَضَرْتُ مَالِكًا وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ , فَسَأَلَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ يُحَدِّثُهُ بِهَا , فَقَالَ مَالِكٌ: اعْرِضْهَا , إِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , إِنَّ الْعَرْضَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا , فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ , فَأَتَاهُ مِرَارًا , كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: اعْرِضْهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ , فَيَقُولُ: الْعَرْضُ لَا يَجُوزُ , فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ وَثَبَ إِلَيْهِ الصُّوفِيُّ فَلَزِمَ مَضْرَبَةً كَانَتْ تَحْتَهُ , ثُمَّ قَالَ: وَرَبِّ هَذَا الْقَبْرِ لَا أَدَعُهَا أَوْ تُحَدِّثَنِي بِثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ , فَقَالَ مَالِكٌ لِرَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِهِ يُكْنَى أَبَا طَلْحَةَ ، لَيْتَكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ , فَإِنِّي أَرَى بِهِ لَمَمًا , فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ , مَا أَرَى بِالرَّجُلِ لَمَمًا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُحَدِّثَهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: هَاتِ , فَقَالَ الصُّوفِيُّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ , فَقَالَ مَالِكٌ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ , عَنْ أَنَسٍ ,"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ", قَالَ ابْنُ شِهَابٍ , وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا , ثُمَّ قَالَ الصُّوفِيُّ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ , أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا غُلَامًا وَالْأُخْرَى جَارِيَةً
(1) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 279) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 664) و تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 85) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 664) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 159) ورسوم التحديث في علوم الحديث - (ج 1 / ص 104)
(2) - 1 الإلماع: 69. ونحوه قاله ابن الصلاح: 122، وغيره.
(3) - الإلماع ص 69
(4) - علوم الحديث ص 166
(5) - التبصرة 2/25
(6) - الكفاية ص 413
(7) - علوم الحديص ص 166
(8) - الاقتراح ص 214
(9) - التبصرة 2/26
(10) - قلت: الزعم بأنه الخضر رجم بالغيب ، ولا أصل له، والصواب أن الحضر قد مات قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنوات متطاولة ، ولا يوجد دليل يخصصه بطول العمر ، سوى الاعتماد على أقاويل عرية عن الصحة والدليل .
(11) - الكفاية ص 413
(12) - علوم الحديث ص 167
(13) - الكفاية ص 418
(14) - النكت للزركشي 3/479
(15) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 26) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 13) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 8) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 387) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 282) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 662) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 39)
(16) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 214)
(17) - الفتح 1/149
(18) - التبرصرة 2/30
(19) - المحدث الفاصل ص 420