فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 522

وقيل: تعديلٌ مطلقًا؛ إذ لو علمَ فيه جرحًا لذكرَهُ، ولكان غاشًا في الدينِ، لو علِمَهُ ولم يذكرْهُ حكاه الخطيبُ وغيرُهُ. قال أبو بكر الصَّيْرفيُّ: وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الروايةَ تعريفٌ لهُ والعدالةُ بالخبرةِ.

وأجاب الخطيبُ [1] : بأنَّهُ قد لا يَعلمُ عدالتَهُ، ولا جرحَهُ.

وقيل: إنْ كانَ ذلكَ العَدْلُ الذي روي عنه لا يَروي إلا عن عدلٍ كانت روايتُهُ تعديلًا، وإلاّ فلا. وهذا هو المختارُ عن الأصوليينَ، كالسيفِ الآمديِّ، وأبي عمرِو بنِ الحاجبِ، وغيرِهما. أما إذا رَوَى عَنْهُ من غيرِ تصريحٍ باسمِهِ، فإنهُ لا يكونُ تعديلًا، بَلْ وَلَوْ عدلهُ عَلَى الإبهامِ لَمْ يكتفِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .. [2]

ب) وَعَمَلُ الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ رَوَاهُ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّتِهِ، وَلَا بِتَعْدِيلِ رِوَايَةٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ احْتِيَاطًا أَوْ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ ذَلِكَ الْخَبَرَ وَصَحَّحَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِذَلِكَ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسَالِكِ الِاحْتِيَاطِ وَفَرَّقَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ، وَلَا مُخَالَفَتِهِ لَهُ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا فِي رِوَايَتِهِ

وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي نَافِعٍ رِوَايَةً وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ [3] فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَتَعَرَّضَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي فُتْيَاهُ أَوْ حُكْمِهِ أَوْ اسْتَشْهَدَ بِهِ عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَابِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتِي أَوْ الْحَاكِمُ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ أَدِلَّتِهِ بَلْ، وَلَا بَعْضَهَا وَلَعَلَّ لَهُ دَلِيلًا آخَرَ وَاسْتَأْنَسَ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْبَابِ رُبَّمَا كَانَ يَرَى الْعَمَلَ بِالضَّعِيفِ وَتَقْدِيمَهُ عَلَى الْقِيَاسِ .. [4]

ومِمَّا لا يدل على صِحَّة الحديث أيضًا, كما ذكرهُ أهل الأصُول, مُوَافقة الإجْمَاع له على الأصح, لجَوَاز أن يَكُون المُسْتند غيره, وقيل: يَدُل, وكذلك بقاء خبر تتوفَّر الدَّواعي على إبْطَاله.

وقال الزيدية: يدل, وافتراق العُلماء بين متأول للحديث ومحتج به.

قال ابن السَّمعاني وقوم: يدل, لتضمنه تلقيهم له بالقَبُول. [5]

وأُجيب باحتمال أنَّه تأوَّله على تقدير صِحَّته فرضًا, لا على ثُبوتها عندهُ.

11 -حكم رواية التائب من الفسق[6]:

تُقبل رِوَاية التائب من الفِسْق ومن الكذب في غير الحديث النَّبوي كَشَهادته, للآيات والأحاديث الدَّالة على ذلك إلاَّ الكذب في أحاديث رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تُقبل رواية منه [أبدًا, وإن حَسُنت طريقته, كذا قاله أحمد بن حنبل, وأبو بكر الحُميدي شيخ البُخَاري, و أبو بكر الصَّيرفي الشَّافعي.

بل قال الصَّيرفي زيادة على ذلك في «شرح الرِّسالة» : كُل من أسْقطنَا خبرهُ من أهل النَّقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله, بتوبة تَظْهر ومن ضعَّفناهُ لم نُقوِّه بعدهُ بخلاف الشَّهادة.

قال المُصنِّف: ويَجُوز أن يُوجه بأنَّ ذلك جعل تغليظًا عليه وزَجْرًا بليغًا عن الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - , لعظم مَفْسدته, فإنَّه يصير شَرْعًا مُسْتمرًّا إلى يوم القيامة, بخلاف الكذب على غيره والشَّهادة, فإن مَفْسدتهما قاصرة ليست عامة.

وقال أبو المُظفَّر السَّمعاني: من كذب في خبر واحد, وجب إسقاط ما تقدَّم من حديثه.

قال ابن الصَّلاح: وهذا يُضَاهي من حيث المعنى ما ذكرهُ الصَّيرفي.

قال المُصنِّف: قلت: هذا كُله مُخَالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا, ولا يُقوِّي الفرق بينه وبين الشَّهادة وكذا قال في «شرح مسلم» : المُختار القطع بصحة توبته, وقَبُول رِوَايته كشهادته, كالكافر إذا أسلم.

وأنا أقول: إن كانت الإشارة في قوله هذا كُله, لقول أحمد والصَّيرفي والسَّمعاني, فلا والله ما هو بمخالف ولا بعيد, والحق ما قاله الإمام أحمد تغليظًا وزَجْرًا, وإن كانت لقول الصَّيرفي بناء على أنَّ قوله: يكذب, عام في الكذب في الحديث وغيره.

فقد أجابَ عنه العِرَاقي , بأنَّ مُراد الصَّيرفي ما قالهُ الإمام أحمد - أي في الحديث لا مُطلقًا - بدليل قوله: من أهل النَّقل, وتقييده بالمُحدِّث في قوله أيضًا في «شرح الرسالة» : وليس يطعن على المُحدِّث إلاَّ أن يقول: تعمدتُ الكذب, فهو كاذب في الأوَّل, ولا يُقبل خبره بعد ذلك. انتهى.

وقوله: ومن ضعَّفناهُ - أي بالكذب - فانتظم مع قول أحمد.

وقد وجدتُ في الفِقْه فرعين يَشْهدان لما قالهُ الصَّيرفي والسَّمعاني, فذكروا في باب اللِّعان: أنَّ الزَّاني إذا تاب وحَسُنت توبته, لا يعود مُحصنًا, ولا يُحد قاذفه بعد ذلك, لبقاء ثُلمة عرضه, فهذا نظير أنَّ الكاذب لا يُقبل خبره أبدا, وذكروا أنَّه لو قُذفَ, ثمَّ زنى بعد القَذْفِ, قبل أن يُحدَّ القاذف لم يُحد, لأنَّ الله تعالى أجرى العادة أنَّه لا يُفضح أحدًا من أوَّل مرَّة, فالظَّاهر تقدُّم زِنَاه قبل ذلك, فلم يحد له القاذف.

وكذلك نقول فيمن تبيَّن كذبه: الظَّاهر تكرر ذلك منه, حتَّى ظهر لنَا ولم يتعيَّن لنا ذلك, فيما رُوي من حديثه, فوجبَ إسْقَاط الكُل, وهذا واضح بلا شك, ولم أر أحدًا تنبَّه لِمَا حررتهُ ولله الحمد.

11 -حكم رواية من أخذ على التحديث أجرًا [7] :

من أخذَ على التَّحديث أجْرًا, لا تُقْبل رِوَايتهُ عندَ أحمد بن حنبل وإسْحَاق بن رَاهويه وأبي حاتم الرَّازي.

وتُقبل عند أبي نُعيم الفضل بن دُكَين شيخ البُخَاري وعليِّ بن عبد العزيز البغوي وآخرين ترخصًا.

وأفْتَى الشَّيخ أبو إسْحَاق الشِّيرازي أبا الحُسين بن النقور بجوازها لمن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب التَّحديث، ويشهد له جَوَاز أخذ الوَصِي الأُجْرة من مالِ اليتيم إذا كانَ فقيرًا, أو اشتغلَ بحفظهِ عن الكَسْب, من غير رُجُوع عليه لِظَاهر القرآن.

