فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 522

3-الإجازة [1] :

تعريفها: الإذن بالرواية لفظا أو كتابة.

وهي أضْرُب تسعة, وذكرها النووي كابن الصَّلاح [2] سَبْعة:

الأوَّل: أن يُجيز مُعينًا لمُعيَّن [3] :

كأجزتكَ أو أجزتكُم, أو أجزت فُلانا الفُلاني البخاري, أو ما اشتملت عليه فهرستي أي: جُملة عدد مَرْوياتي, قال صاحب «تثقيف اللِّسان» : الصَّواب أنَّها بالمُثَناة الفَوْقية, وقُوفًا وإدْمَاجًا, وربَّما وقفَ عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ, قال: ومعناها جُمْلة العدد للكتب, لفظة فارسية.

وهذا أعْلَى أضْرُبها أي الإجَازة المُجَرَّدة عن المُنَاولة, والصَّحيح الَّذي قالهُ الجمهور من الطَّوائف أهل الحديث وغيرهم واستقرَّ عليه العمل جَوَاز الرِّواية والعمل بها.

وادَّعى أبو الوليد البَاجي وعِيَاض الإجماع عليها, وقصر أبو مروان الطبني الصحَّة عليها [4] .

وأبْطَلَها جماعاتٌ من الطَّوائف, وهو إحْدَى الرِّوايتين عن الشَّافعيِّ, وقال بعضُ الظَّاهرية ومُتَابعيهم: لا يُعملُ بهَا كالمُرْسل, وهَذَا باطلٌ.

وأبطَلَها جماعات من الطَّوائف من المُحدِّثين كشُعبة - قال: لو جَازت الإجَازة لبَطَلت الرِّحلة - وإبراهيم الحَرْبي, وأبو نصر الوائلي, وأبي الشَّيخ الأصبهاني, والفقهاء, كالقاضي حُسَين, والمَاوردي, وأبي بكر الخَجَندي الشَّافعي, وأبي طاهر الدبَّاس الحَنَفي.

وعنهم أنَّ من قال لغيره: أجزتُ لكَ أن تروي عنِّي ما لم تَسْمع, فكأنَّه قال: أجزتُ لك أن تَكْذب عليَّ, لأنَّ الشَّرع لا يُبيح رِوَاية ما لم يَسْمع.

وهو إحدى الرِّوايتين عن الشَّافعي وحكاهُ الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يُوسف, ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك.

وقال ابن حزم: إنَّها بدعة غير جائزة. [5]

وقيل: إنَّ كان المُجيز والمُجَاز عالمين بالكتاب جَاز, وإلاَّ فلا, واختارهُ أبو بكر الرَّازي من الحَنفية.

وقال بعض الظَّاهرية ومُتَابعيهم: لا يعمل بها أي: بالمَرْوي بها كالمُرْسل مع جواز التحديث بها وهذا باطل لأنَّه ليس في الإجَازة ما يقدح في اتِّصال المنقول بها, وفي الثِّقة بها.

وعن الأوزاعي عكس ذلك, وهو العمل بها دون التحديث.

قال ابن الصَّلاح [6] : وفي الاحتجاج لتجويزها غُموض, ويتجه أن يُقال: إذا جاز له أن يروي عنه مروياته, فقد أخبره بها جُمْلة, فهو كما لو أخبره بها تفصيلًا, وإخباره بها غير متوقف على التصريح قَطْعًا, كما في القِرَاءة, وإنَّما الغرض حُصُول الإفهام والفهم, وذلك حاصلٌ بالإجَازة المُفْهمة.

قلت: قال استاذنا العتر - حفظه الله -:"إن العلماء اعتمدوا على الإجازة بعدما دون الحديث وكتب في الصحف وجمع في التصانيف، ونقلت تلك التصانيف والصحف عن أصحابها بالسند الموثوق الذي ينتهي بقراءة النسخة على المؤلف أو مقابلتها بنسخته، فأصبح من العسير على العالم كلما أتاه طالب من طلاب الحديث أن يقرأ الكتاب، فلجئوا إلى الإجازة."

فالإجازة فيها إخبار على سبيل الإجمال بهذا الكتاب أو الكتب أنه من روايته. فتنزل منزلة إخباره بكل الكتاب نظرا لوجود النسخ، فإن دولة الوراقين قد قامت بنشر الكتب بمثل ما تفعله المطابع الآن. ولهذا لا يجوز لمن حمل بالإجازة أن يروي بها إلا بعد أن يصحح نسخته على نسخة المؤلف، أو على نسخة صحيحة مقابلة على نسخة المؤلف، أو نحو ذلك مما نسخ وصحح على النسخ المقابلة المصححة." [7] "

وقال الخطيب في «الكِفَاية» :"وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي صِحَّةِ الْإِجَازَةِ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَذْكُورُ فِي الْمَغَازِي , حَيْثُ كَتَبَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كِتَابًا وَخَتَمَهُ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ , وَوَجَّهَهُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى نَاحِيَةِ نَخْلَةَ وَقَالَ لَهُ"لَا تَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ انْظُرْ فِيهِ

1006 أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ ح وَقَرَأْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ أَيْضًا ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ , عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ إِلَى نَخْلَةَ فَقَالَ لَهُ:"كُنْ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَنَا بِخَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ"وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقِتَالٍ , وَذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ , وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَيْنَ يَسِيرُ فَقَالَ:"اخْرُجْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ , حَتَّى إِذَا سِرْتَ يَوْمَيْنِ فَافْتَحْ كِتَابَكَ وَانْظُرْ فِيهِ , فَمَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَامْضِ لَهُ , وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى الذَّهَابِ مَعَكَ"فَلَمَّا سَارَ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ أَنِ: امْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ فَتَأْتِيَنَا مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ بِمَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ"فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَرَأَ الْكِتَابَ: سَمْعًا وَطَاعَةً , مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الشَّهَادَةِ فَلْيَنْطَلِقْ مَعِي , فَإِنِّي مَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَرْجِعْ , فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ مِنْكُمْ أَحَدًا , فَمَضَى مَعَهُ الْقَوْمُ"وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ

(1007) أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ الْبَزَّازُ , وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُؤْمِنِ الْعَطَّارُ , قَالَا: ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ ، ثنا أَبِي ، ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ الْحَضْرَمِيِّ , عَنْ أَبِي السَّوَّارِ , عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَهْطًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ , قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقَ لِيَتَوَجَّهَ لَكِنَّهُ بَكَى صَبَابَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَانَهُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ , وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا , وَأَمَرَهُ أَلَّا يَقْرَأَهُ إِلَّا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا , وَقَالَ:"لَا تُكْرِهَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ"فَلَمَّا صَارَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَرَأَ الْكِتَابَ وَاسْتَرْجَعَ , فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ - وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ"وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ , مِمَّنْ كَانَ يَرَى وُجُوبَ الْعَمَلِ بِحَدِيثِ الْإِجَازَةِ بِمَا اشْتُهِرَ نَقْلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَبَ سُورَةَ بَرَاءَةَ فِي صَحِيفَةٍ وَدَفَعَهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , ثُمَّ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَذَهَا مِنْهُ , وَلَمْ يَقْرَأْهَا عَلَيْهِ وَلَا هُوَ أَيْضًا قَرَأَهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ فَفَتَحَهَا وَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ , فَصَارَ ذَلِكَ كَالسَّمَاعِ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ . سَأَلْتُ أَبَا نُعَيْمٍ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظَ قُلْتُ لَهُ: مَا تَرَى فِي الْإِجَازَةِ ؟ فَقَالَ: الْإِجَازَةُ صَحِيحَةٌ يُحْتَجُّ بِهَا , وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ شُيُوخِنَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى الْإِجَازَةَ وَيَسْتَعْمِلُهَا , سِوَى أَبِي شَيْخٍ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَعُدُّهَا شَيْئًا , قَالَ الْخَطِيبُ: أَبُو شَيْخٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ الْأَصْبَهَانِيُّ , وَمِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ يُصَحِّحُ الْعَمَلَ بِأَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ وَيَرَى قَبُولَهَا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ , وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ , وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ , وَقَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ , وَمَكْحُولٌ الشَّامِيُّ , وَأَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ , وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ , وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ , وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ , وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ , وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ , وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ , وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ , وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ , وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ , وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , وَأَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ , وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَمُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ , وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ , وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ , وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ , وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ , وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ ، وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ .".

وقال الرَّامهرمزي 472 حَدَّثَنَا السَّاجِيُّ ، ثَنَا دَاوُدُ الْأَصْبَهَانِيُّ ، قَالَ: قَالَ لِي حُسَيْنٌ الْكَرَابِيسِيُّ ، لَمَّا قَدِمَ الشَّافِعِيُّ قَدْمَتَهُ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ:"أَتَأْذَنُ لِي أَقْرَأُ عَلَيْكَ الْكُتُبَ ؟ فَأَبَى ، وَقَالَ: خُذْ كُتُبَ الزَّعْفَرَانِيِّ فَانْسَخْهَا ، فَقَدْ أَجَزْتُهَا لَكَ فَأَخَذَهَا إِجَازَةً".

أمَّا الإجَازة المُقْترنة بالمُنَاولة فستأتي في القِسْم الرَّابع.

تنبيه:

إذا قُلنا بصحَّة الإجَازة, فالمُتبادر إلى الأذْهَان أنَّها دُون العرض, وهو الحق, وقد حكى الزَّركشي في ذلك مذاهب.

ثانيها - ونسبهُ لأحمد بن مَيْسرة المَالكي -: أنَّها على وجهها خير من السَّماع الرَّديء, قال: واخْتَار بعض المُحقِّقين تفضيل الإجَازة على السَّماع مُطْلقًا.

ثالثها: أنَّهما سَوَاء حكى ابن عات في «رَيْحَانة النَّفس» عن عبد الرَّحمن بن أحمد بن بَقِي بن مَخْلد أنَّه كان يَقُول: الإجَازة عِنْدي وعند أبي وجَدِّي كالسَّماع.

وقال الطُّوفي: الحق التَّفصيل, ففي عصر السَّلف السَّماع أولى, وأمَّا بعد أن دُوِّنت الدَّواوين, وجُمعت السُّنن واشتهرت, فلا فرق بينهما.

الثَّالث: يُجيزُ غيرَ مُعيَّن بوصفِ العُمُوم, كأجزتُ المُسْلمين, أو كلَّ أحد, أو أهلَ زَمَاني, وفيه خِلافٌ للمتأخِّرين, فإن قَيَّدها بوصف حَاصرٍ, فأقربُ إلى الجَوَاز.

الضَّرب الثَّاني: يُجيز مُعينا غيره [8]

أي غير مُعين كأجزتك أو أخبرتكم جميع مسموعاتي أو مروياتي فالخلاف فيه أي في جَوَازها أقوى وأكثر من الضَّرب الأوَّل.

والجمهُور من الطَّوائف جوزوا الرِّواية بها فأوجبوا العمل بما رُوي بها بشرطه.

الثَّالث: يُجيز غير مُعيَّن بوصْفِ العُموم [9]

كأجزت جميع المسلمين, أو كل أحد, أو أهل زماني, وفيه خلاف للمتأخِّرين, فإن قيَّدها أي: الإجازة العامة بوصف حاصر كأجزتُ طَلَبة العِلْم ببلد كَذَا, أو من قرأ عليَّ قبل هذا فأقرب إلى الجَوَاز من غير المُقيدة بذلك.

بل قال القاضي عياض [10] : ما أظنهم اختلفُوا في جواز ذلك, ولا رأيت منعه لأحد, لأنَّه محصور موصوف, كقوله: لأولاد فُلان, أو إخوة فُلان.

واحترز بقوله: حاصر, ما لا حصر فيه, كأهل بلد كذا, فهو كالعامة المُطْلقة.

وأفرد القَسْطلاني هذه بنوع مُستقل, ومثَّله بأهل بلد مُعيَّن, أو إقليم, أو مَذْهب مُعيَّن.

ومن المُجوِّزين للعامة المُطلقة القاضي أبو الطَّيب الطَّبري والخطيب البغدادي وأبو عبد الله بن مَنْده وأبو عبد الله ابن عتَّاب, والحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطَّار الهمذاني وآخرون كأبي الفضل بن خيرون, وأبي الوليد ابن رشد, والسَّلفي, وخلائق جمعهم بعضهم في مُجلد, ورتَّبهم على حروف المعجم لكثرتهم.

قال الشَّيخ ابن الصَّلاح [11] ميلًا إلى المَنْع: ولم نَسْمع عن أحد يُقتدى به الرِّواية بهذه قال: والإجَازة في أصلها ضعيفة, وتَزْداد بهذا التَّوسع والاسْترسَال ضعفًا كثيرًا.

قال النووي قلت: الظَّاهر من كلام مُصححها جَوَازُ الرِّواية بها, وهذا يقتضي صحتُها, وأيُّ فائدة لها غير الرِّواية بها وكذا صرَّح في «الرَّوضة» بتصحيح صحتها.

قال العِرَاقيُّ [12] : ومِمَّنْ حَدَّثَ بِهَا مِنَ الحُفَّاظِ: أبو بكرِ بنُ خيرٍ الإشبِيليُّ ، ومن الحفَّاظِ المتأخرينَ: الحافظُ شرفُ الدينِ عبدُ المؤمنِ بنُ خَلَفٍ الدمياطيُّ ، بإجازَتِهِ العامةِ من المؤيِّدِ الطوسيِّ.وسمعَ بِهَاالحفَّاظُ: أبو الحجَّاجِ المِزِّيُّ ، وأبو عبدِ اللهِ الذهبيُّ ، وأبو محمدٍ البِرْزَاليُّ عَلَى الركْنِ الطَّاوسي بإجازتِهِ العامَّةِ من أبي جعفرٍ الصَّيدلانيِّ وغَيرِهِ . وقرأَ بِهَا الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ عَلَى أبي العباسِ بنِ نعمةَ بإجازتهِ العامَّةِ من داودَ بنِ مَعْمَرِ بنِ الفاخرِ . وقرأْتُ بِهَا عدَّةَ أجزاءٍ عَلَى الوجيهِ عبدِ الرحمنِ العوفيِّ بإجازتِهِ العامَّةِ من عبدِ اللَّطيفِ بنِ القُبَّيْطِيِّ ، وأبي إسحاقَ الكَاشْغَرِيِّ ، وابنِ رواجِ ، والسِّبْطِ ، وآخرينَ من البغداديِّينَ والمصريِّينَ . وفي النفسِ من ذَلِكَ شئٌ وأنا أَتوقفُ عن الروايةِ بِهَا، وأهلُ الحديثِ يقولونَ:إذا كتبتَ فَقَمِّشْ ، وإذا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ. والإجازةُ العامَّةُ إذا قُيِّدَتْ بوصفٍ حاصرٍ ، فهي إلى الجوازِ أقربُ.. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر [13] :"وكلُّ ذلك - كما قالَ ابنُ الصَّلاحِ - توسُّعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ [14] ؛ لأنَّ الإِجازةَ الخاصَّةَ المعيَّنَةَ مُخْتَلَفٌ في صحَّتِها اختِلافًا قويًّا عندَ القُدماءِ ، وإِنْ كانَ العملُ (( قد ) )استقرَّ على اعْتبارِها عندَ المتأَخِّرينَ ، فهِيَ دونَ السَّماعِ بالاتِّفاقِ ، فكيفَ إِذا حصَلَ فيها الاسترسالُ المَذكورُ ؟! فإِنَّها تَزدادُ ضَعفًا ، لكنَّها في الجُملةِ خيرٌ مِن إِيرادِ الحَديثِ مُعْضلًا ، واللهُ (( تعالى ) )أَعلمُ .."

قال البَلْقيني [15] : وما قيل من أنَّ أصل الإجَازة العامة ما ذكرهُ أحمد في مسنده مسند أحمد (131) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِىِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ اعْلَمُوا أَنِّى لَمْ أَقُلْ فِى الْكَلاَلَةِ شَيْئًا وَلَمْ أَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِى أَحَدًا وَأَنَّهُ مِنْ أَدْرَكَ وَفَاتِى مِنْ سَبْىِ الْعَرَبِ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَشَرْتَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لائْتَمَنَكَ النَّاسُ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَائْتَمَنَهُ النَّاسُ. فَقَالَ عُمَرُ قَدْ رَأَيْتُ مِنْ أَصْحَابِى حِرْصًا سَيِّئًا وَإِنِّى جَاعِلٌ هَذَا الأَمْرَ إِلَى هَؤُلاَءِ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ لَوْ أَدْرَكَنِى أَحَدُ رَجُلَيْنِ ثُمَّ جَعَلْتُ هَذَا الأَمْرَ إِلَيْهِ لَوَثِقْتُ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. [16]

.ليس فيه دلالة, لأنَّ العتق النافذ لا يحتاج إلى ضبط, وتحديث, وعمل, بخلاف الإجَازة ففيها تحديث, وعمل, وضبط, فلا يصح أن يَكُون ذلك دليلًا لهذا, ولو جُعل دليله ما صحَّ من قول النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: « بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [17] ., لكان له وجه قوي. انتهى.

فائدة:

قال شيخ الإسلام- الحافظ ابن حجر - في «معجمه» : كان محمَّد بن أحمد بن عرَّام الإسكندري يقول: إذَا سمعت الحديث من شيخ, وأجازنيه شيخ آخر, سمعه من شيخ, رواه الأوَّل عنه بالإجَازة, فشيخ السَّماع يروي عن شيخ الإجَازة, وشيخ الإجَازة يرويه عن ذلك الشيخ بعينه بالسَّماع, كان ذلك في حُكم السَّماع على السَّماع. انتهى. [18]

وشيخ الإسْلام يصنع ذلك كثيرًا في أماليه وتخاريجه.

قلت: فظهرَ لي من هذا القول أن يُقال: إذا رويت عن شيخ بالإجَازة الخاصة, عن شيخ بالإجَازة العامة, وعن آخر بالإجَازة العامة, عن ذلك الشيخ بعينه بالإجَازة الخاصة, كان ذلك في حُكم الإجازة الخاصة, عن الإجازة الخاصة.

مثال ذلك: أن أروي عن شيخنا أبي عبد الله محمَّد بن محمد التنكزي, وقد سمعتُ عليه, وأجاز لي خاصِّة عن الشَّيخ جمال الدِّين الأسْنوي, فإنَّه أدركَ حياتهُ ولم يجزهُ خاصة, وأروي عن الشَّيخ أبي الفَتْح المَرَاغي بالإجَازة العامة, عن الأسْنوي بالخاصة.

الرَّابع إجَازة لمُعيَّن بمجهول من الكتب أو إجَازة بمعين من الكتب له أي لمجهول من النَّاس [19]

كأجزتُكَ كتاب السُّنن, وهو يروي كُتبًا في السُّنن أو أجزتك بعض مسموعاتي أو أجزتُ محمَّد بن خالد الدِّمشقي, وهناك جماعة مُشتركون في هذا الاسم ولا يتضح مُراده في المسألتين فهي باطلة، فإن اتَّضح بقرينة فصحيحة.

فإن أجَاز لجماعة مُسَّمين في الإجازة أو غيرها, ولم يعرفهم بأعيانهم, ولا أنْسَابهم, ولا عددهم, ولا تصفحهم وكذا إذا سمَّي المسؤول له ولم يعرف عينه صحَّت الإجَازة كسماعهم منهُ في مَجْلسه في هذا الحال أي: وهو لا يعرف أعيانَهم, ولا أسْمَاءهم, ولا عددهم.

وأمَّا أجزتُ لمن يشاء فُلانٌ, أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق بشرط, ولذلك أُدخل في ضرب الإجَازة المَجْهُولة.

والعِرَاقي [20] أفردهُ, كالقَسْطلاني بضربٍ مُستقلٍّ, لأنَّ الإجَازة المُعلَّقة قد لا يكون فيها جَهَالة, كما سيأتي.

فالأظْهر بُطْلانه للجهل, كقوله: أجزتُ لبعض النَّاس وبه قطعَ القَاضي أبو الطَّيب الشَّافعي.

قال الخطيب: وحُجتهم القياس على تعليق الوكالة.

وصحَّحه أي: هذا الضَّرب من الإجَازة أبو يَعْلى ابن الفَرَّاء الحنبلي, وأبو الفضل محمد بن عُبيد الله بن عمروس المَالكي وقال: إنَّ الجَهَالة ترتفع عند وجُود المَشيئة ويتعيَّن المُجَازُ له عندها.

(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 30) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 15) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 9) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) والوجيز في ذكر المجاز والمجيز - (ج 1 / ص 1) والحد الفاصل - (ج 1 / ص 435) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 171) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 302) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 425) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 298)

(2) - علوم الحديث ص 180- 190

(3) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 10) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 298) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 47)

(4) - الإلماع ص 89- 90

(5) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 485)

(6) - علوم الحديث ص181

(7) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 216)

(8) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 10) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 300)

(9) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 10) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 300)

(10) - الإلماع ص 106

(11) - علوم الحديث ص 184

(12) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 137)

(13) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 41) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 31)

(14) - هذا التوسع من باب توسيع العلم ونشره ونقله وإلا فلا تعتبر إجازة ولكن تفيد أن هذا الكتاب كتابه وأذن في روايته ولكن لا يقول أجازني لأنه ما أجازه .

(15) - في محاسن الاطلاع ص 268

(16) - وهو حديث حسن

(17) - صحيح البخارى (3461 )

(18) - في المجمع المؤسس للحافظ ابن حجر 2/639:"سمع من ابن عرَّام شيخُنا العراقيُّ ، وذكر لي عنه ، انه كان يقول: السماع عن إجازة ، والإجازةُ عن سماعٍ ، ينزل منزلة السماعِ المتصلِ"

(19) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 303)

(20) - التبصرة 2/69

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت