واحتج ابن الفَرَّاء لذلكَ كما في السنن الكبرى للنسائي (7374) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَهْبُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي يَعْقُوبَ ، يُحَدِّثُ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَيْشًا ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ:"إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ ، أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَتَى خَبَرُهُمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،.." ( وهو صحيح) . فعلَّق التأمير.
قال: وسمعتُ أبا عبد الله الدَّامغاني يُفرِّق بينها وبين الوكَالة, بأن الوكيل يَنْعزل بعزل المُوكل له, بخلاف المُجَاز.
قال العِرَاقيُّ [1] : وقد استعمل ذلك من المُتقدِّمين: الحافظ أبو بكر بن أبي خَيْثمة صاحب «التاريخ» وحفيد يعقُوب بن شيبة [2] .
فإن عُلِّقت بمشيئة مُبهم, بطلت قطعًا.
قال العراقي: [3] "وأمَّا إذا كانَ الْمُعَلَّقُ هُوَ الروايةَ كقولهِ: أجزتُ لمنْ شاءَ الروايةَ عنِّي ، أَنْ يرويَ عنِّي ، فقالَ ابنُ الصَّلاحِ: هذا أَولى بالجوازِ من حيثُ إِنَّ مُقْتَضَى كُلِّ إِجازةٍ تفويضُ الروايةِ بها إلى مشيئةِ المجُازِ لَهُ ، فكانَ هذا مَعَ كونِهِ بصيغةِ التعليقِ تصريحًا بما يقتضيهِ الإطلاقُ ، وحكايةً للحالِ ، لا تعليقًا في الحقيقةِ . قالَ: ولهذا أجازَ بعضُ أَئِمَّةِ الشَّافعيِّيْنَ في البيعِ أن يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هذا بكذا إِن شئتَ ، فيقولُ: قَبِلْتُ. قُلْتُ: الفَرْقُ بَيْنَهُمَا تَعْيِيْنُ الْمُبتاعِ هنا ، بخلافِهِ في الإجازةِ، فإنَّهُ مُبْهَمٌ . نَعَمْ .. وِزَانُهُ في الإجازةِ أَنْ يقولَ: أجزتُ لك أَنْ ترويَ عَنِّي إِنْ شئتَ الروايةَ عنِّي . وأمَّا المثالُ الذي ذكرهُ فالتعليقُ وإِنْ لم يَضُرَّهُ فالجهالةُ مُبطِلةٌ لَهُ . وكذلكَ ما وُجِدَ بخطِ أبي الفتحِ الأَزْدِيِّ: أجزتُ روايةَ ذلكَ لجميعِ مَنْ أَحبَّ أَنْ يرويَ ذلكَ عنِّي . وأمَّا تعليقُ الروايةِ مَعَ التصريحِ بالمجُازِ لَه وتعيينِهِ ، كقولِهِ: أجزتُ لكَ كذا وكذا إِنْ شئتَ روايتَهُ عَنِّي ، أو أَجَزْتُ لكَ إِنْ شِئْتَ أَنْ ترويَ عَنِّي ، أو أجزْتُ لفلانٍ إِنْ شَاْءَ الروايةَ عَنِّي ، ونحوَ ذلكَ ؛ فالأظهرُ الأقوى أَنَّ ذلك جائزٌ إذْ قد انتفتْ فيه الجَهالةُ ، وحقيقةُ التعليقِ ، وَلَمْ يَبْقَ سوى صِيغتِهِ ."
وكذا قال البَلْقيني في «محاسن الاصطلاح» [4] وأيَّد البُطْلان في المسألة الأولى, ببطلان الوصية والوكالة فيما لو قال: وصَّيت بهذه لمن يشاء, أو وكلت في بيعها من شاء أن يبيعها. قال: وإذا بطلَ في الوصية, مع احتمالها ما لا يحتمله غيرها, فهنا أولى.
ولو قال: أجزتُ لفلان كذا إن شَاء روايته عنِّي, أو لك, إن شئتَ, أو أحببتَ أو أردت, فالأظهر جَوَازه كما تقدَّم.
الخامس: الإجَازةُ للمعدوم [5] :
كأجزتُ لمن يُولد لفلان, واختلف المتأخِّرون في صحتها, فإن عطفهُ على موجود, كأجزتُ لفُلان ومن يُولد له, أو لك ولولدك ولعقبك ما تَنَاسلُوا, فأولَى بالجَوَاز ممَّا إذا أفرده بالإجَازة, قياسًا على الوقف.
وفعل الثَّاني من المُحدِّثين الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي داود السِّجستاني, فقال وقد سُئل الإجَازة: قد أجزت لكَ, ولأولادك, ولحبل الحبلة. يعني الَّذين لم يُولدوا بعد.
قال البَلْقيني [6] : ويُحتمل أن يَكُون ذلك على سبيل المُبَالغة, وتأكيد الإجَازة, وصرَّح بتصحيح هذا القسم القَسْطلاني في «المنهج» .
وأجَاز الخَطيب الأوَّل أيضًا وألَّف فيها جُزءا, وقال: إنَّ أصحاب مالك وأبي حنيفة أجَازُوا الوقف على المعدُوم, وإن لم يكن أصله موجودًا.
قال: وإن قيلَ: كيف يصحُّ أن يَقُول: أجَازني فُلان, ومولده بعد موته؟, يُقَال: كما يصحُّ أن يقول: وقف عليَّ فُلانٌ, ومولده بعد موته.
قال: ولأنَّ بُعد أحد الزَّمانين من الآخر, كبعدِ أحد الوطنينِ من الآخر.
وحكاه أي الصحَّة, فيما ذكر عن ابن الفَرَّاء الحنبلي وابن عمرُوس المالكي, ونسبه عياض لمُعظم الشيوخ.
وأبْطَلها القَاضي أبو الطَّيب وابن الصَّباغ الشَّافعيان, وهو الصَّحيح الَّذي لا ينبغي غيره لأنَّ الإجَازة في حُكم الإخبار جملةً بالمُجَاز, فكما لا يصحُّ الإخبار للمعدُوم, لا تصحُّ الإجَازة له.
أمَّا إجَازة من يُوجد مُطلقًا, فلا يَجُوز إجْمَاعًا.
وأمَّا الإجَازة للطِّفل الَّذي لا يُميِّز فصحيحةٌ, على الصَّحيح, الَّذي قطعَ به القاضي أبو الطَّيب والخطيب ولا يُعتبر فيه سِنٌّ ولا غيرهُ خِلافًا لبعضهم حيث قال: لا يصحُّ, كما لا يصحُّ سماعه, ولمَّا ذكر ذلك لأبي الطَّيب قال: يصح أن يُجيز للغائب, ولا يصحُّ سماعهُ.
وقال الخطيب في الكفاية 1052 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْبَادَا , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ شَاذَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُدَ ، وَسُئِلَ عَنِ الْإِجَازَةِ , فَقَالَ:"قَدْ أَجَزْتُ لَكَ وَلِأَوْلَادِكَ وَلِحَبَلِ الْحَبَلَةِ ، يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ"قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ طَاهِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيَّ عَنِ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ , هَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهَا سِنُّهُ أَوْ تَمْيِيزُهُ , كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِهِ ؟ فَقَالَ: لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ , وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَلَى هَذَا صِحَّةَ الْإِجَازَةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا فِي الْحَالِ , مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي لِلطَّالِبِ: أَجَزْتُ لَكَ وَلِمَنْ يُولَدُ لَكَ , فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ , لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ لِمَنْ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ , فَقَالَ: قَدْ يَصِحُّ أَنْ يُجِيزَ لِلْغَائِبِ عَنْهُ , وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ مِنْهُ لِمَنْ غَابَ عَنْهُ - أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ . قَالَ الخطيب: وَالْإِجَازَةُ إِنَّمَا هِيَ إِبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ لَهُ رِوَايَةَ مَا يَصِحُّ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ , وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِ الْعَاقِلِ , وَلَيْسَ نُرِيدُ بِقَوْلِكَ: الْإِبَاحَةُ الْإِعْلَامَ , وَإِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ مَا يُضَادُّ الْحَظْرَ وَالْمَنْعَ , وَعَلَى هَذَا رَأَيْنَا كَافَّةَ شُيُوخِنَا يُجِيزُونَ لِلْأَطْفَالِ الْغُيَّبِ عَنْهُمْ , مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مَبْلَغِ أَسْنَانِهِمْ وَحَالِ تَمْيِيزِهِمْ , وَلَمْ نَرَهُمْ أَجَازُوا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا فِي الْحَالِ , وَلَوْ فَعَلَهُ فَاعِلٌ لَصَحَّ لِمُقْتَضَى الْقِيَاسِ إِيَّاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قال ابن الصَّلاح [7] : كأنَّهم رأوا الطِّفل أهلًا لتحمُّل هذا النَّوع, ليؤدي به بعد حُصول الأهلية, لبقاء الإسْنَاد, وأمَّا المُميِّز فلا خلاف في صحَّة الإجَازة له.
تنبيه:
أدمجَ المُصنِّف كابن الصَّلاح مَسْألة الطِّفل في ضرب الإجَازة للمعدُوم, وأفردهَا القَسْطلاني بنوع, وكذا العِرَاقي, وضمَّ إليها الإجَازة للمجنُون, والكافر, والحمل.
وقال العراقي [8] :"فأمَّا المجنُون فالإجَازة له صحيحة, وقد تقدَّم ذلك في كلام الخطيب."
وأمَّا الإجازةُ للكافرِ فلم أجدْ فيها نَقْلًا ، وقد تَقَدَّمَ أَنَّ سماعَهُ صحيحٌ ولم أَجدْ عن أَحدٍ من المتقدِّمِيْنَ والمتأخِّرِينَ الإجازةَ للكافرِ ، إلاَّ أنَّ شخصًا من الأَطباءِ بدمشقَ ممن رأيتُهُ بدمشقَ ولم أسمعْ عليهِ ، يُقالُ لهُ محمَّدُ بنُ عبدِ السيدِ بنِ الدَّيَّانِ ، سَمِعَ الحديثَ في حالِ يهوديتِهِ على أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ عبدِ المؤمنِ الصوريِّ ، وكتبَ اسمهُ في طبقةِ السماعِ معَ السامعينَ وأَجازَ ابنُ عبدِ المؤمن لمنْ سمعَ وهوَ من جملتهِم . وكَاْنَ السماعُ والإجازةُ بحضورِ الحافظِ أبي الحجاجِ يوسف بنِ عبدِ الرحمنِ المِزِّيِّ ، وبعضُ السماعِ بقراءتهِ وذلكَ في غيرِ ما جزءٍ منها:"جزءُ ابنِ عترةَ"فلولاَ أنَّ المِزِّيَّ يرى جوازَ ذلكَ ما أَقرَّ عليهِ. ثُمَّ هَدَى اللهُ ابنَ عبدِ السيدِ المذكورِ للإِسلامِ وحَدَّثَ وسَمِعَ منهُ أصحابُنا.
ومن صُوَرِ الإجازةِ لغيِر أهلِ الأداءِ الإجازةُ للمَجْنُونِ ، وهيَ صحيحةٌ وقد تقدَّمَ ذكرُها في كلامِ الخطيبِ . ومِنْ صُوَرِها الإجازةُ للفاسقِ والمبتدعِ ، والظاهرُ جوازُها ، وأولَى من الكافرِ ، فإذا زالَ المانعُ من الأَداءِ صحَّ الأداءُ ، كالسماعِ سواءٌ . وأمَّا الإجازةُ للحَمْلِ فلَمْ أَجدْ فيها أيضًا نَقْلًا غيرَ أنَّ الخطيبَ قالَ:لَمْ أَرَهُم أجازُوا لمنْ لَمْ يكنْ مولودًا في الحالِ ، ولم يَتَعَرَّضْ ؛ لكونهِ إذا وقعَ تصحُّ أو لا ؟ ولا شكَّ أَنَّهُ أولى بالصِّحَّةِ مِنَ المعدومِ . والخطيبُ يرى صحتَها للمعدومِ - كما تقدَّمَ - وقدْ رأيتُ بعضَ شيوخِنَا المتأخِّرِينَ سُئِلَ الإجازةَ لِحَمْلٍ بعدَ ذِكْرِ أبويهِ قبلَهُ وجماعةٍ معهُم ، فأجازَ فيها ، وهوَ الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ . ورأيتُ بعضَ أهلِ الحديثِ قدْ احترزَ عنِ الإجازةِ لهُ ، بلْ عَمَّنْ لَمْ يُسمَّ في الإجازةِ ، وإِنْ كانَ موجودًا ، فكتبَ: أجزْتُ للمسمِّيْنَ فيهِ ، وهوَ المحدِّثُ الثقةُ أبو الثناءِ محمودُ بنُ خَلَفٍ المنبجيُّ . ومَنْ عَمَّمَ الإجازَةَ للحَمْلِ وغيرِهِ أَعْلَمُ وأَحفظُ وأَتقنُ . إلا أنهُ قد يُقالُ: لعلَّهُ ما اصَّفَّحَ أسماءَ الإجازةِ حتى يَعلمَ هلْ فيها حملٌ أم لا ؟ فقدْ تقدَّمَ أَنَّ الإجازةَ تصحُّ وإِنْ لَمْ يَتَصَفَّحِ الشيخُ الْمُجيزُ أسماءَ الجماعةِ المسؤولِ لَهُمْ الإجازةَ . إلاَّ أَنَّ الغالبَ أَنَّ أَهْلَ الحديثِ لا يُجيزونَ إلاَّ بعدَ نَظَرِ المسؤولِ لَهُمْ ، كَمَا شاهدناهُ مِنْهُمْ . قلتُ: وينبغي بناءُ الحكمِ في الإجازةِ للحملِ عَلَى الخلافِ في أَنَّ الحَمْلَ هلْ يُعْلَمُ أو لا ؟ فإِن قلنا: إِنَّه لا يُعلمُ ، فتكونُ كالإجازَةِ للمعدومِ ويجري فيهِ الخلافُ وإِن قُلنا: إِنَّهُ يُعْلَمُ - وهو الأَصَحُّ كما صحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ - صَحَّتِ الإجازةُ . ومعنى قولهِم: إِنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ ، أي: يُعامَلُ مُعامَلةَ المعلومِ وإِلاَّ فقدْ قالَ إِمامُ الحرمينِ: لا خلافَ أَنَّهُ لا يُعلمُ وقد جزمَ بهِ الرافعيُّ بعد هذا بنحوِ صفحةٍ في أثناءِ فَرقٍ ذَكَرَهُ .اهـ
وذكر ولدهُ الحافظ ولي الدِّين أبو زُرْعة في فَتَاويه المَكية, وهي أجْوبة أسئلة, سألهُ عنها الحافظ أبو الفَضْل الهَاشمي أنَّ الجَوَاز فيما بعد نفخ الرُّوح أوْلَى, وأنَّها قبل نفخ الرُّوح مُرتبة مُتوسطة بينها وبين الإجَازة للمعدُوم, فهي أوْلَى بالمَنْع من الأولى وبالجَوَاز من الثَّانية.
السَّادس: إجَازة ما لم يتحمَّله المُجيز بوجه من سماع أو إجازة ليرويهُ المُجَاز له إذا تحمَّله المُجيز [9]
قال القاضي عياض في كتابه «الإلماع» [10] : هذا لم أر من تكلَّم فيه من المشايخ.
قال: ورأيتُ بعض المتأخِّرين والعصريين يصنعونه, ثمَّ حكى عن قاضي قُرطبة أبي الوَليد يُونس بن مغيث منع ذلك لما سأله وقال: يُعطيك ما لم يأخذ؟ هذا مُحَال.
قال عياض: و هذا هو الصَّحيح فإنَّه يُجيز ما لا خبر عنده منه, ويأذن له بالتَّحديث بما لم يحدث به, ويُبيح ما لم يعلم هل يصح له الإذن فيه؟!.
قال النووي: وهذا هو الصَّواب.
وقال ابن الصَّلاح [11] : يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ بِالْمُجَازِ جُمْلَةً ، أَوْ هِيَ إذْنٌ ، فَلَا يَصِحُّ إنْ جُعِلَتْ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ ، إذْ كَيْفَ يُجِيزُ مَا لَا خَبَرَ عِنْدَهُ مِنْهُ ؟ وَإِنْ جُعِلَتْ إذْنًا بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَصْحِيحِ الْوَكَالَةِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوَكِّلُ ، وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ هَذِهِ الْإِجَازَةِ.اهـ
وكذا قال القَسْطلاني: الأصح البُطْلان, فإنَّ ما رواهُ داخلٌ في دائرة حصر العلم بأصله, بخلاف ما لم يروه, فإنَّه لم يَنْحصر.
فَعَلَى هذا يَتعيَّنُ على من أرادَ أنْ يروي عن شيخٍ أجَاز له جميع مَسْمُوعاته أن يبحثَ حتَّى يعلم أنَّ هَذَا مِمَّا تحمَّلهُ شيخهُ قبل الإجَازة, وأمَّا قولُهُ: أجزتُ لكَ ما صحَّ, أو يصحُّ عندكَ من مَسْمُوعَاتي, فصحيحٌ تَجُوزُ الرِّواية به لِمَا صحَّ عندهُ سماعُهُ له قبل الإجَازة, وفعلهُ الدَّارقُطني وغيرهُ.
السَّابع: إجَازة المُجَاز: [12]
كأجزتك مُجَازاتي أو جميع ما أجيز روايته فمنعهُ بعض من لا يعتد به وهو الحافظ أبو البركات عبد الوهَّاب بن المُبَارك الأنْمَاطي شيخ ابن الجَوْزي, وصنَّف في ذلك جُزءًا, لأنَّ الإجَازة ضعيفة فيقوَّى الضعف باجتماع إجَازتين.
والصَّحيح الَّذي عليه العمل جَوَازه, وبه قطع الحُفَّاظ أبو الحسن الدَّارقُطْني و أبو العَّباس ابن عُقْدة, وأبو نُعيم الأصْبَهاني وأبو الفتح نصر المَقْدسي وفعله الحاكم, وادَّعى ابن طاهر الاتِّفاق عليه.
وكان أبو الفتح نصر المَقْدسي يروي بالإجَازة عن الإجَازة, وربَّما والَى بين ثلاث إجَازات, وكذلك الحافظ أبو الفتح بن أبي الفَوَارس, والَى بين ثلاث إجَازات, ووالَى الرَّافعي في أمَاليه بين أرْبع أجَائز, والحافظ قُطْب الدِّين الحَلَبي بين خَمْس أجَائز في «تاريخ مصر» وشيخ الإسْلام في أماليه بين ست.
وينبغي للرَّاوي بها أي بالإجَازة عن الإجَازة تأمُّلها أي تأمَّل كيفية إجَازة شيخ شيخه لشيخه, ومُقْتضَاها لئلا يروي بها ما لم يدخُل تحتها فربَّما قيَّدها بعضهم بما صحَّ عند المُجَاز لهُ أو بما سمعهُ المُجِيز ونحو ذلك.
فإن كانت إجَازةُ شيخِ شيخه: أجزتُ له ما صحَّ عنده من سَمَاعي, فرأى سماع شيخ شيخه, فليس له روايته عن شيخه عنهُ, حتَّى يعرف أنَّه صحَّ عند شيخه, كونه من مسموعات شيخه وكذا إن قيَّدها بما سمعهُ لم يعتد إلى مُجَازاته وقد زلَّ غيرُ واحد من الأئمة بسبب ذلك.
قال العِرَاقي [13] : وكانَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ دقيقِ العيدِ ، لا يُجيزُ روايةَ سماعِهِ كُلِّهِ بلْ يُقَيّدُهُ بما حَدَّثَ بهِ مِنْ مَسْمُوْعَاتهِ ، هكذا رأيتُهُ بخطِّهِ في عِدَّةِ إجازاتٍ ، ولم أَرَ لهُ إجازةً تَشملُ مسموعَهُ ؛ وذلك أَنَّهُ كَاْنَ شكَّ في بعضِ سماعاتهِ فَلَمْ يحدِّثْ بِهِ وَلَمْ يُجزْهُ ، وَهُوَ سماعُهُ عَلَى ابنِ الْمُقَيَّرِ ، فمَنْ حدَّثََ عنهُ بإجازتِهِ مِنْهُ بشيءٍ مِمَّا حَدَّثَ بهِ من مَسْمُوْعَاتِهِ فَهُوَ غيرُ صحيحٍ ، وينبغي التنبهُ لهذا وأمثالِهِ اهـ.
قلتُ: لكنَّه كان يُجيز مع ذلكَ جميع ما أُجيز له, كما رأيتهُ بخط أبي حيَّان في النضار, فعلَى هذا لا تتقيَّد الرِّواية عنهُ بما حدَّث به من مَسْمُوعاته فقط, إذ يدخل الباقي فيما أُجيز له.
فَرْعٌ:
وفي معجم لسان المحدثين [14] :"والإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث ، تقول: استجزته فأجازني إذا أسقاك ماء لماشيتك وأرضك ، فكذلك طالب العلم يستجيز العالم أي يسأله أن يجيزه علمه فيجيزه إياه ؛ فعلى هذا يجوز أن يقال: أجزت فلانًا مسموعاتي أو مروياتي متعديًا بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية ، ولكن من جعل الإجازة إذنًا وإباحة وتسويغًا - وهو المعروف - فيقول: أجزت له رواية مسموعاتي ، ومتى قال: أجزت له مسموعاتي فعلى الحذف كما في نظائره ."
قال ابنُ الصلاحِ [15] : فللمجيزِ - على هذا - أنْ يقولَ: أجزتُ فلانًا مَسْمُوْعَاتي،أو مَرْوِيَاتي، فيُعَدِّيهِ بغيرِ حرفِ جرٍ ، من غيرِ حاجةٍ إلى ذِكْرِ لفظِ الروايةِ، أو نحوِ ذلكَ . ويحتاجُ إلى ذلكَ مَنْ يجعلُ الإجازةَ بمعنى التسويغِ والإذنِ والإباحةِ ، قالَ: وذلكَ هو المعروفُ . فيقولُ: أجزتُ له روايةَ مَسْمُوْعَاتي مثلًا . قالَ: وَمنْ يقولُ: أجزتُ له مَسْمُوْعَاتي فعلى سبيلِ الحذفِ الذي لا يَخْفَى نظيرُهُ ..اهـ
وعبارةُ القَسْطلاني في «المنهج» : الإجَازة مُشتقة من التجوُّز, وهو التعدي, فكأنَّه عدَّى روايته حتَّى أوصلها للرَّاوي عنهُ.
قالوا: إنَّما تُسْتحسن الإجَازة إذا علم المُجيز ما يُجِيزه, وكان المُجَازُ له من أهل العلم أيضًا, لأنَّها توسعٌ وترخيص يتأهَّل له أهل العلم, لمسيس حاجتهم إليها.
قال عيسى بن مِسْكين: الإجَازة رأس مالٌ كبير.
واشترطهُ بعضهم في صحَّتها فبالغ وحكي عن مالك حكاهُ عنه الوليد بن بكر من أصْحَابه.
وقال ابن عبد البرفي جامع بيان العلم: 1379 حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، ثنا أَبُو الْخَيْرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بِمَرْوَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزْدَادَ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الطَّيَالِسِيَّ ، بِبَغْدَادَ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي الْأَشْعَثِ أَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيِّ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ يَسْأَلُونَهُ إِجَازَةَ كِتَابٍ قَدْ حَدَّثَ بِهِ فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ:
كِتَابِي إِلَيْكُمْ فَافْهَمُوهُ فَإِنَّهُ رَسُولِي إِلَيْكُمْ وَالْكِتَابُ رَسُولُ
فَهَذَا سَمَاعِي مِنْ رِجَالٍ لَقِيتُهُمْ لَهُمْ وَرَعٌ فِي فِقْهِهِمْ وَعُقُولُ
فَإِنْ شِئْتُمْ فَارْوُوهُ عَنِّي فَإِنَّمَا تَقُولُونَ مَا قَدْ قُلْتُهُ وَأَقُولُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ:"وَتَلْخِيصُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْإِجَازَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا لِلْمَاهِرِ بِالصِّنَاعَةِ حَاذِقٍ بِهَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَنَاوَلُهَا ، وَتَكُونُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مَعْرُوفٍ لَا يَشْكُلُ إِسْنَادُهُ ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ.
وقال العِرَاقيُّ [16] :"الإجازةُ قد تكونُ بلفظِ الشيخِ وقد تكونُ بالخطِّ ، سواءٌ أجازَ ابتداءً أَمْ كتبَ بهِ على سؤالِ الإجازةِ ؟ كما جرتِ العادةُ . فإنْ كانتِ الإِجازةُ بالخطِّ فالأحسنُ والأَولى أن يتلفَّظَ بالإجازةِ أيضًا ، فإنِ اقتصرَ على الكتابةِ ولم يتلفظْ بالإجازةِ أيضًا، صحتْ إذا اقترنتِ الكتابةُ بقصدِالإجازةِ ؛ لأنَّ الكتابةَ كتابةٌ وهذهِ دون الإجازةِ الملفوظِ بها في المرتبةِ . فإنْ لم يقصدِ الإجازةَ فالظاهرُ عدمُ الصحةِ . قالَ ابنُ الصلاحِ: وغيرُ مستبَعدٍ تصحيحُ ذلك بمجردِ هذهِ الكتابةِ في بابِ الروايةِ التي جُعلتْ فيه القراءةُ على الشيخِ ، مع أَنَّهُ لم يلفظْ بما قُرِئَ عليه اخبارًا منه بذلك ."
ولا يشترط القبول في الإجَازة, كما صرَّح به البلقيني [17] .
قلت: فلو ردَّ, فالذي ينقدح في النَّفس الصحة, وكذا لو رجع الشَّيخ عن الإجَازة ويُحتمل أن يُقَال: إن قُلنا الإجَازة إخْبَار لم يَضُر الردُّ ولا الرجوع, وإن قُلنا إذن وإبَاحة ضرَّا, كالوقف والوكالة, ولكن الأوَّل هو الظَّاهر, ولم أر من تعرَّض لذلك.
وقال شيخنا الإمام الشَّمني: الإجَازة في الاصطلاح إذنٌ في الرِّواية لفظًا, أو خطًّا, يُفيد الإخبار الإجمالي عُرفًا, وأركانها أربعة: المُجيز, والمُجَاز له, والمُجَاز به, ولفظ الإجَازة.
ـــــــــــــــ
(1) - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 302) والتبصرة 2/71 و شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 138) الشاملة2
(2) - هو: محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة ، كما في شرح الألفية للعراقي 2/72
(3) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 138)
(4) - ص 270
(5) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 491) ومقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 32) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 10) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 305) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 40) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 690) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 139) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 49) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 216)
(6) - محاسن الاطلاع ص 271
(7) - علوم الحديث ص 187
(8) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 139)
(9) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 10) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 308)
(10) - الإلماع ص 106
(11) - علوم الحديث ص 188 و والبحر المحيط - (ج 5 / ص 490)
(12) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 490) ومقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 32) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 10) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 308) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 26) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 308) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 139) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 216)
(13) - في التبصرة 2/86 و الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 310) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 139)
(14) - وفي معجم لسان المحدثين - (ج 2 / ص 8)
(15) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 140) ومقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 33)
(16) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 140)
(17) - محاسن الاطلاع ص 270