12 -حكمُ رواية من عُرِفَ بالتساهل أو بقبول التلقين أو كثرة السهو [8] .

لا تُقبل رواية من عُرف بالتَّساهل في سَمَاعه أو إسْمَاعه, كمن لا يُبَالي بالنَّوم في السَّماع منه أو عليه أو يُحدِّث لا من أصل مُصحَّح مُقَابل على أصلهِ, أو أصل شَيْخه أو عُرف بقبول التَّلقين في الحديث بأن يُلقَّنَ الشَّيء فيُحدِّث به من غير أن يعلم أنَّه من حديثه, كما وقع لموسى بن دينار [9] ونحوه أو كثرة السَّهو في روايته, إذا لم يُحدِّث من أصْلٍ صحيح, بخلاف ما إذَا حدَّث منهُ فلا عِبْرة بكثرة سَهْوه, لأنَّ الاعتماد حينئذ على الأصل, لا على حفظه أو كثرة الشَّواذ والمناكير في حديثه.

قَالَ شُعْبَةُ [10] :"لَا يَجِيئُكَ الْحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ".

وقال نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ , يَذْكُرُ عَنْ شُعْبَةَ , قِيلَ لَهُ مَنِ الَّذِي يُتْرَكُ حَدِيثُهُ؟ قَالَ:"الَّذِي إِذَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمَعْرُوفُونَ فَأَكْثَرَ , طُرِحَ حَدِيثُهُ" [11] .

وكذلك رَدُّوا روايةَ مَنْ عُرِفَ بكثرةِ السَّهوِ في رواياتِهِ إذا لم يحدِّثْ من أصلٍ صحيحٍ.

قال عبد الله بن المُبَارك, وأحمد بن حنبل, والحُميدي, وغيرهم: من غلطَ في حديث, فبُيِّن له غلطه فأصرَّ على روايته لذلك الحديث ولم يرجع سَقَطت رواياته كلها ولم يُكتب عنه.

قال ابن الصَّلاح [12] : وفي هذا نظرٌ، وهو غيرُ مستنْكَرٍ، إذا ظهرَ أنَّ ذلك منه على جِهَةِ العِنَادِ، أو نحوِ ذلكَ.

قال ابن مهدي لشعبة [13] : من الَّذي تُترك الرِّوَاية عنه؟ قال: إذا تَمَادى في غَلطٍ مُجْمع عليه, ولم يتَّهم نفسهُ عندَ اجْتماعهم على خِلافه.

قال العِرَاقي [14] : وقيَّد ذلكَ بعض المُتأخِّرين بأن يَكُون المُبيِّن عَالمًا عند المُبيَّن له, وإلاَّ فلا حرج إذَنْ.

قلتُ:"المصرُّ على الخطإِ نوعان:"

نوع أول: وهو من غلط في رواية حديثٍ ما، وبين له عالم مجتهد من أئمة الحديث غلطه في هذا الحديث، ثم لم يرجع، وأصرَّ على روايته لذلك الحديث، آنفًا من الرجوع عمَّا خرج منه، وإن كان شيئًا يسيرًا، فقد وجب جرحه بهذا، وتركُ حديثهِ لتعدِّيه ما ليس له.

نوع ٌآخر: وهو من حدّثَ بالشيء الذي أخطأ فيه، وهو لا يعلم أنه خطأ، ثم تبين له وعلِمَ فلم يرجع عنه، وتمادى في روايته بعد علمه أنه أخطأ فيه في أول الأمر، وهذا يكون بذلك كذابًّا، أو في حكم الكذاب، لروايته ما يعلم هو أنه خطأٌ.

والفرق بين الرجلين: أن الأول ليس متيقنًا أنه أخطأ، لأنه يرى الحديث في كتابه مثلًا، ولا يتصور هو أنه أدخل عليه وهو لا يعلم، فكان جانب التوقُّفِ في تصحيح المصحح عنده قويًّا، غير أنه يدخل في جملة المتروكين، لتعديه ما ليس له، لأنه ليس من أهل هذا الشأن الذين يميزون الصواب من الخطإ، وواجب عليه أن يخضع لأهل العلم بهذا الشأن إذا بينوا له خطأه، وعدم خضوعه لهم يوجب ترك حديثه.

وفي الكفاية (1128) أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْحَافِظَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ"وَقِيلَ لَهُ: لِمَ رَوَيْتَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ وَتَرَكْتَ سُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ؟ فَقَالَ:"لِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ رَجَعَ عَنْهَا عَنْ آخِرِهَا إِلَّا حَدِيثَ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ إِذَا احْضِرَ الْعِشَاءُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي دَرْحٍ مِنْ كُتُبِ عَمِّهِ فِي قِرْطَاسٍ، وَأَمَّا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ فَإِنَّ وَرَّاقَهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَحَادِيثَ فَرَوَاهَا وَكَلَّمْنَاهُ فِيهَا فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ وَتَرَكْتُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ""

وذلك، لأنه أصرَّ على روايتها آنفًا من الرجوع عنها، بعدما بيَّن له أهل العلم أنه أخطأ فيها، فهذا هو حال الراوي الأول، أو النوع الأول من المصرِّين على الخطإ.

أما النوع الثاني: وهو من حدَّث بالشيء الذي أخطأ فيه، وهو لا يعلم ثم تبين وعلم فلم يرجع عنه، وتمادى في روايته لذلك الخطإ، بعد علمه، فهذا قد علم فعلًا أنه أخطأ وتيقن من ذلك، فتماديه في رواية ما يعلم هو أنه خطأ يكون كذبًا متعمَّدًا، لأنه يخبر بخلاف الواقع، وهو يعلم أنه كذب، ومثل هذا كذبٌ صريحٌ، والله أعلم. [15]

13 -حكمُ رواية من حَدَّثَ ونَسِيَ [16] :

إذا رَوَى ثقة عن ثقة حديثا, ثمَّ نفاه المسمع لمَّا رُوجع فيه، فالمُخْتار عند المُتأخِّرين أنَّه إن كان جَازمًا بنفيه, بأن قال: ما رويته أو كذب عليَّ ونحوه, وجب ردُّه لتعارض قولهما, مع أنَّ الجاحد هو الأصل، ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الرَّاوي عنه ولا يثبت به جرحه, لأنَّه أيضًا مُكذِّبٌ لشيخه في نفيه لذلك, وليس قَبُول جرح كلٍّ منهما أولى من الآخر فتساقطا, فإن عاد الأصْل وحدَّث به, أو حدَّث فرع آخر ثقة عنه, ولم يُكذبه فهو مقبول. صرَّح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما [17]

لكن ينبغي أن يتنبه هنا إلى أمرٍ هام، وهو أن هذا الحكم إنما يكون إذا كان كلٌّ من الشيخ والراوي عنه ثقة، أما إذا كان أحدهما ضعيفًا، فلا تقبل دعواه، ويقدم قول الثقة.

فمثال ضعف الشيخ:

قال الحاكم في معرفة علوم الحديث (367) حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَطَاءٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ مَاتَ مَرِيضًا، مَاتَ شَهِيدًا، وَوُقِيَ فَتَّانَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ، وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ:"حَدِيثُ:"مَنْ مَاتَ مَرِيضًا، مَاتَ شَهِيدًا"، كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِيهِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَطَاءٍ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى"

وروى ابن الجوزي في الموضوعات (1739) بإسناده إلى ابن أبي سكينة الحلبي، قال: سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول: حدَّثتُ ابن جريج بهذا الحديث: (من مات مرابطا) فروى عني (من مات مريضا) وما هكذا حدثته.

قال ابن الجوزي: ابن جريج هو الصادق، وذلك لأن ابن أبي يحيى الأسلمي ضعيف، وابن جريج ثقة.

ومثال ضعف الراوي:

عن شعبة قال روى الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي سبعة أحاديث فلقيت الحكم فسألته عنها فقال ما حدثت بشيء منها.

والحسن بن عمارة ضعيف، بل متروك، والحكم بن عتيبة ثقة حافظ.

وهذه القصة تدلُّ على سوء حفظ الحسن بن عمارة، لأنه روى عن الحكم أحاديث لا أصل لها عنه، ولذا لما سئل الحكم عنها قال: ما سمعت بهذا شيئاَ.

فإن قيل: قد روى الخطيب في الكفاية (280) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ , قَالَ: سَأَلْتُ أَيُّوبَ بْنَ سُوَيْدٍ عَنِ الَّذِي كَانَ شُعْبَةُ يَطْعَنُ بِهِ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَقَالَ لِي:"كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ لَمْ يُحَدِّثْ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ , وَالْحَسَنُ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً , قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَقَالَ: إِنَّ الْحَكَمَ أَعْطَانِي حَدِيثَهُ عَنْ يَحْيَى فِي كِتَابٍ لِأَحْفَظَهُ فَحَفِظْتُهُ"

فإن قيل: أليس هذا كافيًا في تبرئة الحسن بن عمارة، إذ أنه صرح بأنه حفظ عن الحكم ما لم يحفظه غيره؟!

قلت: كلا، لأمور:

الأول: أنه رجل سيئ الحفظ، فمهما ادعى من شيء فلن يسمع له.

الثاني: أنه لم يحدث بها من الكتاب، بل من حفظه كما يفهم من كلامه، وقد مرَّ أنه سيئ الحفظ، فلا يؤمن عليه أن يخطئ فيدخل حديثا في حديث، أو يقلب بعض الأسانيد عن غير قصد.

الثالث: أن الحكم بن عتيبة لما سئل عن هذه الأحاديث أنكرها، وهو ثقة حجَّةٌ، فلا يردُّ قوله لقول الحسن بن عمارة الضعيف.

الرابع: أن هذه الأحاديث التي تفرد بها عن الحكم يحيى بن الجزار، وجدها الئمة أحاديث منكرة غير مستقيمة، وهذا أكبر دليل على الحكم لم يحدث بها، لأن الأحاديث المناكير لا تأتي إلا من الرجال المناكير كالحسن بن عمارة وأمثاله"التدريب هامش 1/ 561 - 562"

ومُقَابل المُختار في الأوَّل عدم رد المَرْوي.

واختارهُ السَّمعاني, وعزاهُ الشَّاشي للشَّافعي, وحكى الهِنْدي الإجْمَاع عليه.

وجزمَ المَاوردي والرُّوياني بأنَّ ذلك لا يقدح في صِحَّة الحديث, إلاَّ أنَّه لا يَجُوز للفرع أن يرويه عن الأصْل, فحصلَ ثلاثة أقْوَال.

وثَمَّ قولٌ رابع: أنَّهما يتعارضَان, ويُرجَّح أحدهما بطريقه, وصار إليه إمام الحرمين.

ومن شواهد القبول ما رواهُ الشَّافعي في المسند 175 أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:"كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالتَّكْبِيرِ". قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: ثُمَّ ذَكَرْتُهُ لِأَبِي مَعْبَدٍ بَعْدُ، فَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَهُ. قَالَ عُمَرُ: وَقَدْ حَدَّثَنِيهِ قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَصْدَقِ مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَأَنَّهُ نَسِيَهُ بَعْدَمَا حَدَّثَهُ إِيَّاهُ.

قال الخطيب في الكفاية:"1191 أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْمَتُّوثِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ، ثنا وَهْبٌ يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ , قَالَ:"كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا", قَالَ شُعْبَةُ: لَقِيتُهُ بِوَاسِطَ فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ"وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ بِمِثْلِ هَذَا وَشِبْهِهِ , فَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا , وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ الْعَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ , إِذَا كَانَ سَامِعُهُ حَافِظًا وَالنَّاسِي لَهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ عَدْلًا , وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ , وَزَعَمَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ الْخَبَرِ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ , وَلَا الْعَمَلُ بِهِ , قَالُوا: وَلِهَذَا لَزِمَ اطِّرَاحُ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَرْأَةِ تُنْكَحُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا , وَحَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ , لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِهِ لِمَا ذَكَرَاهُ , وَاعْتَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

(1) - الكفاية ص 150

(2) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 113)

(3) - اختصار علوم الحديث ص 81

(4) - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 327)

(5) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 247)

(6) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 7) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 260)

(7) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 23) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 8) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 267)

(8) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 8) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 5) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 204) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 152) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 345) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 268)

(9) - وفي الضعفاء للعقيلي:"مُوسَى بْنُ دِينَارٍ مَكِّيٌّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى، يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَا وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , وَأَبُو شَيْخٍ جَارِيَةُ بْنُ هَرِمٍ , فَكَتَبَ عَنْهُ فَجَعَلَ حَفْصُ يَضَعُ الْحَدِيثَ , فَيَقُولُ حَدَّثَتْكَ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ , عَنْ عَائِشَةَ بِكَذَا وَكَذَا , فَيَقُولُ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ , عَنْ عَائِشَةَ بِكَذَا وَكَذَا , وَيَقُولُ لَهُ وَحَدَّثَكَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ , وَيَقُولُ حَدَّثَكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ , فَلَمَّا فَرَغَ ضَرَبَ حَفْصٌ بِيَدِهِ إِلَى لَوْحِ جَارِيَةٍ , فَمَحَا مَا فِيهَا , قَالَ: فَقَالَ تَحْسُدُونِي بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ حَفْصٌ: لَا , وَلَكِنْ هَذَا يَكْذِبُ. قِيلَ لِيَحْيَى: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَلَمْ يُسَمِّهِ , قُلْتُ لَهُ يَوْمًا: يَا أَبَا سَعِيدٍ , لَعَلَّ عِنْدَ هَذَا الشَّيْخِ شَيْئًا , قَالَ: أَعْرِفُهُ , فَقَالَ: هُوَ مُوسَى بْنُ دِينَارٍ , قَالَ أَبُو حَفْصٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُحَدِّثُ عَنْ هَذَا الشَّيْخِ إِلَّا رَجُلَيْنِ: ابْنَ نُدْبَةَ , وَيُوسُفَ الشَّعْبِيَّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا صَالِحٌ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مُوسَى بْنِ دِينَارٍ الْمَكِّيِّ أَنَا , وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، فَجَعَلْتُ لَا أُرِيدُهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا لَقَّنَهُ , فَخَرَجْنَا فَأَتْبَعَنَا أَبُو شَيْخٍ , فَجَعَلْتُ أُبَيِّنُ لَهُ أَمَرَهُ , فَلَا يَقْبَلُ"

(10) - الكفاية (385)

(11) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 346) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 264) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 119) وتوضيح الأفكار - (ج 2 / ص 258) و الكفاية (391)

(12) - علم الحديث ص 155

(13) - المجحن 1/ 79

(14) - في التقييد ص 157

(15) - انظر المجروحين لابن حبان 1/ 78 - 79، وهامش التدريب 1/ 570 - 571 و سير أعلام النبلاء (12/ 319) وميزان الاعتدال - (ج 1 / ص 114)

(16) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 22) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 330) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 144) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 37)

(17) - البرهان في أصول الفقه - الرقمية - (ج 1 / ص 250) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 264)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت